تحت ضغوط الأزمات المالية... هل تحتضر الصحافة السعودية المطبوعة؟

تحت ضغوط الأزمات المالية... هل تحتضر الصحافة السعودية المطبوعة؟

أخذ أحمد مبارك، يقلب عدداً من الصحف الورقية السعودية، ليقرر ما إذا كان سيجد ما يغريه لدفع ريالين (نحو 53 سنتاً أميركياً) ثمنها.

لكنه، بعد أقل من خمس دقائق، جال فيها على سبع صحف، منها مختصّة بالرياضة، لم يجد، بحسب قوله، ما يستحق أن يشتريه واحدة لأجله، فأعادها جميعها، وفضل شراء مياه غازية بالثمن ذاته.

يقول أحمد لرصيف22: "الأخبار مكررة من الأمس، والتقارير معلبة، ولا تستحق القراءة".

"مكررة، معلبة، لا تستحق القراءة"، هي الوصفة السيئة التي تسببت في تراجع مبيعات الصحف السعودية التقليدية، خلال السنوات الماضية، مدفوعة بضغط قوي من مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد، ومواقع الإنترنت الإخبارية. أحمد مثل شباب كثر، لم يعد يجد في الصحافة التقليدية ما يشد.

أمام ذلك، لم تعد المحال ومراكز التسوق تحرص على عرض الصحف والمجلات، لعدم قدرتها على تسويقها، مع أنها تحصل على 20% من قيمة مبيعاتها.

وكشفت مصادر في الشركة الوطنية للتوزيع، لرصيف22، أن النسخ الموزعة تراجع عددها بشكل كبير، تحت ضغط تراجع المبيعات. وتقول المصادر: "لا تتجاوز المبيعات حالياً 30% من تلك التي كانت قبل أربع سنوات".

مشكلات على السطح

بدأت المشكلات المالية التي تعاني منها الصحف السعودية بمعظمها، تلقي بظلالها على مستقبلها، بعد تراجع المبيعات والإعلانات بشكل حاد، في العامين الماضين. وكشفت مصادر في وزارة الإعلان لرصيف٢٢، أن صحفاً كبيرة طلبت دعماً مالياً منها، لكي تستمر في الصدور.

منذ شهر تقريباً، أعلنت مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر، مقرها جدة، إغلاق صحيفة النادي المختصة بالرياضة، وتسريح جميع موظفيها. وبعد أقل من أسبوعين، هددت وزارة الإعلام السعودية صحيفة الشرق التي تصدر من الدمام، بإلغاء تصريحها إن لم تعاود إصدار النسخة الورقية، بعد أكثر من شهر على قرار إدارة الصحيفة إيقاف الطباعة، والاكتفاء موقتاً بالصفحة الإلكترونية، لتقليل النفقات.

أرجعت عكاظ بإعلان سلمته للمشتغلين في صحيفة النادي، سبب وقف إصدار الصحيفة التي صدرت لأول مرة قبل 28 عاماً كمجلة أسبوعية قبل أن تتحول صحيفةً يومية، إلى خسائرها المالية الكبيرة، والتي تراكمت لسنوات عدة. وهذا ما تسبب في أعباء مادية كبيرة ترزح تحتها المؤسسة. أما صحيفة الشرق التي يُهددها المصير ذاته، فلم تسلم العاملين فيها رواتبهم لأشهر. وكشفت مصادر في الصحيفة التي تصدر في الدمام (شرق السعودية)، لرصيف22، أن الصحافيين لم يستلموا رواتبهم لأكثر من أربعة أشهر. أما الكتاب والمتعاونون، فتوقفت الصحيفة التي لم تعش لأكثر من أربع سنوات، عن الدفع لهم منذ ستة أشهر.

المصير ذاته يهدّد صحيفة البلاد التي تصدر من جدة، ومكة التي تصدر من المدينة، وتهدّد المشكلات المالية الصحف الكبيرة مثل الجزيرة والوطن، أيضاً.

أقوال جاهزة

شارك غردبدأت كبريات الصحف إجراءات تقشفية، طاولت الصحافيين، وتقلصت رواتب كبار الموظفين

شارك غرد"كان دخل صحيفة واحدة قبل سنوات يفوق دخل كل الصحف مجتمعة حالياً، وهذا سيؤثر في استمراريتها"

شارك غرد"وضع الصحافة السعودية مقلق، حتى الصحف الرياضية تقاوم الموت، خصوصاً الصحف الضعيفة"

أزمات مالية خانقة

لم يعد سراً، أن صحف الشرق ومكة والوطن والمدينة والبلاد، تعاني من ديون كثيرة، تهدد استمراريتها، وهناك خطط لتحول بعضها صحفاً إلكترونية لتجنب دفع تكاليف الطباعة والورق، والتوزيع، بخاصة أن الطباعة والتوزيع يكلّفان نحو 1.1 دولار للنسخة الواحدة، فيما تباع بـ53 سنتاً أميركياً فقط.

بحسب خبراء، تضررت الصحف السعودية من قرار وزارة التجارة منع نشر موازنات شركات على صفحاتها، لأنه حرمها من دخل كبير يتجاوز ثلاثة ملايين دولار سنوياً، إضافة إلى تراجع الإعلانات بشكل كبير، وارتفاع تكاليف الطباعة والورق، وتعثر الجهات الحكومية في سداد ديونها، وتحجيم الاشتراكات الحكومية، بيد أن الأمر الأكثر إيلاماً كان قرار الخطوط الجوية السعودية، الدّفع مقابل "الوزن" لنقل الصحف بطائراتها إلى المدن المختلفة، بعد أن كانت تفعل ذلك مجاناً لعقود طويلة.

تحذيرات قديمة

"الأمر لن يتوقف على صحيفتين"، هكذا يعتقد رئيس تحرير صحيفة الوطن السابق، طلال آل الشيخ الذي حذر قبل سنوات عدة من أن مستقبل الصحافة الورقية السعودية قاتم، محذراً من جديد، من أنها ستتلاشى خلال سنوات قليلة بسبب مشكلاتها المالية المتزايدة. ويعتقد آل الشيخ أن الوضع لن يتحسن، بل يسير نحو الأسوإ وبسرعة.

ويقول لرصيف22: "إن استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فلا أعتقد أننا سنجد في غضون سنوات قليلة جداً، صحيفة سعودية واحدة تصدر، ما لم تكن مدعومة حكومياً، وستكون بلا تأثير". ويضيف: "تقدمت باستقالتي إلى مجلس إدارة صحيفة الوطن، لأنني أيقنت أن الصحافة التقليدية لم يعد لها مستقبل، وفضلت البحث عن عمل آخر".

ويتابع: "ليست النادي والشرق اللتان ستتوقفان فقط، بل حتى الصحف الكبيرة لأنها تعاني من مشكلات مادية كبيرة، ويجب على القائمين عليها أن يواكبوا العصر، ويتحولوا للنشر الإلكتروني، ولدور نشر مختصّة، ويتركوا العمل التقليدي".

محاولات للنجاة

يكشف آل الشيخ دراسة تقدم بها قبل سنوات عدة، لعلّها تُعطي الصحافة التقليدية سنوات إضافية للاستمرار. وهذه الدراسة تقوم على توزيع النسخ الورقية مجاناً لجذب المعلنين الذين يبحثون عن الانتشار. ويضيف: "لا يهتم المعلِن بكيفية التوزيع بل بالعدد، بيد أن المشكلة الأكبر هي في عقلية القائمين على الصحف السعودية حالياً، فالدعم الحكومي لن يكون حلاً ناجحاً، كما أنه قد يؤثر في  استقلالية الصحف"، مشدداً على أن: "الشباب لا يهتمون بالصحافة الورقية، فهي لم تعد تُقرأ إلا في الطائرات، للأسف المناطق السعودية لا تحتمل أكثر من صحيفة واحدة لكل منطقة".

صفعة قوية

يومياً، تصدر للمواطن السعودي حوالي 14 صحيفة ورقية يومية، هي: الشرق الأوسط والاقتصادية والحياة والرياض وعكاظ والجزيرة والوطن واليوم، ومكة والشرق والمدينة والبلاد، إضافة إلى الرياضية والرياضي المختصتين بالرياضة، ولكن في المقابل هناك أكثر من 2000 موقع إلكتروني إخباري مرخص من وزارة الإعلام، فضلاً عن أكثر من عشرة آلاف موقع غير مرخص.

الصحف التقليدية لم تعد تُقدم ما يشفع لها للاستمرار، هذا ما يؤكده أستاذ الإعلام في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الدكتور صالح الربيعان الذي يقول لرصيف22: "وضع الصحافة السعودية مقلق، لأن الناس بمعظمهم توقفوا عن قراءة الصحف، حتى الرياضية على رغم شعبيتها الكبيرة، وهي الآن تقاوم الموت، بخاصة الضعيفة أصلاً كالبلاد واليوم، ولا يمكن أي وسيلة إعلام البقاء من دون إعلان أو الدعم الحكومي، وهذان لا قيمة لهما من دون جمهور".

وبحسب الدكتور الربيعان، تتفاوت الآراء حول مصير الصحافة التقليدية، ويضيف: "هناك من يجزم بزوال الصحف الورقية عاجلاً أم آجلاً، وهناك مَن يرى أنها يمكن أن تبقى إذا استطاعت تطوير نفسها وتحديد اهتماماتها، والتركيز على الأخبار والقضايا الاجتماعية المحلية عبر التقارير والتحقيقات الاستقصائية والتخلي عن الاهتمام بالأخبار اليومية، والإصدار أسبوعياً"، لكنه غير متفائل بقدرتها على تحسين ذاتها، لقناعة القائمين عليها بأن الصحافة الورقية يجب أن تستمر كما هي.

يعترف الدكتور عبدالله الجحلان، الأمين العام لهيئة الصحافيين السعوديين، وأستاذ الإعلام في جامعة الإمام محمد سعود، بوجود مشكلات كثيرة تعاني منها الصحافة الورقية، غير أنه يعتقد أن كلمة "تحتضر" قد يكون مبالغاً فيها.

ويقول لرصيف22: "بالتأكيد هناك تراجع كبير، والشواهد كثيرة، فالصحف قللت عدد صفحاتها إلى النصف تقريباً، والسبب هو تراجع الإعلانات بشكل كبير"، معتبراً أن العامل الأكثر تأثيراً فيها كان تراجع الإعلانات التجارية، مع أنها لا تزال تقدم محتوى جيداً، وأكثر مهنية، كما أنها أكثر صدقية عند الجمهور، لأنها صحافة راسخة منذ سنوات طويلة. ويضيف: "خبرياً، تراجعت بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتحاول أن تعوض ذلك من خلال مواقعها الإلكترونية".

بحسب الدكتور الحجلان الذي كان نائباً لرئيس تحرير صحيفة الرياض، ورئيساً لتحرير مجلة اليمامة العريقة، لم يكن من المفترض أن يؤثر إيقاف الإعلانات والمناقصات الحكومية في الصحف، لو أن الإعلان التجاري ما زال في قوته.

ويتابع: "كان دخل صحيفة واحدة قبل سنوات يفوق دخل كل الصحف مجتمعة حالياً، وهذا مؤثر بشكل كبير في استمراريتها، خصوصاً أن الرواتب كما هي، والورق والحبر بالقيمة نفسها، كما أن الخطوط السعودية باتت تحصل على مقابل مادي كبير مقابل نقل الصحف إلى المدن المختلفة، علماً أنها كانت تقوم بذلك مجاناً في السابق".

يشدد الدكتور الحجلان على أن الدعم الحكومي لن يكون حلاً، ولكن من دونه، قد تحتاج الصحف إلى معجزة كبيرة لتضمن الاستمرار، ولو لبضع سنوات، إن لم تأت عقليات جديدة، تؤمن بالتطور.

خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

التعليقات

المقال التالي