"الأرض مسطحة والإنسان لم يذهب إلى القمر والغرب يخدعنا وأصلاً هذه مؤامرة"

"الأرض مسطحة والإنسان لم يذهب إلى القمر والغرب يخدعنا وأصلاً هذه مؤامرة"

الأرض كروية أم مسطحة؟ لمجرد قراءة السؤال أو سماعه سيظن البعض أنها دعابة أو "ألشة سخيفة". لكن صدقوا أو لا تصدقوا، لا يزال الأمر محل شك وتساؤل لدى البعض تماماً كما حدث في الماضي.

في القرن الثامن عشر، واجه عالم الفلك غاليلو غاليلي رجال الكنيسة لإثبات أن الأرض كروية وتدور حول الشمس، وذلك لخلاف الاعتقاد بأنها مركز الكون، وهو ما سبّب صداماً مع رجال الدين ذوي القوة والنفوذ، فاتهموه بالهرطقة والاعتداء على المقدسات المسيحية، وكاد يُحرق أو يُسجن مدى الحياة من قبل محاكم التفتيش، لولا إيقاف تنفيذ الحكم.

بعد مئات السنين وفي القرن الـ21، يتكرر الجدال نفسه لكن مع تغير طفيف، سكان الشرق الأوسط دخلوا الجدل وانضم الدين الإسلامي للمعادلة، والسبب كما هو في الماضي: "هل الأرض مسطحة وهل هي مركز الكون؟".

تجاوز أعضاء مجموعة "الأرض المسطحة وخفايا النظام العالمي الجديد" على فايسبوك حتى هذه اللحظة، 46 ألف عضو، ويتضاعف يومياً بكثرة.

يسلم الأعضاء بغالبيتهم بحتمية تسطح الأرض واستوائها وإحاطتها بسور من الجليد تخفيه الدول الغربية وتحظر الاقتراب منه حتى لا يرى أحد "حافة الأرض". وهم كذلك يؤمنون بكذب وكالة ناسا في كل ما تنشره في شأن الصعود إلى الفضاء أو الهبوط على القمر أو وجود أقمار اصطناعية حول الأرض.

ويكون الرد اتهام كلّ من يحاول دحض الاعتقادات بـ "المؤامرة الكبرى، والاعتداء على المقدسات...".

شعور بالدونية

لكن، لماذا يعتقد بعض سكان المنطقة بأنهم يتعرضون لمؤامرة بصدد هذا الشأن وأن هناك من يخدعهم؟

يجيب عن هذا السؤال الدكتور جمال فرويز الأستاذ في الطب النفسي، أن البعض لديه شعور بالدونية، والنقص أو العجز، نتيجة التأخر في التقدم العلمي كسائر الدول أو تحقيق إنجازات.

ويقول فرويز لرصيف22: "يسيطر على هذه الفئات هذا الشعور، لأن العرب حكموا العالم فترة من الزمان، ومن ثم أصبحوا في الحضيض، ومن ثم استغلهم العالم الغربي واستعمرهم واحتلّ بلادهم، وهذا جعلهم يفكرون في نظرية المؤامرة".

ويرى أن هناك بعض الأكاذيب التي تنشرها الدول الأجنبية، تجعل البعض يشك في ما يصل إليه، ويعتبره كذباً وخداعاً. فقد ارتكبت وكالة الفضاء الدولية (ناسا) خطأً غريباً، جعل المؤمنين بنظرية المؤامرة يزدادون يقيناً بتزييف الصعود إلى الفضاء، ذلك عندما نشرت ناسا على حسابها الرسمي في تويتر صورة مع تعليق عليها أربك رواد الموقع، حيث قالت أن الشمس تظهر في خلفية الصورة مع الأرض. إذا لم تكن خبيراً، فبكل تأكيد ستلاحظ وجود خطأ.

 

خطأ تغريدة ناسا

في الصورة، تظهر النجوم بشكل جلي، إضافة إلى أضواء في الأرض بوضوح، أي أن الليل هو الذي يلف تلك البقعة. مرّت دقائق حتى تداركت ناسا الخطأ، ونُشر التصحيح بأن القمر هو الموجود في خلفية الصورة لا الشمس.


ويفسر فرويز تأثير هذه الأخطاء في نفسية المشاهد قائلاً: "هناك من ينتظر أي خطإ حتى يبني عليه ويحوّل الحقائق أكاذيب، ويكون هذا الخطأ دليله على نظرية المؤامرة".

أقوال جاهزة

شارك غردلدى بعض سكان المنطقة إحساس بالعجز، نتيجة التأخر في التقدم العلمي ما يدفعهم للإيمان بنظريات المؤامرة

شارك غردمحاكم التفتيش في القرن الـ21.. الأرض كروية أم مسطحة؟ سؤال مطروح حتى اليوم

محاكم التفيش بأسلوب العصر

ا حاولت الاستناد إلى أي دليل علمي أو الرجوع بحججك إلى مصادر غربية، فستواجه محاكم تفتيش لكن بأسلوب القرن الـ21، عبر سيل من التعليقات التي تؤكد أنك مُغيّب وتساعد الغرب في الحرب على الإسلام، وستكون الشتائم والانتقادات اللاذعة معدة لك سلفاً، ومصيرك الطرد من المجموعة لا محال.
يستدل مجتمع الأرض المسطحة على فرضية أننا لا نرى انحناء الأرض، متغاضين عن صغر حجم الإنسان مقارنة بحجم الأرض والتضاريس الجغرافية.

"لو مسطحة هنقع زي بصل"

"عايز تبوظلي عقلي وتقول لي الأرض بتلف ولا ننزلش زرع بصل (ولا نسقط في الاتجاه المعاكس)... يعني الصبح دكاني في باب الشعرية أدور عليها المغرب ألاقيها في روض الفرج، بدفعلكم 30 ساغ (جزء من الجنيه) عشان تبوظوا دماغ الولد".

هذا الحوار الذي دار بين فؤاد المهندس وجمال إسماعيل في مسرحية السكرتير الفني التي عُرضت عام 1968. هو حديث بين أب غير متعلم وأستاذ تاريخ وجغرافيا، يتكرر حالياً في القرن الـ21، ولكن بآلية مختلفة على شبكات التواصل الاجتماعي، مع الأخذ في الاعتبار أن الطرف الرافض كروية الأرض تخطّى الدراسة الجامعية.

في هذا السياق، تقول الدكتورة سامية خضر الأستاذة في علم الاجتماع، أن نسبة الأمية التي تسيطر على بلاد عربية كثيرة، بيئة خصبة لنشر هذه "الخزعبلات"، وأنها تتزايد مع الانتشار التكنولوجي وعدم وجود مؤسسة تُصحح المعلومات المغلوطة.

أما بخصوص سرعة بث الفكرة، فتقول خضر: "عندما تنشر مجموعة من الأشخاص معلومة خاطئة داخل إطار الدفاع عن الدين، فإنها ستجد قبولاً واستحساناً من بعض الأشخاص، وتبدأ النزعة الدينية تثير البعض، ومن ثم تكوّن قاعدة شعبية وتتحول الأكاذيب والخرافات حقائق وتكون أكثر تعقيداً، وهذه طريقة الجماعات الإرهابية في استقطاب الشباب".

وأضافت لرصيف22، أن وهم المؤامرة يأخذ طرقاً مختلفة في ما بعد، بداية من إنكار الحقائق العلمية وإنكار وجود أشياء مادية، إلى الشعور بأن الشخص مضطهد من الجميع وأن هناك من يسعى إلى أذيته.

رأي الشرع

يلعب مجتمع الأرض المسطحة على وتر العاطفة الدينية والمؤامرة على الإسلام، ليدحض فكرة كروية الأرض أو نظرية التطور والصعود إلى الفضاء وغير ذلك، ولا يؤمن الأعضاء بأي صورة للأرض من الفضاء لظنهم بأن الإنسان لا يستطيع اختراق الغلاف الجوي.

يستند بعضهم إلى النص القرآني القائل: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان"، بأنه ينفي الصعود إلى السماء، وإلى الآية: "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين"، بأنها تفيد بأن الأرض مركز الكون.

وقد استخدم الداعية بندر الخيبري آيات قرآنية لينكر كروية الأرض وزعم أنها مسطحة، قائلاً: "لو أردنا السفر مثلاً من مطار الشارقة إلى الصين، والأرض تدور كما يقولون، فإنها ستأتي وحدها إلى الطائرة الواقفة في السماء، أما لو كانت الأرض تدور حول نفسها فلن تستطيع أن تصل إلى الصين".

إلا أن الاستناد إلى الآية الأولى يوضح الفهم الخاطئ لها، فتفسيرات كثيرة لا تنفي الصعود أو اختراق الفضاء، وقال البعض أن الكلام في "إن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض"، موجه إلى البشر في نهاية الزمان أي إنهم لن يهربوا من الموت حتى لو خرجوا من السماء والأرض.

كما أن في هذه التفاسير استناداً حرفياً إلى النص القرآني. ويرى الدكتور محمد عبدالعاطي العميد في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن البعض "يعتمد على الوهم والأدلة الظنية في تفسير الآيات الدينية من دون فهم أو تدبر".

أضاف عبدالعاطي لرصيف22، رداً على أن استخدام الآية "وإلى الأرض كيف سطحت" كدليل يناهض كروية الأرض قائلاً: "هذا الكلام ليس صحيحاً، التسطح هنا يعني أنها مُهّدت لتكون صالحة لخدمة الإنسان ولحياته، وذلك خلاف المعنى الوارد في ذهن البعض لتفسير التسطّح بأنه الاستواء التام".

إلى أين ؟

كان دافع الكنيسة ورجال الدين إلى محاربة أفكار غاليلو هو الحفاظ على نفوذهم، وخوفاً من ضياع السلطة وإظهار زيفهم أمام العامة.

أما الآن، فربما تراود القارئ أسئلة عدة، منها: ما هي السلطة التي يسعى هذا المجتمع إلى الحصول عليها؟ وإلامَ سيؤول الوضع بعد الاستناد إلى تفسيرات دينية كبديل من التجارب العلمية؟

التعليقات

المقال التالي