ولائم وأوبن بوفيه والنتيجة: السعودية والإمارات من أكثر الدول هدراً للطعام في العالم

ولائم وأوبن بوفيه والنتيجة: السعودية والإمارات من أكثر الدول هدراً للطعام في العالم

"الخبز اللين مو بالهين"، و"أكل اللقم يمنع النقم"، عبارتان وردتا إلى ذهني وأنا أقرأ آخر الدراسات الصادرة عن مركز باريلا للطعام والتغذية بالتعاون مع مجلة إيكونوميست البريطانية. الدراسة خلصت إلى أن المملكة العربية السعودية الأولى عالمياً في قائمة الدول الأكثر هدراً للطعام، بمعدل 427 كيلوغراماً من الطعام سنوياً للمواطن الواحد. وتأتي أندونيسيا في المرتبة الثانية، بمعدل 300 كيلوغرام، والولايات المتحدة الأميريكية في المرتبة الثالثة، بمعدل 277 كيلوغراماً سنوياً للمواطن الواحد، تليها الإمارات العربية في المرتبة الرابعة، بمعدل 196 كيلوغراماً للمواطن الإماراتي سنوياً.

إذن، ثلث العالم يهدر قرابة 1،3 مليون كلغ من الطعام بكلفة 750 مليار دولار سنوياً، وفي الوقت نفسه 795 مليون شخص حول العالم يعاني من الجوع، في حين أن الحفاظ على ربع قيمة الطعام المهدور يكفي لإطعام 765 مليون منهم.

ملايين الأطنان من الأغذية ترمى في النفايات قبل وصولها للمستهلك في البلدان النامية، تستنزف الموارد الطبيعية من ماء وطاقة وأسمدة، وهو ما وضحته نتائج الدراسة التي أكدت أن النسبة المئوية لمصادر المياه المستنزفة في البلاد العربية هي الأسوأ. فقد بلغت في مصر 114.9% وفي السعودية 867.9%، وفي الإمارات 2.208%، ما يؤثر سلباً على مؤشر التنمية الزراعية والتنوع البيئي في الكثير من بلدان العالم، بما فيها البلاد العربية التي جاءت في أسفل القائمة لمؤشر التنمية الزراعية في العالم، والذي يعتبر الأسوأ في الإمارات ومصر.

وحذر التقرير من المخاطر الناجمة عن تراكم النفايات الغذائية وعدم التخلص منها، والتي تؤثر سلباً على البيئة من خلال الغازات المنبعثة من تفسخها. فقد بلغت قيمة البصمة الكرتونية للنفايات 3.3 جيغا طن أي ما يعادل ثلث الانبعاثات السنوية الناتجة عن الوقود. كذلك يُعد غاز الميتان المنبعث من النفايات أخطر من غاز ثاني أكسيد الكربون بـ21 مرة، لدوره في زيادة مشاكل الاحتباس الحراري.

Food Waste

نتائج صادمة تثير في عقولنا مجموعة من التساؤلات، كيف يمكن أن تهدر ملايين الأطنان من الطعام في بلد عربي، تكفي وحدها لحل أزمة الجوع في بلاد عربية أخرى تعمها المآسي والحروب؟ كيف يمكن أن ترمى 50% من الأطعمة الغذائية في النفايات، وهي صالحة للاستهلاك؟ كيف يمكن للمواطن أن يساهم في زيادة الأعباء الاقتصادية على بلده؟ كيف يمكن لنا أن نهدر طعام أطفالنا، وأن نهدد الأمن الغذائي العالمي في السنوات المقبلة من دون وعي منا لذلك؟

الثراء وغياب العقاب وسوء التدبير

الدكتور مصطفى رجب أستاذ في علم الاجتماع من جامعة صنعاء، يرى أن الفقر وانتشار المجاعات والحروب في المنطقة العربية قديماً، لهما دور كبير في انتشار ثقافة حفظ النعمة عند الأهل والأجداد. فكانوا يبذلون الكثير من الجهد للحصول على رغيف خبز ويكتفون بالقليل من الطعام، الذي يغيب عنه التنوع غالباً. في حين أن الحياة العصرية والترف ساهما في انتشار ثقافة التبذير في المجتمعات العربية، فلا تخلو مناسبة من إقامة العزائم والمناسف التي تحضر فيها عشرات الأنواع من الأطعمة بكميات تفوق أعداد المدعوين بأضعاف.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف يمكن أن ترمى 50% من الأطعمة الغذائية في النفايات، وهي صالحة للاستهلاك؟

شارك غردلا تخلو مناسبة من إقامة العزائم التي تحضر فيها عشرات الأنواع من الأطعمة بكمية تفوق أعداد المدعوين بأضعاف

ويضيف: "كذلك غياب ثقافة التدبير لدى المسؤولين عن حفظ وتخزين الأغذية، يساهم في هدر كميات كبيرة من الأغذية، فسوء الحفظ والتخزين وشراء كميات كبيرة من الأغذية، يساهمان في تلفها دون الاستفادة منها".

وللقضاء على المشكلة والحد من انتشارها، قامت مؤخراً مبادرات فردية عديدة، للعمل على نشر الوعي لمخاطر هدر الطعام ونشر ثقافة حفظ النعمة وتجنب التبذير. إلا أنها غير كافية لإحداث تغييرات جذرية، وفقاً للدكتور مصطفى، الذي يرى أن حل المشكلة بحاجة لدعم حكومي وجهد مؤسساتي يشمل العمل على عدة أصعدة، وذلك من خلال وضع قوانين للحد من هدر الأغذية، توجب عقوبات صارمة على من يخالفها، وتشجيع إطلاق مبادرات وخلق أفكار تساهم في وضع آليات لحفظ الأغذية والاستفادة منها عوضاً عن رميها في النفايات".

جهود حكومية

خطوات جدية اتخذتها جهات رسمية سعودية للعمل على الحد من ظاهرة هدر الطعام، قامت من خلالها بمناقشة مشروع قانون جديد ينص على دفع غرامات مالية على من يرمي فضلات طعامه في المطاعم والكافيتريا المختلفة. بالإضافة إلى دراسة قانون ينص على إجبار أصحاب الفنادق وصالات الأعراس والمطاعم وغيرها من الأماكن التي يتم فيها هدر كميات كبيرة من الأطعمة القابلة للاستهلاك، على الاتفاق مع جمعيات خيرية كجمعيتي إطعام وسكينة اللتين تتوليان توزيع الأطعمة الزائدة التي لم تمسها الأيدي على الفقراء والمحتاجين.

مبادرات أخرى شبابية نشطت مؤخراً في المملكة للحد من هدر الطعام، كمشروع "ماعون" الذي تقوم من خلاله مجموعة من الشباب المتطوعين باستهداف الفنادق والمطاعم والمخازن، للحصول على الأغذية الفائضة، وإيصالها إلى الجمعيات الخيرية التي تعمل على ترتيبها وإعادة توزيعها على الفقراء والمحتاجين.

من صحون الزبائن إلى أسمدة عضوية

بدورها، تتبع بعض الفنادق في مدينة أبو ظبي أسلوباً مختلفاً للاستفادة من فضلات الطعام، يقوم على إعادة تدوير الطعام وتحويله إلى أسمدة عضوية مفيدة للتربة، وذلك بتأمين صناديق خاصة لرمي الطعام الفائض من صحون الزبائن في مطعم الفندق، والتخلص من الأغذية الفائضة غير القابلة للاستخدام في المطابخ.

تلك الفضلات يتم نقلها إلى صندوق حديدي في مستودع الفندق وتجري معالجتها بتعريضها للحرارة العالية والتحريك المستمر، ليتم سحب المياه والرطوبة منها وتحويلها إلى أسمدة عضوية وفق عملية تستغرق قرابة عشر ساعات، ثم توزع على المزارعين.

مشروع Piece of the East

21935315_1938804653110834_1497141632_n

فكرة أخرى خلاقة ابتكرها ثلاثة شباب سوريين لحفظ الأغذية من الهدر، ونشر ثقافة بلادهم في الغرب، قاموا من خلالها بافتتاح منصة لبيع المأكولات والحلويات السورية التي يقومون بتصنيعها من الخضار والفواكه والأغذية المختلفة التي يحصلون عليها من بنك الطعام الكندي.

21850308_1938804803110819_1728938073_n

رأفت حرب أحد القائمين على المشروع، يقول لرصيف22: "بعد قدومنا إلى كندا فوجئنا بالكم الكبير من الخضار والفواكه التي ترمى في الحاويات، وقررنا الاستفادة منها وتحويلها إلى مأكولات سورية كالمربيات والمخللات والحلويات المختلفة لإطعام الفقراء وكبار السن".

ويضيف: "بدأنا المشروع بجهود فردية وبمساعدة سيدة كندية ذات أصول مصرية، وقد لاقى المشروع نجاحاً كبيراً، ما دفعنا لتوسيع نشاطاتنا والبدء بتحضير أطعمة مختلفة وفقاً للطلب، والتحضير كذلك لافتتاح موقع إلكتروني يمكننا من خلاله التواصل مع الزبائن واستقبال الطلبات، وإيصالها للزبائن والمحتاجين أينما كانوا، ونقوم في الوقت نفسه بإجراء ندوات في أماكن مختلفة للتحدث عن دور المبادرات الإيجابية في الحد من ظاهرة هدر الطعام حول العالم".

Re_Plate

"Re_Plate"موقع إلكتروني آخر أنشأه الشاب السوري معن محفوض خلال فترة دراسته في أمريكا، هدفه إيصال الطعام الفائض من المتبرعين للمحتاجين بأسرع وقت ممكن. عام مضى على انطلاق الموقع أسفر عن إعادة تدوير مليون باوند من الطعام وإيصاله للمحتاجين.

ريبلايت

وعن هذا المشروع، يحدثنا معن محفوض: "كنت أجلس في كافتيريا الجامعة وأرى الكميات الكبيرة من الأطعمة النظيفة ترمى في الحاويات، ثم يأتي الفقراء والمتسولون باحثين في هذه الحاويات عن شيء قابل للأكل ليتناولوه.

أحزنني ما رأيته وقررت إطلاق الموقع الإلكتروني لإعادة تدوير هذه الأطعمة وإيصالها للمحتاجين، فيستطيع من يريد أن يتبرع بالطعام الزائد التواصل معي عن طريق الموقع لأقوم بترتيب الأطعمة وإعادة توزيعها على الفقراء والمعوزين، ومع نجاح الفكرة تحول جهدي الفردي لجهد جماعي لقي دعماً من جهات مختلفة، تقوم بتزويدنا بالأطعمة الفائضة لديها لنوصلها بدورنا للمحتاجين".

ويختم:" أتمنى أن نستطيع في المستقبل تطبيق المشروع في البلاد العربية لنخفض من نسب هدر الطعام، وننشر ثقافة الحفاظ على الطعام وإيصاله لمستحقيه عوضاً عن رميه والتخلص منه من دون فائدة".

كاتبة سورية تقيم حالياً في تركيا

كلمات مفتاحية
هدر الطعام

التعليقات

المقال التالي