ماذا يحصل لحياتنا حين نقرر أن نكون صادقين؟

ماذا يحصل لحياتنا حين نقرر أن نكون صادقين؟

في فيلم الستات ما يعرفوش يكدبوا (إنتاج عام 1954 ومن بطولة شادية وإسماعيل ياسين)، تعيش ليلى (أدت دورها الفنانة شادية) حياة أقرب إلى الجحيم بسبب أكاذيبها التي لا تتوقف.

أراد الفيلم الذي كتب قصته بديع خيري، أن يقول بطريقة بسيطة أن الصدق هو السبيل الوحيد لحياة اجتماعية سعيدة.

الآن، وبعد مرور أكثر من نصف قرن من عرض الفيلم، تظهر دراسات علمية حديثة تؤكد أن الصدق قادر بحق على جعل حياة الإنسان مريحة تملأها السعادة إذا قرر أن يعتمده في حياته.

يؤكد بحث علمي عملت عليه جامعة نوتردام (جامعة بحثية أميركية غير حكومية) أنه كلما كان الإنسان صادقاً، قلّت الأمراض والمشكلات الجسدية التي يمكن أن يتعرض لها.

وجد البحث أنه عندما يتوقف الناس عن ترديد الأكاذيب حتى لو كانت تلك التي نطلق عليها أكاذيب بيضاً وهي المتعلقة بالمجاملات أو التي يكون الهدف منها عدم إيذاء شخص ما نفسياً، تقلّ عندهم الأمراض الجسدية مثل الصداع، وتقلّ الشكاوى المتعلقة بالصحة العقلية مثل أعراض الاكتئاب.

يتفق الطبيب النفسي أحمد سعيد مع هذه الدراسة، قائلاً أن الصدق قيمة مهمة يجب أن نتخذها رفيقاً في هذه الحياة، وأن نربي عليها أطفالنا إذا أردنا لهم أن يعيشوا حياة من دون صراع.

وبحسب الطبيب النفسي، فإن الإنسان عندما يكذب يضع نفسه تحت ضغط نفسي وجسدي كبير حتى لا يكتشف الناس أنه كاذب.

"يحاول الكاذب أن يستخدم لغة جسد لا تكشفه، ويسعى إلى جعل نظرات عينيه لا تفضحه، ومن الممكن أن يتعرض بعد الكذب لتأنيب ضمير يجعله غير راض عما فعله، كل هذا يؤدي إلى ضغوط ومشكلات في ما بعد"، يشرح سعيد.

أقوال جاهزة

شارك غردالإنسان عندما يكذب يضع نفسه تحت ضغط نفسي وجسدي كبير حتى لا يكتشف الناس أنه كاذب.

شارك غرديحاول الكاذب أن يستخدم لغة جسد لا تكشفه، ونظرات عينيه لا تفضحه، ومن الممكن أن يتعرض لتأنيب ضمير

أهمية الصدق مع أطفالنا

في مقال حديث نشر على موقع The New York Times، تقول الكاتبة جودي كيتلر (كاتبة أميركية مختصّة بالكتابة عن العلاقات الأسرية وكيف يصبح الشخص أفضل) أنه على رغم وجود دراسات وأبحاث علمية ترى أن استخدام أكاذيب بيض، من الممكن أن يجعل الشخص الذي نكذب عليه سعيداً، إلا أن الأمر لن يكون كذلك بالنسبة إلى الشخص الذي يكذب.

من ضمن الدراسات التي تقصدها كيتلر تلك التي اشتركت في العمل عليها جامعات غربية عدة، من ضمنها جامعة كاليفورنيا وحملت اسم "نكذب لأننا نهتم"، والتي ترى أن استخدام كذبة بيضاء، مثل مجاملة شخص ما كتب قصة ضعيفة المستوى وقلنا له أنها رائعة، سيجعل هذا الشخص يشعر بالسعادة، ولكن عندما يعرف الحقيقة سيصاب بالإحباط.

لكن كيتلر تختلف مع هذه الدراسة بسبب إيمانها بأن الصدق يمكن أن يكون سبباً في أن يطور شخص ما مهاراته، أو أن نحميه من الوقوع في مشكلات أخرى، وتذكر مثلاً أنه حين طلب منها ابنها ذو الثماني سنوات بأن تخبره بمعنى كلمة قَوّاد، قررت أن تقول له الحقيقة، خوفاً من أن يبحث الطفل عن معناها في الإنترنت ويكتشف أن أمه كاذبة – وهذا أمر سلبي – أو يحصل على معلومات غير موثوقة.

يقول سعيد لرصيف22، أن الحقيقة المجهزة لأن يفهمها عقل الطفل أفضل وسيلة لحمايته، ويرى أن الطفل حين يطرح أسئلة عن مسائل دينية أو جنسية يجب أن نجيبه بالحقيقة، وبأسلوب بسيط يمكن عقله أن يستوعبه، "لو سألَنا الطفل كيف جئت إلى الحياة، فإن إجابات مثل لقد أحضرك لنا طائر اللقلق، هي إجابات ليست علمية ولم تعد تناسب جيل الإنترنت القادر على استخدام التكنولوجيا أفضل منا"، يؤكد سعيد.

يرى الطبيب النفسي أن الحل هو أن نبحث عن كتب علمية أو أفلام وثائقية علمية مناسبة للأطفال تجعل الأهل قادرين على الإجابة عن أي سؤال يطرحونه، ولا مانع من استشارة طبيب نفسي مختص بعلم نفس الطفل.

لماذا يخاف بعض الناس من قول الحقيقة؟

في مقال حديث نشرته كيتلر في موقعها الشخصي، ترى أن السبب الرئيسي في خوف بعض الناس أن يكونوا صادقين، هو شعورهم بالعار، تخيلوا مثلاً أنكم أخبرتم شخصاً ما بماضيكم وتجاربكم... الأمر ليس سهلاً.

السبب الثاني هو العواطف، فإذا سألنا شخص ما عن أزمة مررنا بها فقد نكذب حتى لا نتذكر الألم النفسي الذي سببته لنا هذه الأزمة لأنّنا قد نبكي. أما السبب الثالث بحسب مقال كيتلر، فهو الندم، فبعض الناس يخافون من قول الصدق حتى لا يشعروا بالندم بعد ذلك.

ترى كيتلر أن التعود على قول الصدق أمر يحتاج إلى مزيد من التدرّب والتعود والذكاء، فحين نتحدث عن تجارب صعبة مررنا بها، سنرتاح ولن نشعر بالتعب كما يظنّ البعض.

تقول كيتلر أن الناس حين يكونون صادقين، سيشعرون بأن حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية أفضل بكثير، معتبرة أن الإنسان بطبيعته يسعى دائماً إلى البحث عن الحقيقة، لكنه لن يجدها أبداً إذا كان الكل يكذب. والحل أن يكون الجميع صادقين.

أخيراً

في فيلم الستات ما يعرفوش يكدبوا لم تكن ليلى صادقة مع أقرب الناس إليها وهو زوجها، وهذا ما جعل حياتها مليئة بالمشكلات والعقد، لكنها حين وعدته بأن تكون صادقة معه قرر أن يحتضنها بحب، وظهر مشهد النهاية غاية في البساطة والرومانسية... فحين نقرر أن نكون صادقين ستكون حياتنا مليئة بالحب... النهاية!

 

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
الحب الزواج

التعليقات

المقال التالي