حكاية الزي الأزهري... وكيف تحوّل إلى رداء الدين والسلطة والتدجيل

حكاية الزي الأزهري... وكيف تحوّل إلى رداء الدين والسلطة والتدجيل

في شارع المعز لدين الفاطمي، أحد أشهر الشوارع السياحية بالقاهرة، يجلس عم «ممدوح راغب» ممسكاً إبرة الحياكة التي اخترق ثقبها خيطٌ رفيع، لونه يشبه قطعة القماش الرمادية الممسك بها، ليخرج لنا في نهاية اليوم الزي الأزهري أو ما يسمى «الكاكولة»، بعد عناء 14 ساعة من العمل المتواصل.

«الكاكولة»، هى عبارة عن جلباب مفتوح من الأمام له بطانة، وهو أشبه بجاكيت البدلة لكنه طويل يصل إلى ظاهر القدم، ويُرتدى تحته جلباب أبيض، ويزين «الكاكولة» طربوش أحمر ملفوف بشال أبيض يسمى العمامة.

حكاية رداء

يرتدي هذا الزي كل من يتعلم في الأزهر أو يتخرج منه فيصبح إماماً لمسجد أو شيخاً لمعهد أو دكتوراً جامعياً يدرس العلوم الشرعية، فضلاً عن كبار المسؤولين الدينيين في الدولة، أمثال شيخ الأزهر، ووزير الأوقاف، ومفتي الجمهورية، ووكيل الأزهر، والأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، ورئيس قطاع المعاهد الأزهرية، وعمداء الكليات الشرعية.

يعتبر الزي الأزهري لدى أصحابه رمزاً للوجاهة الاجتماعية والدينية والشرف والكبرياء، ورغم ادعاء البعض أنه زي تركي الأصل وفد إلى مصر في عهد الدولة العثمانية والاحتلال الفرنسي ليكون مقابلاً للقبعة الأجنبية، إلا أن الدكتور عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي، أكد أنه زي عربي قديم.

ويقول باشا لرصيف 22: "العمامة والجبة كانتا الزي المعتاد لدى العرب، ومع تطور الزمن أصبحت العمامة ذات طابع معين تطورت بتطور كل عصر، وكان ستر الرأس من شروط قبول الشهادة حتى أن الإمام الشافعي قال في مذهبه إن من يسير في الشارع بدون غطاء للرأس لا تقبل شهادته".

1s01860u

ويضيف: "في العصر العثماني غلب على العمامة اللون الأحمر، وليتميز كبار العلماء وضع شال أبيض عليها، ومع مرور الزمن أصبحت العمامة والكاكولة زياً لطلاب الأزهر من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية".

وذكر أستاذ التاريخ الإسلامي أن هذا الزي تميز بالاحترام الشديد والكامل الذي هو دون التقديس بقليل، وقال: "كما كان كبار الأطباء والفلاسفة والصيادلة وعلماء الدين يرتدون هذا الزي، نطالب بأن يكون هذا الزي هو الزي الرسمي في مراحل الدراسة في الأزهر بدءاً من المرحلة الابتدائية إلى مرحلة ما بعد التخرج وممارسة الحياة العملية".

عاشق الكاكولة

تتسم صناعة هذا الزي بالإرهاق الشديد، لأنها تعتمد بالأساس على العمل اليدوي. ويروي عم ممدوح راغب، لرصيف22 أن الإبرة هي الأداة الأساسية في صناعة «الكاكولة»، وأنه يستخدم ماكينة الحياكة خفيفاً وفي الأجزاء الداخلية للزي فقط.

ويتباهى صانع «الكاكولة» بأنه صمم هذا الزي لكبار علماء الأزهر والقراء، أمثال الشيخ محمود الخشت ومحمد محمود الطبلاوي نقيب قراء القرآن الكريم في مصر، والدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف.

ورغم قلة العائد الذي يحصل عليه عم ممدوح من هذه المهنة، إلا أنه يفضلها عن المهن الأخرى. ويقول: "يكفي أني بتعامل مع رجال الدين أصحاب الدعوات المستجابة".

كعادتها غزت الصين الأسواق المصرية بالزي الأزهري، ما أثر على صناعة هذا الزي. يؤكد ممدوح: "العمامة والكاكولة الصيني تقليد مش بتنفع وتفسد بعد أول غسلة، أما الكواكيل التي أفصلها، فحاجة حلوة، الشيخ يلبس الكاكولة تقعد ماعه 10 سنين".

ليكتمل الزي الأزهري لا بد له من عمامة، ويرتبط بدايةً ارتداء العمامة الأزهرية بالشكل الذي عليها الآن بدخول "الطربوش" إلى مصر في عهد الوالي محمد علي باشا، فكان الطربوش مكوناً  أساسياً في زي موظفي الحكومة، يعاقب من لا يلتزم بارتدائه، وتمييزاً للأزهريين، أضيف للطربوش المصنوع من الصوف والخوص والستان الطبيعي، القماش الأبيض.

Screen-Shot-2017-08-31-at-3.27.35-PM

ولأهمية هذه الصناعة طلب الولي سعيد باشا من كل موظف حكومي أن يتبرع بقرش لبناء مصنع لصناعة الطرابيش في منطقة العباسية، وبعد ثورة يوليو 1952، ألغى الرئيس جمال عبد الناصر إلزامية ارتداء الطربوش، ليصبح المصريون أحراراً في ما يرتدونه باستثناء العمامة الأزهرية لطلاب ومشايخ الأزهر.

أقوال جاهزة

شارك غردالعمامة السوداء تدل على أن نسب مرتديها يعود إلى رسول الله ومن يلبس العمامة البيضاء فنسبه لا يعود للنبي

شارك غرديرفض عموم السلفيين ارتداء الزي الأزهري خشية النظرة المجتمعية لصاحبه على أنه خاضع للسلطة ومنفذ لتوجيهاتها

مسيحو الأزهر

ورغم انقراض مهنة صناعة الطرابيش في مصر، إلا أن الشاب ناجي عطا لا يعترف بذلك، إذ يتمسك بصناعة الطربوش الأزهري التي ورثها عن أبائه وأجداده في محافظة أسيوط إحدى محافظات صعيد مصر.

ويحظى الشاب المسيحي بشهرة كبيرة بين رجال الأزهر لدرجة تدفعهم إلى السفر إليه من القاهرة وكافة المحافظات للحصول على عمامة مناسبة لهم، لذا عبر «ناجي» عن أمله في أن تعود مصر لتصنيع خامات الطربوش محلياً.

وداخل إحدى ورش صناعة الطرابيش في شارع المعز لدين الله الفاطمي بالقاهرة، التقينا بالشيخ محمد الهادي الذي يعمل في المعهد الأزهري بغزة في فلسطين، وأكد لنا أنه جاء إلى هذه الورشة بعد عناء ليحصل على عمامة أزهرية أصلية تعطي المظهر الإسلامي والحضاري، وتميز صاحبها.

ويؤكد أنه في الشام لا يقتصر هذا الزي على الأزهريين وإنما يضم كل من يصعد إلى المنابر ويلتحق أو يدرس الشريعة الإسلامية.

أخذ طرف الحديث من المواطن الفلسطيني عم ناصر، صاحب ورشة الطرابيش، الذي قال: "طول ما الأزهر فاتح، إحنا شغالين"، لافتاً إلى أن العمامة صناعة يدوية تمر بـ11 مرحلة وتعتمد على ثلاثة مكونات رئيسية هي المياه والكهرباء والنار.

لترغيب المنتمين لهذه المؤسسة في هذا الزي، يصرف الأزهر الشريف زياً متكاملاً، ويشترط أن تكون الأفضلية في الترقيات للمناصب لمن يرتديه. بينما تلزم وزارة الأوقاف الأئمة التابعين لها بارتدائه في خطبة الجمعة أو الحرمان من «بدل الزي وصعود المنبر».

في لبنان يرتدي رجال الدين الإسلامي زياً مشابهاً لزي الأزهر، ولكن وجه الاختلاف يتمثل في العمامة. ففي مصر، العمامة عبارة عن طربوش ملفوف عليه شال أبيض، بينما في لبنان هناك عمامة سوداء وأخرى بيضاء، وعن سبب ذلك يؤكد السيد حسن الأمين، ابن المرجع الشيعي على الأمين، لرصيف22 أن العمامة السوداء تدل على أن نسب الشخص الذي يرتديها يعود إلى رسول الله، أما من يلبس العمامة البيضاء فنسبه لا يعود للنبي.

الرافضون للزي

يرفض قطاع من العاملين في الحقل الدعوى، ارتداء هذا الزي ويفضلون الجلباب والطاقية البيضاء عنه، خصوصاً المنتمون للتيار السلفي. وعن الأسباب يقول الباحث في شؤون المؤسسات الإسلامية مصطفى البدري، إن هذا الزي يرمز للوظيفة الحكومية أكثر من رمزيته للأزهر، لذا يرفض عموم السلفيين ارتداءه خشية النظرة المجتمعية لصاحبه على أنه خاضع للسلطة ومنفذ لتوجيهاتها.

واعتبر الداعية السلفي أحمد النقيب خلال رده على سؤال حول حكم ارتداء «العمامة والكاكولة»، الزي الأزهري ثوب رياء وشهرة، مشدداً على ضرورة تقصير الجبة، وأن يلبس العمامة ويجعل لها ذؤابة – طرف الشال- يلقيها على ظهره.

زي الشهرة والتدجيل

رغم المنزلة الكبيرة التي يحظى بها الزي الأزهري لدى العاملين بالمؤسسات الدينية في مصر، إلا أن بعض غير المتخصصين يرتدونه ليظهروا به على القنوات الفضائية، ومن هؤلاء شخص يدعى محمد عبد الله ويشتهر إعلامياً بلقب «الشيخ ميزو».

ظهر ميزو خلال ثورة يناير 2011، بالزي الأزهري في ميدان التحرير باعتباره مناضلاً أزهرياً، وتنافست بعض القنوات الفضائية على استضافته في برامجها في بعض الفترات، ولكنه بعد أن عزفت عنه القنوات، لجأ إلى إثارة بعض القضايا الدينية الشائكة لجذب الانتباه.

فادعى أنه المهدي المنتظر، وشكك في صحيحي البخاري ومسلم، وأنكر عذاب القبر، واعتبر أن ممارسة الجنس بين غير المتزوجين ليست "زنا"، وأن الرقص الشرقي حلال بينما النقاب حرام. وبالتواصل مع جامعة الأزهر ووزارة الأوقاف تبين أن «ميزو» رسب بالجامعة ولم يعين بالأوقاف كما كان يدعي، وبالتالي لا يحق له ارتداء هذا الزي.

وقد قضت المحكمة أواخر فبراير من العام الحالي، بمعاقبة الشيخ ميزو بالسجن 5 سنوات مع الشغل والنفاذ، لاتهامه بازدراء الأديان.

ومن بين من ارتدوا الزي الإسلامي وأساءوا له شخص يدعى مصطفى راشد، الذي قدم نفسه لوسائل الإعلام في السنوات الأخيرة باعتباره أستاذاً جامعياً في الأزهر ومفتياً لأستراليا. وأخذ يتنقل على الفضائيات ويحلل شرب الخمر، ويقول إن الصيام فرض على الأغنياء فقط، ما دفع المركز الإعلامي للأزهر إصدار بيان طالب فيه وسائل الإعلام بعدم إعطائه الفرصة لتشويه صورة الإسلام والطعن في ثوابت الدين والنيل من علمائه الأجلاء.

السينما والزي

بعض الأفلام السينمائية دأبت على إظهار "المأذون" ممسكاً بدفتر كبير مرتدياً الزي الأزهري، يتحدث اللغة العربية الفصحى بشكل يجلب الاستهزاء إليه وإلى اللغة نفسها، أو تصويره كشخصية أكولة يسيل لعابها لرؤية الطعام، أو تظهره وهو يشارك في زواج باطل شرعاً كما جاء في فيلم "زوج تحت الطلب"، أو يطلق امرأة عنوة من زوجها ليزوجها للعمدة كما في فيلم "الزوجة الثانية".

وتعرّض فيلم «مولانا» الذي قام ببطولته الفنان عمرو سعد لهجوم عنيف من الأزهريين قبيل عرضه بالسينما مطلع يناير الماضي، فاتهمه أئمة الأوقاف بالإساءة للأزهر، إلا أن بعض الأزهريين الذين شاهدوا الفيلم أكدوا أنه لا يحمل أي إساءة لمؤسسة الأزهر وأنه حكى واقعاً يعيشه الناس.

جدال حول السخرية من الزي

انتقد الناقد الفني طارق الشناوي ما أسماه بمبالغة الأزهريين في الدفاع عن العمامة والكاكولة، مؤكداً أنهما مجرد زي والسخرية منه لا تسيء للإسلام من قريب أو بعيد.

وأكد الشناوي لـرصيف22 أن الزي الأزهري ليس مقدساً ولا يعطي صاحبه حصانة أو توقيراً، لافتاً إلى أن كافة الأديان في عمقها لا يعنيها شكل الملابس ولا ألوان الوجوه، إنما السلوك والقلوب. وقال: "إن الله لا ينظر إلى وجوكم وإنما أعمالكم، والدين الإسلامي حرر الإنسان من الكهنوت".

وأضاف الناقد الفني: "السخرية من المأذون في الأفلام ليست إساءة للإسلام، ولو كان الزي يعبر عن دين فهذه كارثة، ولو أننا صورنا في الأعمال الفنية طبيباً أو محامياً فاسداً، فهل هذا يعتبر إساءة للعاملين في هذه المهن؟"، داعياً رجال الأزهر إلى تقبل الفنون.

في المقابل، دعا أحمد المنزلاوي الكاتب والباحث في العلوم الإنسانية والشرعية، إلى ضرورة الحفاظ على صورة الزي الذي يدلل على أي كيان ذي تأثير في البلد نريد له الاستمرار.

وأضاف: "ولما كان الأزهر المؤسسة الرسمية للشؤون الدينية، وشاء تاريخياً لأبنائه زياً واحداً، وجب علينا أن نحافظ على هذا الزي، حتى يكون لهم كلمة مسموعة، وتأثير بين الناس، فاحترام هذا الزي احترام للشخص الذي يرتديه، واحترام الشخص احترام لما معه من علم بالقرآن والسنة".

وأشار إلى أن إهانة هذا الزي عن طريق الأعمال الدرامية، هو في الحقيقة إهانة للعلم الذي يقدم، وللصورة الذهنية عن المشايخ والعلماء، والتقليل من شأنهم، والجرأة عليهم في الوقت الذي كانت لهم كلمة مسموعة.

أما عن ارتداء غير المتخصص للزي الأزهري، فهو مثل جريمة ارتداء زي ضابط شرطة وممارسة عمله، هكذا يرى الباحث في العلوم الإنسانية والشرعية، وذلك لأنه يضفي شرعية مزيفة له بهذا الزي، بل قد يمرر الكثير من الجرائم والناس لا تدري، وهذا ما نراه من هؤلاء غير المتخصصين الذين يتكهنون في الدين، لذا وجب على الدولة أن تسن القوانين لمن يتجرأ على هذا الفعل، وينتحل صفة شخصية أزهرية بارتداء الزي.

كلمات مفتاحية
إمام الأزهر زي

التعليقات

المقال التالي