مساجد بلا مآذن: مجرد تطور معماري أم تغير في تصورنا للرموز الإسلامية؟

مساجد بلا مآذن: مجرد تطور معماري أم تغير في تصورنا للرموز الإسلامية؟

 

في عام 2009، أيد الناخبون السويسريون اقتراح استفتاء يحظر بناء المآذن تقدم به حزب الشعب السويسري الذي يعد أكبر حزب في البرلمان، باعتبار أن المآذن إشارة إلى "الأسلمة".

عارضت الحكومة الحظر، موضحة أن استفتاء كهذا من شأنه أن يزيد التوتر في العلاقات بين سويسرا والعالم الإسلامي. وجاء رد أمين عام الحزب بأن تصويت الشعب ضد المآذن ما هو إلا تصويت ضد "رموز السلطة الإسلامية".

هذه الحادثة تحيلنا إلى التساؤل عن ماهية المسجد في الإسلام، والعناصر ذات القدسية فيه.

في الآونة الأخيرة، شهدنا حركة جديدة في العمارة الإسلامية تخلت عن فكرة قدسية المئذنة واستبدلتها بعنصر آخر أو طريقة عرض مختلفة لها.

في هذه المقالة، نناقش أمثلة مختلفة في ظل هذه الحركة...

مسجد الأمير شكيب أرسلان في لبنان

domus-mosque-00

بُني المسجد حديثاً عام 2016 في قرية المختارة بلبنان، وهو يستمد أهميته من موقعه، إذ شيد في قرية غالبية سكانها من الدروز، بلا مئذنة تقليدية.

"أساس الفكرة بالنسبة إلينا هو اهتمامنا بالمفارقات التي نجدها في تصميم الهندسة المعمارية في الإسلام"، يقول مكرم قاضي، شريك زياد جمال الدين في الشركة المعمارية "ليفت – LEFT"، والتي بنت مسجد الأمير شكيب أرسلان، لرصيف22.

"(الإسلام) هو الديانة الأسرع نموًا في العالم بمعدل 2.9٪ سنوياً، ومن المتوقع أن يكون عدد المسلمين بحلول عام  2025، هو الأكبر في ديانة واحدة على الأرض. وهذا يعني أن مزيداً من الشباب ينضم إليه، لذلك كنا نتوقع أن يطور جيل الشباب العمارة الإسلامية ويجعلها أكثر تقدمية، لكن هذا ليس هو الحال"، يضيف قاضي لرصيف22.

بناء المسجد لم يكن مصادفة، بحسب قاضي، بل هو جزء من بحث بدأ منذ حوالى خمس سنوات عن المعمار في الإسلام، والذي يرتكز على المسجد، وانبثقت خلال البحث لجنة لبناء المسجد.

"يمكننا القول أننا كنا نعمل على المشروع على أساس أكاديمي جزئياً في جامعتي ييل (2011) وكولومبيا (2013) حيث كنا ندرّس"، يقول قاضي.

في الستيات والسبعينات...

يقول قاضي أنه في الستينيات والسبعينات من القرن الماضي، عندما كان الفكر العربي أكثر تقدماً من الآن، بخاصة في عهد عبدالناصر وفكرة الوحدة العربية، كانت هناك أمثلة كثيرة لمساجد مثيرة للاهتمام، مثل مسجد عائشة بكار في بيروت لراسم بدران.

"تحاول هذه المساجد تطوير تصورنا المسجدَ، خصوصاً أن القرآن والحديث لا يمليان صورة نمطية واحدة للمسجد كمكعب تحت قبة كقاعدة للمئذنة، بل يتركان الحرية لمخيلة المهندس المعماري"، يقول قاضي.

ويتابع أن هذا التصور النمطي للمسجد ولّدته قوالب وجدت مسبقاً في كنيسة آيا صوفيا على سبيل المثل، وبالتالي فإن فكرة المئذنة نفسها مأخوذة من برج جرس الكنيسة.

أقوال جاهزة

شارك غردالقرآن والحديث لا يمليان صورة نمطية واحدة للمسجد كمكعب تحت قبة يعمل كقاعدة للمئذنة، بل يتركان الحرية لمخيلة المهندس المعماري

شارك غردالتصور النمطي للمسجد ولدته قوالب قديمة ككنيسة أجيا صوفيا وبالتالي فإن المئذنة هي مشتق من برج جرس الكنيسة

هذه العناصر وجدت قبل الإسلام، واستمر الإسلام في تبنيها، لذلك فهي ليست بالضرورة أصيلة في الدين، وفكرة الأصالة هنا تسبب إشكالية، لأنها تدفعنا إلى التساؤل عن الأصالة في بنية المسجد. وهنا تُظهر خريطة المدينة الإسلامية التطور في تصميم المسجد المعماري منذ أيام النبي وحتى الآن.

تحليل هذه الحركة المعمارية

ناقش رصيف 22 مع الدكتورة هويدا حارثي الأستاذة في الفنون والعمارة الإسلامية في الجامعة الأميركية ببيروت، فكرة المآذن في الإسلام فقالت: "أعتقد أن المسألة تنقسم إلى شقين، أحدهما يتعلق بالمئذنة كرمز للمسجد، وبالتالي الإيمان، وهنا يكمن السبب في مناقشتها والجدال القائم حولها في أوروبا حيث تعتبر المآذن بمثابة إشارة إلى الإيمان في المشهد الاجتماعي للمدينة وإلى المجتمعات المسلمة التي ترتبط بهذا الإيمان". وتضيف: "قديماً، شيدت المآذن للدعوة إلى الصلاة وأصبحت عنصرًا معماريًّا وجزءاً لا يتجزأ من مبنى المسجد. أما الآن، وبعد استخدام التكنولوجيا للقيام بتلك الوظيفة، أصبحت وظيفة المئذنة أكثر رمزية" .

الشق الآخر، في رأيها هو البنية المعمارية للمئذنة.

"اتخذ الشكل الثابت للمآذن، مثلها مثل عناصر معمارية كثيرة في المسجد، قدسيةً مع اختلاف أنماطه على مر الزمن، فنرى المئذنة في العصر الأموى على شكل برج مربع غير مزخرف ثم على شكل حلزوني في العصر العباسي، ثم المئذنة المتعددة الطبقة المزينة بالمقرنصات في عصر المماليك. يبحث بعض المعماريين اليوم عن أنماط جديدة لمآذن معاصرة تعكس تكنولوجيا البناء والجماليات التي وصلنا إليها في يومنا هذا، في حين أن معماريين آخرين يستحضرون النماذج والأساليب القديمة لإظهار الروابط مع التقاليد القومية أو السياسية".

الفوارق بين المساجد القديمة والحديثة

بحسب قاضي هي 3 فوارق.

"الفارق الأول الذي يلاحظ هو المقياس، حيث إن المساجد القديمة كانت ذات مساحات متواضعة مقارنة بها في المساجد المعاصرة، ويعتبر مسجد الدولة في ديكتاتوريات العالم العربي مثلاً على تلك الكبيرة"، يقول قاضي.

"الثاني، هو السياق الذي يجب أخذه في الاعتبار؛ نحن لم نرسم مسجداً معزولاً عن محيطه، وهذا يظهر لنا اندماج المساجد الأولى مع سياقها، في حين أن مساجد اليوم تنفصل أكثر فأكثر عن سياقها".

"الفارق الثالث، هو البرنامج، حيث كانت المساجد قديماً أكثر اتساقاً مع سياقها ليس فقط من الناحية البنائية، بل أيضاً من ناحية البرنامج (وما تقدمه من خدمات)، فعلى سبيل المثل واحدة من أقدم المكتبات في العالم كانت في مسجد القرويين في المغرب. كان يعتبر المسجد مساحة مقدسة، ولكن ليس بطريقة دوغمائية، وقد تم تهجينها إلى حد ما لتخدم سياقها (التاريخي والاجتماعي)، لذلك كان المبنى دائماً مسجداً، إضافة إلى شيء آخر، في حين أن المسجد المعاصر هو مجرد مسجد".

كان ينظر إلى المسجد على أنه مساحة مقدسة ولكن ليس بطريقة دوغماتية لذلك كان المبنى دائماً مسجداً، إضافة إلى شيء آخر، في حين أن المسجد المعاصر هو مجرد مسجد

نقطة أخرى يشير إليها قاضي، وهي أنه عند النظر إلى كلمة الجامع في اللغة العربية، نجد أنها مشتقة من الفعل الثلاثي "جمع"، لذلك فهو يخدم أيضاً فكرة التجمع.

كان للمسجد تأثير في المجتمع الذي يقام فيه وفق ما يقول قاضي: "فالسكان المسيحيون في المختارة يشعرون بنوع من الإلفة تجاه المسجد، وتحديداً لأنه لم ينفرهم، بل تبنى لهجة روحية يمكن أي شخص أن يألفها.

 

مسجد سانكاكلار في تركيا

مسجد-سانكاكلار-في-تركيا

نتجه شمالاً إلى الأراضي التركية، حيث تبنت تركيا، وهي دولة إسلامية، الفكر العلماني الذي يحدد العلاقات بين الدين والدولة.

وقد أُدخلت العلمانية لأول مرة في سياسة الدولة مع تعديل في 1928 دستورَ عام 1924، بإلغاء البند الذي يقول أن "دين الدولة هو الإسلام".

ومع الإصلاحات اللاحقة التي قدمها باني تركيا الحديثة الرئيس الأول مصطفى كمال أتاتورك، وُضعت المتطلبات الإدارية والسياسية لإنشاء دولة علمانية ديموقراطية حديثة، بحيث تتماشى مع قيم الفكر الكمالي.

وعلى الرغم من أن هذا الوضع بدأ يتغير قليلاً حديثاً، إلا أن تركيا موطن لمسجد سانكاكلار، أحد المساجد الحديثة المبتكرة.  

بُني المسجد عام 2012 على مشارف إسطنبول، ويعتبر مثلاً على التناسق المدهش بين المبنى وبيئته. وصرحت شركة إمري أرولات المعمارية التي شيدت المسجد، بأنها تهدف إلى معالجة القضايا الأساسية المتمثلة في تصميم المسجد من خلال الابتعاد من المناقشات المعمارية الحالية القائمة على البنية المعمارية والتركيز فقط على الجوهر الديني لمساحة المسجد.

يوظف المشروع باستمرار الاختلاف بين ما يصنعه الإنسان والطبيعية. ويساعد في تعزيز هذه العلاقة المزدوجة التباينُ بين السلالم الحجرية الطبيعية التي تتتبع المنحدر الطبيعي لتضاريس الأرض والسطح المكون من لوح خرسانة مسلحة رقيق يمتد بعرض ستة أمتار.

في عام 2015، فاز المشروع بالجائزة المقدمة عن فئة المباني الدينية في مسابقة آركماراثون في بيروت، ولقي قبولاً من لجنة التحكيم. وتعتبر الاستجابات الحماسية علامة على أن هذا النهج هو ما يحتاج إليه العصر الحالي؛ لغة معمارية يمكن أن يألفها الجيل الجديد، ومحاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين المسلمين ومساحات الصلاة.

مصلى وركن عبادة في السودان

مصلى-وركن-عبادة-في-السودان

في الجانب الأفريقي من الشرق الأوسط، تحديداً السودان، أدى التوتر الديني في البلاد إلى انقسامها دولتين  مختلفتين: السودان وجنوب السودان عام 2011. وقد استلهمت المنظمة الإيطالية للمساعدات الإنسانية "منظمة الطوارئ غير الحكومية - EMERGENCY NGO"، هذا التوتر الديني لتشييد مبنى للصلاة، وهو مساحة مشتركة تجمع المصلين أياً كانت خلفياتهم الدينية.

خلال السنوات العشرين الماضية، ذاق السودان ويلات حروب كثيرة بين الطوائف العرقية والدينية، لذلك يقول مهندسو فريق Studio Tamassociati المعماري: "كنا بحاجة إلى التفكير في مساحة للصلاة، كالمعتاد في أي مكان للرعاية الصحية، لذلك كان علينا التفكير في معضلة إيجاد مساحة يمكنها أن تحتضن الروحانيات المعقدة في هذا البلد"، وأضافوا: "اختيارنا لم يكن أساسه منح أي دين بعينه امتيازاً، بل خلق مساحة للصلاة والتأمل لجميع الأديان".

2مصلى-وركن-عبادة-في-السودان

يتألف المبنى من مكعبين يحتويان على شجرتين، ما يجعل وجودهما كعنصرين طبيعيين داخل مساحة اصطناعية، يساهم في إضفاء قدسية إلى المكان.

وفي ما يتعلق بمطالب طقوس الصلاة في الإسلام، يقول المهندسون: "من الواضح أنه كان علينا أن نفكر بجدية في العقيدة الإسلامية، التي هي ديانة غالبية السودانيين، وطقوسها كالوضوء، وفصل الرجال عن النساء، لكننا خفضنا الأثر السياقي لهذه القواعد حتى لا تكون مهيمنة. وقد تمكنّا من ذلك من طريق إخفاء جميع الرموز والعناصر التي تخص ديناً واحداً بعينه. فعلى سبيل المثل، ينزل رذاذ ماء من أعلى حائط، قبل المدخل، ما يسمح بالوضوء من دون أن يحمل رمزاً دينياً واضحاً، بل يعتبر ببساطة عنصراً من عناصر بركة ماء".

 

 

 

رنا بشير

مهندسة معمارية و طالبة علوم اجتماعية؛ مهتمة بالعمل الإنساني ولا سيما المرتبط بجانب فني.

التعليقات

المقال التالي