أعيدوا اكتشاف السعادة على طريقة الحاج فتحي...

أعيدوا اكتشاف السعادة على طريقة الحاج فتحي...

في قصة عازف الكمان للأخوين غريم، يسير الرجل بآلته الموسيقية في الغابة حزيناً، يشعر بوحدة شديدة، ويتمنى أن يقابل شخصاً ما ليصبح صديقه.

يشعر عازف الكمان بسعادة حين يقابل مزارعاً بسيطاً، وينظر إلى السماء برضا وهو يقول: "الآن أشعر بالسعادة".

بعد مئات السنين من القصة التي نشرها الأخوان الألمانيان في كتابهما "حكايات الأطفال والبيت"، يأتي العلم ليخبرنا أن وجهة نظر عازف الكمان في السعادة كانت سليمة إلى حد بعيد.

تقولون أن عازف الكمان شخصية خيالية؟ حسناً، دعونا نعرفكم إلى شخصية حقيقية تعيش في عصرنا الحالي وتؤمن بالمبدء نفسه.

الحاج فتحي...

"تخطيت السبعين، ويمكنني أن أقول بكل ثقة أن السعادة الحقيقية هي أن تعيش وسط أناس تحبهم ويحبونك"، يبتسم الحاج فتحي وهو يقول هذه الجملة لرصيف22.

INSIDE_Happiness

بحسب الحاج المصري، فإن كل أموال الحياة ومتعها لا تساوي لحظة واحدة تمضيها مع حفيد تحبه، أو صديق عمر حقيقي، أو زوجة تتحمل كل مشكلات الحياة وصعوباتها معك.

لا يعلم فتحي أين تقع جامعة هارفارد، ولم يسمع أبداً عن الدراسة التي أعلنت نتائجها حديثاً وتعد واحدة من أطول الدراسات – من حيث فترة العمل عليها – على مر التاريخ.

وحاولت دراسة هارفارد التي بدأ العمل عليها منذ عام 1938، معرفة أسرار الحصول على حياة سعيدة. وتوصلت الدراسة المهمة إلى أن العلاقات الإنسانية الحقيقية هي أحد أهم أسرار السعادة.

كيف تم العمل على هذه الدراسة؟

في عام 1938، اختارت مجموعة من الباحثين في هارفارد 268 طالباً من الجامعة، وقامت بتوثيق كل ما يتعلق بهم من تفاصيل مثل مستويات الذكاء، معاقرتهم الخمر من عدمها، دخلهم المادي، وغير ذلك من الأمور.

كان هؤلاء الطلاب من خلفيات اجتماعية وثقافية ومادية متباينة. وظلوا تحت مراقبة الدراسة حتى بعد تخرجهم في الجامعة والتحاقهم بوظائف مختلفة، وأصبح المطلوب منهم الإجابة عن استطلاعات رأي من وقت لآخر بهدف معرفة كل جديد في حيواتهم.

كانت غالبية أسئلة الاستطلاعات حول مدى رضاهم عن حيواتهم وشعورهم بالسعادة من عدمه، والنجاح الذي حققوه، وكل العلاقات التي تشكل تفاصيل حيواتهم. الهدف من هذه الدراسة هو معرفة السبب الحقيقي الذي يجعل البشر سعداء، هل هو المال؟ الصحة؟ أم الحصول على الوظيفة التي لطالما حلموا بها؟

خلصت الدراسة إلى أن سر السعادة الحقيقي يتمثل في العلاقات الاجتماعية الناجحة.

بحسب الدراسة، فإن الأشخاص الذين كانوا محظوظين بعلاقات جيدة في حيواتهم كانوا أكثر سعادة من هؤلاء الذين ظلوا بمفردهم. وقد أثبتت الدراسة العلمية أنه حين نكتسب علاقات اجتماعية ناجحة، فإن هذا يجعلنا نعيش عمراً أطول.

وترى الدراسة أنه كلما استطعتم نسج علاقات ناجحة مبنية على الحب والصدق والإخلاص، كانت حيواتكم أكثر سعادة، وصحتكم النفسية والبدنية أفضل بكثير.

يبتسم الحاج فتحي بعد أن أعلمناه بهذه الدراسة، ويقول ساخراً: "لو كانوا سألوني لوفرت عليهم المجهود الكبير الذي قاموا به".

أقوال جاهزة

شارك غرد"تخطيت السبعين، ويمكنني أن أقول بكل ثقة أن السعادة الحقيقية هي أن تعيش وسط أناس تحبهم ويحبونك"

شارك غرديمكن اعتبار أن كلمتي السر في السعادة بحسب دراسة هارفارد هما "العلاقة الناجحة"...

أسباب أخرى للسعادة

كانت هناك أسباب مهمة أخرى للسعادة في دراسة هارفارد، لكن جميعها يأتي بعد العلاقات الاجتماعية الناجحة، ومنها أن تصمموا على إيجاد الوظيفة التي تحبونها وليس تلك التي أنتم مجبرون عليها فقط للحصول على مال.

وبحسب الدراسة، فإن كل من عمل في وظيفة يحبها كان يشعر براحة نفسية ويمارس وظيفته بحب، بينما من عمل في مهنة لا تعبر عن اهتماماته وطموحه تعرض لإحباط شديد وواجه مشكلات نفسية حتى لو كان يحصل من خلالها على دخل كبير.

والتفكير الإيجابي كان سبباً آخر للسعادة بحسب الدراسة، يشبه الأمر قصة "القيصر والقميص" التي أبدعها ليف تولستوي، والتي تحكي عن قيصر حزين يسعى المقربون منه إلى البحث عن شخص سعيد ليأخذوا قميصه ويجعلوا القيصر يرتديه ليشعر بالسعادة. وحين وجدوا أخيراً ذلك الشخص السعيد أرادوا الحصول على قميصه ليكتشفوا أن فقره "المادي" جعله غير قادر حتى على شراء قميص من الأساس، كأن السعادة لا علاقة لها سوى بالرضا.

وضّحت الدراسة أن قيماً مثل العطاء ومساعدة الناس من دون مقابل... كفيلة بجعلكم سعداء. وبينت أيضاً أن اهتمامكم بصحتكم سبب مهم للشعور بالسعادة على مرّ السنين.

إذاً، فيمكن اعتبار أن كلمتي السر في السعادة بحسب دراسة هارفارد هما "العلاقة الناجحة"، فلو عدتم إلى الأسباب السابقة مرة أخرى لاكتشفتم أنها كلها تعتمد على العلاقة الناجحة سواء مع المقربين منكم، أو حتى الغرباء عنكم، إلى جانب قدرتكم على الاهتمام بصحتكم وبأعمالكم.

يقول الطبيب النفسي أمجد خيري لرصيف22، أن الدراسات حول أسباب السعادة لا تتوقف، خصوصاً في هذا العصر الحالي المليء بالتفاصيل المادية والتكنولوجية المزعجة.

يصف خيري دراسة هارفارد بأنها الدراسة الأكثر طموحاً في الحياة، فكلما توفي باحث من هؤلاء الذين يعملون عليها حل محله باحث آخر، والهدف منها ليس فقط معرفة أحوال الذين تجرى عليهم الدراسة، لكن أيضاً أولادهم وأحفادهم.

"يشبه الأمر قصة "حديث الصباح والمساء" التي كتبها الأديب نجيب محفوظ"، يقول خيري.

وبحسب الطبيب، فإن وجود أناس نحبهم ويحبوننا في الحياة يقلل بشكل كبير من الأزمات النفسية التي يمكن أن تواجه البشر بسبب صعوبات الحياة.

"نطلق على ذلك بشكل علمي مصطلح "مدى وجود دعم إنساني في حياتكم"، فحين تواجهون مشكلة فجزء كبير من حلها يتعلق بفتح حوار حولها مع أشخاص مقربين منكم تثقون فيهم" يقول خيري.

ينصحكم الطبيب النفسي بتعلم فن نسج علاقات قوية مبنية على أساس سليم، وأن تهتموا بالناس حتى يبادلوكم الاهتمام، "استمعوا للناس بحب حتى يستمعوا لكم حين تحتاجونهم، وعاملوا الناس بحب واحترام".

"ونصيحتي الأهم لكم هي أن تستبدلوا كل العلاقات الافتراضية في حيواتكم بعلاقات حقيقية"، يختتم خيري.

 

 

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
السعادة

التعليقات

المقال التالي