هل نرغب حقاً بالاحتفاظ بشبابنا طول العمر... ألا نحتاج للشيخوخة؟

هل نرغب حقاً بالاحتفاظ بشبابنا طول العمر... ألا نحتاج للشيخوخة؟

يعيش الحاج إبراهيم محمد وزوجته في أحد البيوت البسيطة بمنطقة بولاق الدكرور (منطقة شعبية في محافظة الجيزة المصرية)، اقترب عمر الرجل من الثمانين، يقول أنه سعيد حقاً بالعمر الطويل الذي عاشه، ولا يتمنى أن يعيش أكثر من ذلك. ولكن، هل يفكر كل الناس مثل الحاج إبراهيم؟

بالتأكيد لا، فهناك من يحلمون بأن يعيشوا أطول فترة ممكنة من دون أن تقترب منهم الشيخوخة بمشكلاتها الصحية، ومن أجل هؤلاء لا يتوقف العلم عن محاولة ابتكار عقاقير تهدف إلى إبطاء الشيخوخة وجعل البشر قادرين على الاحتفاظ بشبابهم وصحتهم لأطول فترة، فهل هذا الأمر في مصلحة البشر حقاً؟

لا يعرف الحاج إبراهيم أي مؤسسة بحثية غربية، وصدم حين أخبرناه بأن هناك محاولات علمية جادة لأن يعيش البشر عمراً طويلاً من دون شيخوخة.

صدم أكثر حين أخبرناه بأن هناك مجموعة من العلماء ترى أن البشر سيستطيعون قريباً أن يعيشوا حوالى ألف سنة، ومن ضمن هؤلاء العلماء أوبري دي غراي، الأستاذ في مؤسسة SENS البحثية، والذي يقول أن العلم سيتمكن من جعل البشر قادرين على أن يعيشوا في صحة جيدة لألف سنة.

يؤمن المسن بأن الشيخوخة مرحلة طبيعية ستعيشها الكائنات الحية جميعها، ويرى أن الإنسان حين يرحل فإنه بذلك يعطي إنساناً آخر فرصة ليعيش مكانه في هذه الحياة. يقول بتلقائية وبابتسامة رضا: "حين أموت أنا، فهناك شخص آخر سيستخدم كمية المياه التي كنت سأشربها، ويأكل الطعام الذي كنت سآكله، ويأخذ مكاني في وسائل المواصلات، ويجد فرصة عمل، هذه سنّة الحياة".

أقوال جاهزة

شارك غردالشيخوخة مرحلة طبيعية يمر بها جميع الكائنات والإنسان حين يرحل يعطي فرصة لإنسان آخر ليعيش مكانه في الحياة

شارك غرد"حين أموت فهناك شخص آخر سيستخدم كمية المياه التي كنت أشربها ويأكل الطعام الذي كنت سآكله..هذه سنة الحياة"

لا يعرف الحاج إبراهيم أن ما قاله ببساطة شديدة يتفق معه كثر من العلماء والباحثين في الغرب، وحتى بعض الأفلام السينمائية تناولت وجهة النظر هذه، ومنها فيلم الخيال العلمي Logan’s Run (إنتاج عام 1976) والذي ناقش مسألة تحوّل المستقبل جحيماً بسبب الزيادة السكانية وقلة الموارد.

لكن شركات الأدوية ومراكز الأبحاث الكبيرة لا ترى الأمر كذلك، ففي رأيها هذه نظرة عاطفية وغير تجارية، وربما تكون ضد العلم الذي يجب ألّا تكون له حدود أو قيود.

عقّار ضد الشيخوخة قريباً في الأسواق؟

في قائمة العقاقير البارزة التي تسعى إلى محاربة الشيخوخة، سنجد NMN الذي أثبت قدرته على وقف الشيخوخة حين جُرّب على الفئران وأطال أعمارها، ويجري العلماء الذين يعملون عليه حالياً تجارب سريرية على البشر وفي حال نجاحها سيصبح العقّار المركب الدوائي الأول الذي يمنع الشيخوخة عن البشر ويطيل أعمارهم.

تجارب العلماء على هذا العقّار أثارت انتباه ناسا (الوكالة الأميركية المسؤولة عن البرنامج الفضائي للولايات المتحدة) التي اعتبرت أن هذا العقّار في حال نجاحه سيساعدها في إطلاق رحلة ناجحة مدتها أربع سنوات إلى المريخ.

أهمية العقّار بحسب ناسا هو أنه سيساعد في سلامة رواد الفضاء الذين تتسارع لديهم أعراض الشيخوخة بسبب الإشعاع الكوني الذي يؤدي إلى ضعف العضلات، وفقدان الذاكرة وأعراض أخرى عند عودتهم إلى الأرض.

ففي حال سفر رواد الفضاء إلى المريخ تحديداً، ستكون الحال أسوأ بكثير، لأن 5 في المئة من خلايا رواد الفضاء ستموت بسبب الإشعاع الكوني الشديد وستصل فرص إصابتهم بالسرطان إلى مئة في المئة.

كيف يعمل هذا العقّار؟

المركب الدوائي NMN يُحفّز إنتاج نوع من البروتينات يطلق عليه سيروتين، وهو البروتين الذي يقل كلما زاد عمر الإنسان.

يقول علماء أن هناك فائدة أخرى للعقّار غير وقف أعراض الشيخوخة وتحويل حلم الشباب الدائم واقعاً، وهذه الفائدة هي تعزيز صحة الإنسان بصفة عامة.

يرى تقرير علمي حديث نشره موقع BBC أن العلم قادر حقاً على زيادة عمر البشر، وأعطى مثلاً على ذلك، هو أنه في الخمسينات من القرن التاسع عشر، كان متوسط عمر الإنسان المتوقع في الولايات المتحدة لا يزيد عن 40 سنة، لكن الأمر اختلف الآن وأصبح متوسط عمر المواطن الأميركي نحو 78 سنة.

لكن التقرير يقول أن النجاح الذي قد يحققه العلماء لجعل حياة البشر أطول سيؤدي إلى زيادة كبيرة في عدد السكان، وهذا الأمر مصدر قلق متزايد في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن عالمنا أصبحت موارده شحيحة، بالتالي ستؤدي الزيادة السكانية إلى مشكلات كثيرة.

لكن هذه المخاوف لم تمنع شركة ضخمة مثل كاليكو (شركة أميركية يعمل فيها عشرات العلماء والباحثين في مجالات علمية مختلفة) من أن تستثمر ملايين الدولارات بهدف تسخير التكنولوجيات الحديثة لفهم البيولوجيا التي تتحكم في العمر، واستخدام تلك المعرفة في تنفيذ ابتكارات تمكن الناس من أن يعيشوا حياة أطول وأكثر صحة.

يرى تقرير BBC أيضاً أن هناك أمراً سلبياً آخر سيحدث، إذا نجح العلماء في مهمتهم، وهو أمر أخلاقي، حيث سيصبح عالمنا منقسماً قسمين، قسم يستطيع الحصول على العقّار، بالتالي يعيش حياة أطول وأكثر صحة.

أما القسم الآخر فلن يستطيع الحصول على هذا العقّار لأسباب اقتصادية، بالتالي سيموت! وكلنا يعلم أن عالمنا بالفعل يتميز بعدم المساواة الاجتماعية، وستكون وقتذاك لدى الطفل المولود في الأحياء الفقيرة في نيروبي فرص حياة مختلفة تماماً عن طفل ولد في لندن مثلاً.

عمر أطول أم صحة أفضل؟

يرى بعض العلماء أنه بدلاً من ضخ المليارات من الدولارات على أبحاث تزيد من عمر البشر، فالأفضل أن يكون هناك اهتمام أكثر بأبحاث طبية تهدف إلى جعلنا نعيش في صحة أفضل، إذ يعاني كثر من البشر، خصوصاً كبار السن من ظروف مثل السرطان وأمراض القلب والخرف وغيرها.

ما رأيكم قرّاء رصيف22، أيهما أفضل أن تظهر عقاقير تزيد العمر وتحصل عليها فقط في المستقبل فئة من البشر قادرة مادياً على الحصول عليها؟ أم أن يضع العلماء كل جهودهم ومواردهم لابتكار عقاقير تجعل جميع البشر يعيشون حياة من دون أمراض؟ ماذا تختارون عمراً أطول أم صحة أفضل؟

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
الصحة

التعليقات

المقال التالي