حب ممنوع في بيت بيروت وصور تعيد رسم تاريخ لبنان...

حب ممنوع في بيت بيروت وصور تعيد رسم تاريخ لبنان...

صبيحة ذات يوم، خرج جاد غريّب إلى شرفة منزله في العاصمة اللبنانية بيروت، ونظر بتمعّنٍ إلى الشوارع المُحيطة به، لاحظ بعد دقائق قليلة أن شيئاً ما يحصل. تراجع إلى الخلف ونظر إلى السماء، ها هي الأبنية الجديدة ترتفع حول منزله الصغير، تتكاثر "كالفطريات" يقول المهندس الشاب خلال وصفه بيروت اليوم.

أبنية شاهقة جديدة ترتفع من حيث لا يدري، بعضها اتخذ أماكن استراتيجية بعد هدم مبنى قديم يحمل ألف قصة وقصة، ليقف المبنى الجديد شاهقاً شامخاً مكان المنازل الحجرية التي كانت تتميّز بها بيروت.

سرعان ما وجد غريّب نفسه في دوّامة من النوستالجيا المتجددة، فهو يحب بيروت، لكنه أيضاً يتخبّط مثلها في الصراع بين القديم والحديث.

الفكرة الأولى انطلقت عندما قرر توثيق أشكال المباني الحديثة وتداخلها مع المباني والمنازل القديمة في العاصمة، ويروي غريّب كيف أن المصادفة لفتت نظر واحدة من أعرق جامعات العالم إلى صوره:

"بعد انطلاقي بمهمة تصوير القديم والحديث ومحاولة الدمج بينهما، وجدت أن شبكات التواصل هي المنصة الأفضل لمشاركة هوايتي الجديدة، وبدأت الصور تنتشر ونالت إطراءات كثيرة".

اختارت جامعة "هارفرد" الأميركية عدداً من صور غريّب لعرضها في معرض بعنوان "Cityside Seaside Countryside".

الاهتمام بقصص تلك المباني دفعه إلى الخروج عن المألوف في أفكاره، كاشفاً بذلك أسراراً كثيرة عن زمن الحرب في بيروت، والذي حُفرت معظم قصصه على جدران مبانيها.

 أطلق غريّب على مجموعته الأولى اسم "الجميلة والوحش" (The Beauty & The beast) وصوّر مباني بيروت الجميلة القديمة، والوحوش الحديثة التي بدأت فرض وجودها على العاصمة، محاولاً بصوره استكشاف العلاقة الهندسية الفريدة في بيروت التي لا تزال حتى اليوم عالقةً بين أنقاض الحروب السابقة.

بعد تصوير عدد من المباني القديمة، قرر غريّب توسيع باكورة العمل والتوجه نحو تصوير مبانٍ تتميز بقصصها التي تم تداولها خلال السنوات الماضية. وقد لفت غريّب عدد كبير من المباني، إلّا أن قصص 7 منها برزت وقرر تسليط الضوء عليها.

حبٌ ممنوع في بيت بيروت

تبدأ حكاية "بيت بيروت" عام 1924. المنزل كان ملكاً لعائلة بركات، وهو تميز بهندسة منحت غرفه إطلالة على الخارج من جميع الجهات على شوارع بيروتية عدة. وفي عام 1932، وضع المهندس فؤاد قزح لمساته على بيت بيروت واستعمل الحجر الرملي الأصفر، حيث بات المكان يعرف بالبيت الأصفر وهو اسم يتكرر علي مسامع سكان بيروت منذ الصغر.

مع بداية الحرب الأهلية عام 1975، وجد سكانه أنفسهم في قلب الحدث وفي وسط الحرب، على خطوط تماس بين "الشرقية والغربية"، والتي تعد من أخطر مناطق القتال في بيروت أيام الحرب الأهلية، والوضع لم يحتمل المجازفة والانتظار.

غادر السكان المبنى لتحتله الميليشيات المتحاربة التي جعلت من هندسته المفتوحة على المدينة نقاط تمركز أساسية، استخدم المقاتلون شبابيك المنزل للقنص بحسب الروايات المتداولة.

"بيت بيروت" اليوم، احتفظ بشكله الخارجي، لكنه تحول متحفاً لذاكرة هذه المدينة. وهو يمثل مركزاً ثقافياً للفن الحديث، وقد بات يستقبل أعمال رسامين ونحاتين وفنانين كثر بعد انتهاء أعمال الترميم التي استغرقت 7 سنوات.

INSIDE_JadGhorayeb_BeitBEirut

لم يطرأ تغيير ملحوظ على معالم المبنى الخارجية، غير أن كل آثار الحرب من هدم ورصاص وكتابات المحاربين بقيت كما هي.

حُولّت الطبقة الأولى مكاناً لحفظ الذكريات. هناك تجد خلال تنقلك ما تركه القناصون، متاريس هُجرت على عجل بعد خسارة معركة، وما تبقى هو ذكريات ما عاشوه على مدى 15 عاماً من فتحات ومتاريس وحيطان سميكة وخربشات.

أقوال جاهزة

شارك غردسرعان ما وجد غريّب نفسه في دوّامة من النوستالجيا المتجددة، فهو يحب بيروت، لكنه أيضاً يتخبّط مثلها

شارك غردمجموعة "الجميلة والوحش" مباني بيروت الجميلة القديمة والوحوش الحديثة التي بدأت فرض وجودها عليها

من أبرز القصص رسائل "حب ممنوع": "إذا كان حب "جيلبير" جريمة فليشهد التاريخ أنني مجرم خطير" و "اشتقتلك حبيبي"، وغيرها عبارات يرصدها الزوار على حيطان "بيت بيروت" وهي تمثل بحسب رواة القصص حب جنود خلال الحرب، في زمن ومدينة لا يسمحان بسهولة بحب مماثل.

معبد اليهود في بحمدون

لطالما عرفت منطقة بحمدون بمناخها المعتدل صيفاً، والذي يلجأ إليه أبناء المدينة بمعظمهم بهدف الاستجمام هرباً من رطوبة المدينة. إلا أن معلماً تاريخياً بارزاً يتوسط المنطقة وهو معبد اليهود (الكنيس) المهجور منذ سنوات.

وعلى الرغم من وجود كُنسٍ أُخرى في لبنان، الأول أعيد تجديده في وسط بيروت، والثاني في مدينة صيدا، إضافة إلى دير القمر وطرابلس، إلّا أن كنيس بحمدون مهجورٌ تماماً، لكنه في حال جيدة بحسب زواره.

INSIDE_JadGhorayeb_Ma3bad

كانت بحمدون تستقبل صيفاً ما يقارب الـ4000 يهودي، وكانوا يسكنون شققاً سكنية محيطة بالكنيس الموجود في وسط المدينة. كان مجتمعهم مجتمعاً حيوياً بحسب الروايات لأن الكنيس كان واحداً من أكبر الكُنس في لبنان، إذ يرجّح أن عدد اليهود في لبنان لم يتجاوز الـ15000 أو حتى الـ20000.

كنيس بحمدون يشبه إلى حد ما كنيس بيروت، هندسياً، أما داخله فلا يزال محافظاً على تفاصيله حيث لم تلحق به أضرار كبيرة رغم مرور الزّمن.

شيد الكنيس عام 1922، بهيكله الجديد لأنه من أحدث الكُنس التي شيدت في لبنان، إلا أن الجالية اليهودية التي كانت في بحمدون في سنوات الحرب بدأت تغادر تباعاً إلى أن لم يبقَ منها أحد. هُجر الكنيس، وظلّت هندسته المميزة للذكرى من دون ترميم حتى اليوم.

مسرح بيروت الكبير

من أشهر معالم بيروت الثقافية والفنية، المسرح الكبير الذي شيده جاك تابت، الشاعر وعاشق المسرح، عام 1929، مختاراً وسط بيروت الحيوي مركزاً له.

صمم المسرح الكبير يوسف أفطيموس، وكان جزءاً من مشروع أوسع: فندق ومجموعة من المحال التجارية والشقق السكنية المحاذية المبنى.

افتتح المسرح عام 1929، وجذب مئات الزوار، روّج له بأنه مسرح "سويسرا الشرق". وبأداء مسرحي فرنسي راقص، مستوحى من مسرح برودوي، تزيّنت خشبة المسرح يومذاك. والحفلات لم تنتهِ على خشبته، حيث وقف كل من محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وقدّما أجمل أغانيهما. وإضافة الى الأداء الفني، كان المسرح يعرض أفلاماً عالمية وإنتاجات أجنبية.

بعد عام 1960، بات المسرح يستخدم صالة للسينما فقط. ومع الدمار الذي لحق به وبوسط بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية، أعيد تصميم واجهته في منتصف التسعينات ليبقى المشروع قيد الترميم حتى اليوم.

INSIDE_JadGhorayeb_GrandTheatre

في إحدى زوايا المداخل، كُتبت عبارة "كان في مسرح" دلالة على انتهاء أيام مسرح بيروت الكبير المغلق اليوم، والذي ينتظر إعادة ترميمه من الداخل، ويقال أنه سيتحول إلى فندق تقليدي بعد تجديده من الداخل، إن استُكمل المشروع.

وبحسب وثائق تعود إلى عام 2009، امتنعت شركة "سوليدير" الموكلة المشروع عن إعادة تجديد المسرح، حيث سيصعب ترميم مسرح مماثل من دون تدمير المبنى وإعادة بنائه، وهو أمر تريد الشّركة تفاديه، لأنّ بناء مسرح بمواصفات عالمية سيتطلّب مساحة أوسع وهندسة مختلفة.

لذا، حفاظاً على مضمون المبنى التاريخي، تستمر عملية تدعيم أساساته وترميم واجهته فقط.

برج المر: لكل حزب طابق

بعد 24 سنة من انتهاء الحرب، لا يرى المارة من المبنى إلّا هيكلاً مهجوراً.، فالقتال الشرس بين الميليشيات المسيحية والمقاتلين الفلسطينيين وعدد من الأحزاب المتحالفة مع الطرفين حوّل المبنى الذي لم يبصر النور، محرقة.

ما حصل يومذاك في منطقة البرج عُرف بمعركة الفنادق، وهي واحدة من أشهر معارك الحرب الأهلية اللبنانية ودارت رحاها في منطقة الفنادق وسط مدينة بيروت.

INSIDE_JadGhorayeb_BurjElMurr2

في كل طبقة من طبقات البرح الـ34، تركت مجموعة مسلحة بعض البصمات، من خلال رسمات غرافيتي، أو عبارات وكلمات أو حتى أعلام مجموعات مسلحة، مثل رسم كبير لعلم "حركة أمل" اللبنانية، يبدو واضحاً حتى اليوم على حائط أحد الغرف.

البرج الذي يطل على معظم أحياء العاصمة بيروت، استخدم نقطة قتالية استراتيجة. وكان فيه أيضاً سجن كبير بحسب الروايات، لاعتقال المسلحين من كل الأطراف، حسب المجموعة المسيطرة على المبنى.

وفي إحدى الطبقات، تبدو مخلّفات من مر على المبنى واضحة: "قوات الردع... أمن وسلام ومحبة"، حُفرت على الحائط بخطّ متزن أبيض، كأن من كتبها كان يمتلك ما يكفي من الوقت لخطّها بثبات وسط الحرب الدموية.

INSIDE_JadGhorayeb_BurjElMurr1

هيكل البرج وتصميمه وطبقاته العالية جعلت منه موقعاً "مثالياً للقنص"، حيث رسم ذلك في مخيلة اللبنانيين دائرة وهمية قطرها 2 كلم حول البرج، تخيف كل من يفكر في الاقتراب منه، في خضم المعارك التي قتلت المئات، وفق ما يذكر الباحث سون هوغبول في كتابه "في الحرب والذكرى في لبنان".

مبنى سان شارل، فندق "هوليدي إن" سابقاً

"يقشعر البدن خلال دخول الفندق المهجور"، يقول جاد غريّب خلال تصفحه بعض الصور التي التقطها. برج الفندق شُيّد بين عامي 1963 و1964. وهو مؤلف من 24 طبقة يعلوها مطعم دوار، وكان جزءاً من مشروع "سانت تشارلز سيتي سنتر" الذي كان يضم أيضاً مبنى تجارياً ومركز تسوق وصالة سينما.

ولم يمضِ عامان على افتتاح الفندق، حتى تحول ساحة معارك. أما بقايا الثريات الزجاجية والسقف المزخرف فلا تزال حاضرة بحسب غريّب الذي حاول بعدسته التقاط ما يمكن من التفاصيل بعد انتظاره أشهراً للحصول على إذن رسمي لتصوير المبنى المغلق منذ سنوات.

INSIDE_JadGhorayeb_HolidayInn

روايات مروعة وقصص حزينة يتم تداولها عما حصل داخل دهاليز الفندق وفي طبقاته السفلى تحت الأرض، إلى جانب الأضرار الناتجة من المعارك والقصف. وكغيره من المباني المهجورة، تعرض الفندق للسرقة على أيدي مقاتلين احتلوه في السنوات الأولى للحرب.

اليوم، المبنى خال تماماً، لا أثاث ولا أبواب ولا حتى بلاط ولا مصابيح الإنارة موجودة، أما ما بقي فهو زخرفات على الحيطان وثق من خلالها المقاتلون مررورهم بطبقات المبنى.

يقول جاد غريّب أن الروائح المنبعثة من دهاليز المبنى تطلق العنان لمخيلة الزائر كي يتصور ما كان يحصل هناك خلال الحرب، فيتردد في تفقد تلك الغرف.

INSIDE_JadGhorayeb_HolidayInn1

كان المبنى خط الدفاع الأول عما كان يسمى "المنطقة الشرقية" التي كانت تحوي أكثرية مسيحية في لبنان يومذاك، حيث تسابق المقاتلون إلى احتلال أكبر عدد ممكن من المباني، ويروي مقاتلون سابقون أن رفاقاً لهم رموا بأنفسهم من أعلى الفندق بعد نفاد الذخيرة منهم.

فيلا يوسف بيدس والافلاس الشهير

ارتبطت سيرة المصرفي يوسف بيدس بفترة حرجة من تاريخ لبنان تمثّلت في أزمة مصرف "إنترا" عام 1966، وتعتبر قصة إفلاسه من الروايات المثيرة للجدال.

المصرفي الفلسطيني اللبناني كان رئيس مجلس إدارة مصرف "إنترا"، وهو من أكبر المصارف في لبنان في فترة الستينات. وإضافة إلى عمله في المجال الاقتصادي المصرفي، كان بيدس مالكاً عقارات وأبنية عدة في لبنان. لُقّب بيدس بـ "المصرفي العبقري" إلى حين انهيار "إنترا" الذي  وُصف بكونه من أكبر الانهيارات المالية الكارثية فى تاريخ لبنان.

INSIDE_JadGhorayeb_Villa

أثّر ذلك في عجلة البلد الاقتصادية. والتأثير لم يكن فقط محلياً، بل إقليمياً في الشرق الأوسط حيث تأثرت مؤسسات ومصارف عدة مرتبطة به.

مملكة "إنترا" شملت شركات لبنانية عدة ومنها شركة طيران الشرق الأوسط وفندق "فينيسيا" الشهير، إضافة إلى كازينو لبنان، وعدد كبير من الشركات الخاصة، و "استديو بعلبك" الشهير الذي كان معروفاً مؤسسة تسجيل صوتي وإنتاج أفلام روجت لكبار نجوم الغناء في لبنان والمنطقة.

أما فيلا بيدس الشهيرة في منطقة بحمدون فمهجورة منذ أزمة الإفلاس، يقول مقربون من العائلة أن المهندس الذي صمم البناء الفريد من نوعه المطل على مساحات خضر شاسعة على تلة في بحمدون، هو  فيكتور بشارات، ولد في فلسطين وتابع دراسته في الجامعة الأميركية ببيروت، وبقيت الفيلا المميزة غير مكتملة.

INSIDE_JadGhorayeb_Villa2

يسكن اليوم الفيلا الشهيرة عجوزان يهتمان بما تبقّى من نبات في العقار المهجور، لا شيء عن مصير العقار حتى اليوم، وما إذا كانت الدولة اللبنانية قد أهملته عن سابق إصرار وتصميم أو بسبب خلافات قضائية.

دير النبي اشعيا للرهبانية الحلبية للروم الكاثوليك

تروي الكتابات على حيطان الدير حكايات كثيرة، لعل أبرزها أنه اسُتخدم من جانب ميليشيات مسيحية عدة خلال الحرب اللبنانية، معتقلاً لمسلحين آخرين، بعضهم قضى وقته برسم علامات صغيرة لاحتساب عدد الأيام في المعتقل.

INSIDE_JadGhorayeb_Deir

في إحدى غرفه مئات الأعداد من الجرائد القديمة، من "الأحرار" و "السفير" اللتين توقفتا عن الصدور، إلى "النهار" وغيرها، بعناوين عريضة ومانشيتات تنذر بأسوإ من الحرب، أعداد تعود إلى عامي 1978 و1979، أي خلال السنوات الأولى لاندلاع الحرب في لبنان.

INSIDE_JadGhorayeb_Deir2

تبقى تفاصيل قصة الدير وما دار فيه من حوادث أيام الحرب متضاربة، ولعل الجدران هي الوحيدة الكفيلة اليوم بحفظ ذكريات ما حصل وويلاته.

لونا صفوان

لونا صفوان، صحافية لبنانية. عملت في عدد من المواقع الإلكترونية الناطقة باللغتين العربية والانكليزية على تغطيات أحداث الربيع العربي، الرقابة والحريات الصحافية.

التعليقات

المقال التالي