حكايات قاصرات هربن من العنف الأسري ليكتشفن الاستغلال الجنسي

حكايات قاصرات هربن من العنف الأسري ليكتشفن الاستغلال الجنسي

كانت أسرة سارة محمود تغط في نوم عميق، في وقت انتهت الفتاة من حزم حقائبها لمغادرة المنزل، الذي قضت فيه الـ 15 عاماً الأولى من حياتها، قاصدة طريقاً آخر بعنوان سكن جديد يتبع أحد أصدقائها في القاهرة.

استيقظت الأم صباحاً ولم تجد الفتاة في فراشها، لتفطن سريعاً إلى قرار ابنتها بالهروب، إثر خلافات دامت أشهر بين ثلاثية الأم والبنت والابن الأكبر، بشأن مظهرها وسلوكها المرفوض في بيئتهم الريفية.

في صراعها مع أسرتها، كان شخص آخر هو ملاذها الوحيد في مدينة لا تعرف فيها سواه، وكانت على علاقة حميمة معه.

تتطور علاقة سارة إلى ممارسة الجنس مع أصدقاء له، بعد تحججه بعدم توافر المال لتلبية احتياجاتهما في المنزل الذي يعيشان فيه سوياً، بهدف تأمين سكن لها.

اليوم، سارة عارضة لدى ،"usher" إحدى شركات إنتاج الخمور المحلية في الساحل الشمالي.

shutterstock_659085190

وهي واحدة من مئات القصص لفتيات لم يتجاوزن عامهن الـ18، قاصرات، تركن منازلهن لأسباب مختلفة، تدور معظمها حول العنف الأسري، بحثاً عن بداية أخرى، ربما يكون بدافع الاستقلال والتحرر من ضغوط الالتزام والاختيارات المفصلية التي يفرضها الآباء، أو بتأثير من رفقاء من الجنسين قد يصل أحياناً إلى مرحلة الاستغلال.

ثمة فاصل كبير بين مسارات الخروج من بيت الأسرة. فهناك من يتبنى موقف الفتيات اللواتي يبحثن عن استقلالهن في سن مبكرة، رغبةً في التخلص من القيود الأسرية، والشريحة الأخرى التي تفرض نفسها بشدة هذه الأيام على أحاديث الغرف الإلكترونية في مصر، والتي لا تتقبل خروج القاصرات من منزل الأهل، لأي سبب كان.

هل يتم خلط المفاهيم بين حرية الفتاة المستقلة واستغلال القاصرات في أعمال أو علاقات؟ ما هو ذلك الخط الفاصل بين المفهومين؟

متى تتحول حرية القاصرات إلى فخ لهن؟

بين الأسر والقُصر

قبل أيام، دشن مجموعة من النشطاء، بينهم صحافيون، حملة لإنقاذ القاصرات من براثن تجار الحريات، ليستقبل مئات التدوينات تحت هاشتاغ حمل في ثناياه قصص ضحايا العنف الأسري ومآلاته.

في حياة القاصر وجوه أخرى لا تنتهي أحياناً بالاستغلال، حتى لو كانت بدوافع تحررية كالتي تحذر منها حملة" #أنقذوا_القاصرات"، كما مرت تجربة سلوى عرابي، التي تركت منزلها بالمحلة في محافظة الغربية، بعد وفاة أبيها بعامين.

قصة سلوى كانت حديث مصر خلال الشهر الماضي، عندما عُثر على فتاة بملابس رثة والغبار يلطخ ملامحها أسفل كوبري بضاحية العباسية، شرق القاهرة، إثر تعرضها لحالة اكتئاب شديدة لم تتحملها، قبل أن تعلن مؤسسة "معاً لإنقاذ الإنسان" تبنيها للحالة.

سلوى، كما عرفنا قصتها من القيمين على الحملة، في الـ22 من عمرها، غادرت منزلها منذ 10 سنوات لرفضها قالب الحياة المتشددة التي حوصرت بها من قبل والدتها وشقيقها بعد وفاة أبيها، بعكس النمط الترفيهي الذي عاشت في كنفه طوال حياة الأب، إلى أن قررت الاستقلال لتنطلق إلى حياة الترحال.

تقول: "أردت الخروج من حياة الريف الضيقة والتعرف على العالم والسفر للخارج".

أقوال جاهزة

شارك غردهل يتم خلط المفاهيم بين حرية الفتاة المستقلة واستغلال القاصرات في أعمال أو علاقات؟

شارك غرديجب إيجاد ملاجئ آدمية في حالة تعرض القصر للعنف الأسري لتلافي المخاطر التي تواجههم عند الهروب إلى الشارع

قضت الفتاة سنتين في دار رعاية الأطفال ثم انتقلت لتعيش مع أسرة بديلة في منطقة مصر الجديدة في القاهرة، وخلال هذه الفترة أقامت علاقة عاطفية فاشلة مع أحد الشباب لم تتوج بالزواج، كما تقول سلوى.

لم تنقطع علاقة عرابي بأسرتها، فرغم تنصل أفرادها منها، لكنها تزورهم من حين لآخر، فهم لم يغلقوا الباب بتاتاً في وجهها.

وتحكي الفتاة عن مشهد كوبري العباسية، الذي استمر لأيام طويلة، أنها تعرضت لصدمة كبيرة بعد فشل زواجها من شخص أرغمها أهلها على الزواج منه بهدف إعادة ضبط سلوكها.

في خضم السجالات المستمرة بخصوص العنف الأسري واستغلال القاصرات، دخلت الأسرة المصرية على خط هذه الأزمة للتصدي لحملة تشويهها، بحسب رأيهم. فلم يعد غريباً أن تتهم الفتاة المعنفة أهلها بانتهاك جسدها أو استغلالهم، وترد الأم في منشورات كحائط صد.

هذه الثنائية تجسدت مع سما، 21 عاماً، ووالدتها شيماء فتحي، بعد أن كتبت الأخيرة منشوراً تكشف فيه هروب ابنتها مع فتاة تستقطب القاصرات بحجة الاستقلال، وتساهم في توفير شقق مفروشة لهن، وذلك بعد تكرار سفر ابنتها إلى مدن ساحلية بالأيام، وهذا ما استدعى تعليق سما التي تعرف نفسها بـ "فتون مني" على حسابها في فيسبوك، متهمة الأم بتعمد إهانتها وإجبارها على العمل: "أنا مطرودة من البيت، ولم أهرب ، ولم ألجأ للشارع من فراغ".

وشرحت الفتاة أسباب تركها المنزل: "عشت جحيماً في منزل أمي وجدي، فأبي انفصل عنا ولا يعترف بي منذ فترة، اضطررت للعمل منذ أن كان عمري 14 سنة، لكن أمي ظلت تستعبدني، حتى انقطعت عن العمل ورفضت الالتزام بمصاريفي، لجأت إلى جدي الذي عاملني معاملة سيئة، وتعرضت للتحرش من أخي الصغير. طلبت العودة للعمل مرة أخرى لكنها تعمدت إهانتي مجدداً، ففاض بي الكيل وتركت المنزل مجبرة وليس برغبتي".

لكن الأم شيماء فتحي، التي تعمل أخصائية تخاطب، لا تعترف بلائحة الاتهامات التي دونتها ابنتها، وتصر على أنها محاطة بفتاة تكتسب من وراء القاصرات. تقول: " لم نعتدِ بالضرب عليها ولا صحة لما جاء في شهادتها عن الإهانة، هي تعاني من مشاكل نفسية وتركتني لرفضها العلاج".

لم تفقد فتحي الأمل في عودة ابنتها رغم المراسلات المستمرة بينهما على شبكة التواصل الاجتماعي، ولم تستدل إلى مكان إقامتها حتى الآن، لكنها تشارك بحماسة شديدة في حملة أنقذوا القاصرات: "كل الأسر فيها عنف أسري محدود لكن التربص بالبنات هو الخطر".

لكن فتون تبدو واثقة من استكمال حياتها المستقلة بشكل طبيعي بعيداً عن أهلها، غير آبهة بالحملات المنتفضة ضد المستقلات وحياتهن الشخصية.

الحماية القانونية

يقول مصطفى الأعصر، المتحدث باسم حملة "دعم القاصرات"، وهذا اسم مؤقت لها، إن نشر شهادات ضحايا العنف الأسري واستغلال القاصرات دون الـ18 عاماً في أعمال "منافية للآداب" كما يعتبرها، جعلهم يجدون رابطاً مشتركاً، ثم بدأوا التدوين عن ظاهرة استغلال القاصرات تحت غطاء شعارات حرية المرأة.

يوضح الأعصر لرصيف22: "ظاهرة العنف الأسري وهروب الفتيات المعنفات ليست جديدة، لكن اكتشاف تكرار ذلك مع عدة حالات بوجود مجموعات تستقطب الفتيات دون 16 سنة لدائرة منطقة وسط البلد بسلاح التنوير، والهدف الآن التصدي لهم".

يضيف: "هذه المجموعات تبدأ بتحريض الفتيات، غالبيتهن من الأقاليم، على هجر المنزل والعيش في القاهرة في منازل مستقلة، لاستغلالهن جنسياً".

ويشير الأعصر إلى أن المجموعة تمسك الآن بخيط رفيع قادهم إلى تورط شخص في استغلال حالات بعض القاصرات في أعمال غير قانونية، وهو ما يتحفظ أعضاء الحملة على كشف تفاصيله الآن، لعدم وجود دليل دامغ، بسبب اقتصاره على تسجيلات صوتية فقط، وهذا ما لا تعترف به جهات التحقيق في مصر، وقد يكون أداة للتنكيل بهم حال التشهير بهذه الشخصية".

وبحسب الأعصر، تهدف الحملة إلى تشريع قانون يحمي الفتيات، وتحديداً القاصرات منهن من العنف الأسري، وتخصيص ميزانية من وزارة التضامن لإنشاء أماكن للجوء إليها يتوافر فيها استشاريون نفسيون، ومناخ حر، بدلاً من المؤسسات التقليدية، مثل المؤسسات العقابية والإصلاحية التي تنشىء جيلاً مشوهاً.

الحملة ضد العنف الأسري ليست وليدة اللحظة، فقد تحرك قطارها قبل 12 عاماً، تحديداً عام 2005، عندما بدأ مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب مع مجموعة من المنظمات الحقوقية المعنية بشؤون المرأة، حملة من أجل قانون لحماية النساء من العنف داخل الأسرة، فتشكلت لجنة تيسيرية للعمل على مسودات القانون المتتالية، حتى خرج في صورته التي قدمت للبرلمان (المنحل) في أبريل 2010، فأودعت لجنة المقترحات والشكاوى.

وتجددت المحاولات مرة أخرى مع برلمان 2012، لكن الظروف السياسية والقانونية حالت دون استكمال أعمال البرلمان وتم حله هو الآخر، ما تسبب في تجميد صدور قانون يحمي الفتيات من العنف الأسري، إذ كان يستهدف الحد من ظاهرة العنف الذي تتعرض له المرأة داخل الأسرة، لتكون هذه الأسرة بيئة آمنة تضمن لأفرادها حياةً كريمة ونمواً صحيحاً. على أن يتحقق ذلك من خلال اعتبار العنف الذي تتعرض له المرأة داخل الأسرة جريمة يعاقب عليها القانون.

وتطالب المنظمات في مشروع قانونها، بتوفير أقصى حماية قانونية ممكنة للنساء ضحايا العنف الأسري، ووضع تدابير وقائية وبرامج استشارية وعلاجية وتعليمية للضحايا وللمعتدين، زيادة وعي المجتمع بخطر العنف ضد النساء ومضاره.

المجتمع المدني مغلول اليدين

"منذ زمن ونحن نطالب بقانون لوقف العنف الأسري، بسبب عدم وعي الأهالي وغياب دولة القانون وغياب دور الأسرة، لكن المجتمع الآن يتلقى الضربات المتتالية بسبب أزمة التمويل، وأغلقت المساحات التي اكتسبناها في عهد مبارك وما بعد ثورة يناير"، تقول المحامية عزة سليمان، مديرة مركز قضايا المرأة المصرية.

تشير سليمان إلى أن المجتمع يواجه في بعض الأحيان حرباً شرسة على خلفية قضايا حقوق المرأة، لكنها لا تعترف بخلط المفاهيم بين حرية الفتاة المستقلة واستغلال القاصرات في أعمال أو علاقات.

لكن العقوبة وحدها لن تحرز أي تقدم في هذا الملف، فالوصفة يجب أن تشمل توفير خدمات حماية نفسية للفتيات، بالتزامن مع التوعية الإعلامية، وتأهيل رجال الشرطة على التعامل مع نوعية بلاغات العنف الأسري في أقسام البوليس، بدلاً من اعتبارها شؤوناً عائلية، بحسب سليمان.

في الـ5 كلم مربع

العنف الأسري ضد الأطفال والقاصرات أمر موجود، وبالرغم من جهود خط نجدة الطفل والجمعيات الأهلية، فإنه يظل على عاتق الدولة أن تجد ملاجئ آدمية في حالة تعرض القُصر للعنف البدني والجنسي، داخل إطار الأسرة أو خارجه، لتلافي المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال في حالة هروبهم إلى الشارع بكل ما يحمل ذلك من مخاطر. هذا ما خلص إليه أحمد حجاب، الذي يعمل مستشاراً مستقلاً على العنف القائم على النوع الاجتماعي.

ويضيف حجاب: "نسمع كثيراً عن الملاجئ المخصصة لاستقبال النساء المعنفات لكننا لم نرها من قبل، وعلى الدولة أن تسهل عمل منظمات المجتمع المدني ليتسنى وجود مؤسسات أهلية تتعامل مع حالات العنف التي تتعرض لها القاصرات ولا نترك مصيرهن للشارع".

يرفض حجاب الذي عمل لسنوات عدة في مجال مكافحة التحرش والعنف ضد المرأة، تصنيف استغلال القصر بين شعارات الحرية وغيرها: "الاستغلال واحد، لن يختلف تعريفه أو مضمونه في مساحة 5 كيلومترات مربعة (منطقة وسط البلد)، ولا يلغي جرائم تحصل يومياً في كل مصر".

التعليقات

المقال التالي