عندما ترتدي حكومة مصر زي مرشدة سياحية جذابة

عندما ترتدي حكومة مصر زي مرشدة سياحية جذابة

بين رقص شرقي في لندن وآخر استعراضي في شوارع القاهرة، تنوعت وسائل الحكومة المصرية وأجهزتها في سبيل جذب السياح إلى بلادها مرة أخرى. بعد سنوات من القطيعة دفع فيها قطاع السياحة فاتورة ركام الأزمات السياسية والأمنية التي شهدتها مصر منذ 2011.

على مدار السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ يونيو 2014، عندما صعد عبد الفتاح السيسي إلى رأس الحكم في مصر، لم تترك الحكومة باباً إلا وطرقته لمد جسور الثقة مع الحكومات الغربية. واتبعت العديد من الوسائل الترويجية، منها المبتكر والتقليدي، بهدف جذب شرائح كبيرة من السياح عبر العالم.
الحكومة مستعدة للعب أي دور لجذب آخر السياح الذين ما زالوا يحلمون باستكشاف مصر وأهراماتها.

مشاهير الأهرامات

بين أهم الوسائل التي ارتكزت عليها وزارة السياحة المصرية في حملتها الدعائية، وسيلة استثمار زيارات نجوم العالم على مستوى السياسة والفن وكرة القدم، في الترويج للأماكن السياحية في مصر. فاستقبلت القاهرة في مارس الفائت فقط، 3 شخصيات بارزة هم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ونجم هوليود ويل سميث، وساحر الكرة الأرجنتينية ليونيل ميسي.

زيارة ميركل إلى القاهرة كانت في سياق سياسي وإنساني بحت، لبحث أوضاع اللاجئين الذين تستضيفهم مصر جراء الحرب السورية، لكن الدولة دأبت على استثمار الزيارة التاريخية للترويج للسياحة، من خلال الصور التي التقطتها المستشارة الألمانية في الأهرامات، وإقامة السيسي حفلاً للوفد على سفح الهرم.

ويل سميث الجوكر

MAIN_Will-Smith-in-Cairo

قبل ثورة 25 يناير، كانت مصر قبلة لمشاهير هوليود والفرق الأوروبية العالمية، لذا كانت الحفاوة الإعلامية لافتة بالنجم في ظل انتعاش القطاع السياحي. لكن زيارة لنجم مثل ويل سميث في أيام غير عادية كهذه، جعلتها تحظى باهتمام كبير على مستوى التفاعل الرسمي والشعبي.

لم تدع وزارة السياحة ويل سميث لزيارة مصر بهدف الترويج لها، لكنها كانت على علم بخطة النجم الأمريكي لقضاء إجازته الشخصية بالقاهرة، وهو ما استثمرته بطريقة غير مباشرة، وفقاً لوليد البطوطي، مستشار وزير السياحة وممثل الاتحاد الدولي للمرشدين السياحيين في الشرق الأوسط.

يوضح البطوطي، الذي رافق سميث خلال زيارته للقاهرة، أن الحكومة وفرّت الخصوصية الكاملة للنجم الهوليوودي بعد علمها بقدومه لقضاء العطلة بعيداً عن ملاحقات وسائل الإعلام، ما أثمر عن نشر صور له في منطقة الأهرامات، وتحيته للشعب المصري، إذ كتب أنه يأمل في تكرار الزيارة.

ويضيف: "وضع صور سميث على صفحات التواصل يثير لعاب مشاهير العالم لزيارة مصر خلال الفترة المقبلة، فالمشاهير يساهمون في الترويج لمصر بتوظيف غير مباشر بأقل التكاليف".

وميسي الجاكبوت

Messi-Cairo_AFP

بعكس ميركل وسميث، اللذين لم تدعهما مصر واستثمرت وجودهما في القاهرة، كان نجم برشلونة الإسباني ليونيل ميسي حاضراً على منصة استقبال خاصة به. وكان بطل حفل فني ضخم على سفح الهرم، لكن هذه المرة بدعوة مدفوعة الأجر للترويج للسياحة العلاجية بمصر لمرضى فيروس "سي".

واعتبرت الحكومة أن زيارة ميسي خطوة بالغة الأهمية في الترويج لمنتج السياحة العلاجية، التي تعد أحد الكنوز السياحية غير المستغلة وغير المكتشفة فى مصر. فتحتل مصر موقعاً متميزاً على خريطة السياحة العلاجية، ما يجعلها مقصداً لراغبي الاستشفاء من جميع أنحاء العالم، بحسب بيان مشترك بين وزارتي السياحة والصحة.

"جزء من منظومة الدعاية التي تتبناها الحكومة والهيئات السياحية هو استقطاب المشاهير سواء بشكل تطوعي أو مدفوع الأجر لتحسين الصورة الذهنية الدولية عن مصر"، يقول اللواء أحمد حمدي، نائب رئيس هيئة تنشيط السياحة، عن اتجاه الحكومة لاستثمار زيارات نجوم العالم.

من حكومة إلى دليل سياحي

تسعى الحكومة لمحو الآثار السلبية التي خلفها حادث تفجير الطائرة الروسية بمطار شرم الشيخ في نوفمبر 2015، وقد أطلق عليه خبراء السياحة أنه رصاصة الرحمة على هذا القطاع. فحظرت عدة دول، منها روسيا وألمانيا وبريطانيا وهولندا سفر مواطنيها إلى مصر، خشية تعرضهم لأي تهديدات مجددة.

وبشكل عام، أضحى النشاط السياحي في مصر الأكثر تدهوراً بين الوجهات السياحية الرئيسية في العالم لعام 2016، بحسب التقرير السنوي لمجلس السفر والسياحة العالمي.

أقوال جاهزة

شارك غردخلطة ويل سميث - ميسي - ماركل السياحية السحرية تحت الأهرامات بإمكانها أن تعيد حتى كليوباترا إلى مصر

شارك غردحملات سياحية عدة انتقدها المصريون على أنها تهدف للسياحة الجنسية أكثر من أي شيء آخر

وأبرز التقرير تراجع السياحة في مصر منذ العام 2010 بنسبة 80 %، ورد ذلك إلى عدم الاستقرار السياسي والعمليات الإرهابية. كما شهد العام الماضي تراجع عائدات السياحة بنسبة تزيد عن 45%، ورقمياً تعد أقل من 30 مليار جنيه مصري أو 1.6 مليار دولار، مقابل ما يزيد عن 140 مليار جنيه في العام2010. ورصد التقرير تراجع عدد السياح من 14 مليوناً سنويًا إلى نحو 5 ملايين.

ودفع تراجع عائدات السياحة الحكومة إلى البحث عن طرق مبتكرة، من وجهة نظرها، لجذب انتباه السياح الغربيين إلى مقصدها السياحي. فقدمت شركة "مصر للطيران" فقرة دعائية بمطار هيثرو بلندن بواسطة أربع فتيات يرقصن رقصات شعبية أمام مقر الشركة احتفالاً بتشغيل رحلاتها المتجهة من لندن وإليها من "مبنى الملكة" الجديد.

لاقت الحملة غضباً واسعاً من جمهور التواصل الاجتماعي، إذ اعتبروها دعاية "مبتذلة" باستخدام الفتيات للترويج للسياحة المصرية.

لم تكن "رقصة مطار هيثرون" الوحيدة من هذا النوع في لائحة الأساليب الترويجية التي اعتمدت عليها الهيئات المعنية بتنشيط السياحة. فاستعانت الهيئة بفرقة الفنون الشعبية لانتظار أفواج السياح في مطار القاهرة الدولي مرتدين الملابس الفرعونية والبدوية والنوبية، لتشجيع الغربيين على زيارة مصر باستمرار، وتبنيهم دعوة الأصدقاء في أوروبا أيضاً.

ومن الحملات التي اعتمدت بشكل كبير على القوة الناعمة لمصر، حملة "مصر القريبة" التي أطلقتها وزارة السياحة بكلفة بلغت 5 ملايين دولار، لجذب السائح العربي. فأعدت أوبريت غنائياً يحمل اسم الحملة، بمشاركة نخبة من المطربين والفنانين، منهم محمد منير وأنغام والمطرب السعودي بندر سعيد وغادة عادل ومحمد هنيدي وشريف منير.

وراجت الحملة على المستوى الإلكتروني بسبب مضمونها الزائف تارةً والمسيىء تارة أخرى. فصورّت الأغنية المصريين وهم يستقبلون العرب بود ومحبة، في مشهد توزيع الممثل صلاح عبدالله للتحف على السياح الخليجيين دون مقابل.

وفي الفيديو نفسه، قدم مخرج الأوبريت الفنانة غادة عادل كبائعة ورد تغازل السائح الخليجي على كورنيش النيل، وهي الإشارة التي ترجمها المصريون من الوهلة الأولى بأنها السياحة الجنسية، وهذا المعتقد السائد عن أسباب انتشار العرب في مصر خلال العقود الأخيرة، فتفتح الملاهي الليلية أبوابها لكل من لبس الجلباب والغترة.

مصر وليلى علوي وملكات جمال بريال

استمرت الهيئات السياحية في مغازلة السائح العربي في حملة أخرى بعنوان "تعالوا زوروا مصر بريال" بهدف إنعاش الحركة السياحية الوافدة إلى شرم الشيخ.

وتضمنت الحملة أسعار البرامج من السعودية إلى شرم الشيخ والغردقة شاملة الإقامة بالفنادق، على أن يبدأ سعر التذكرة من 1800 ريال أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية، وهي تشمل مواطني الدول الخليجية وجميع العاملين الأجانب بها، والمقدر عددهم بأكثر من 10 ملايين، ما دامت إقامتهم مستمرة 6 أشهر على الأقل.

ربما لم تستفد مصر كثيراً من الحملات الموجهة للسائح السعودي، بسبب التوتر السياسي بين الدولتين على خلفية موقف مصر من دعم نظام بشار الأسد، وتلته القضية المثارة عن أحقية السعودية في جزيرتي تيران وصنافير.

على المستوى غير الرسمي، كانت القوة الناعمة حاضرة أيضاً فى النشاط السينمائي، إذ تعرض سينما فرنسا خلال هذه الأيام فيلماً مشتركاً بين الممثلة المصرية ليلي علوي وسيدة المسرح الفرنسي كاترين هيرولت باسم "سيدة النيل".

وهذا الفيلم القصير هو إنتاج مصري فرنسي مشترك، وتم تصويره في محافظة أسوان بهدف الترويج للسياحة المصرية. وقام المركز الثقافي للتراث العربي بفرنسا بترشيح ليلي علوي لبطولة الفيلم، كما منحها لقب سيدة النيل.

وخلقت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها مصر حوافز موازية لدى المواطنين للمساهمة في الترويج لبلادهم وثقافتهم، مثل مبادرة "باليه في شوارع القاهرة"، التي أطلقتها مجموعة من الشباب المصورين للترويج للسياحة من خلال رقص الباليه في الشوارع المشهورة بوسط العاصمة، والأماكن التاريخية البارزة مثل شارع المعز في حي الحسين.

"جميع الحملات والمبادرات تراكمات لعمل حكومي وشعبي لتصحيح الصورة الذهنية عن مصر، لكنها لن تؤتي ثمارها مرة واحدة"، يقول اللواء أحمد حمدي، نائب رئيس هيئة تنشيط السياحة.

ويوضح حمدي أن الحكومة اتبعت وسائل عدة من خلال التعاقد مع شركات علاقات عامة لرسم صورة صحيحة عن مصر لدى الحكومات الأوروبية، كما سعت لاستثمار زيارات المشاهير ودعوة الرموز العالمية مثل دعوة بابا الفاتيكان لزيارة القاهرة نهاية أبريل الجاري.

وبحسب حمدي، فإن الحكومة تبنت خلال الفترة الأخيرة  فعاليات محلية ودولية للترويج للسياحة مثل استقبال ملكات جمال العالم لاختيار ملكة البيئة، التي احضتنها مكتبة الإسكندرية خلال الفترة الحالية، وتتنافس فيها 90 ملكة جمال على مستوى العالم، بجانب مشاركتها فى ملتقى السياحة العالمي بعد بورصة لندن بهدف فتح أسواق جديدة.

لكن مستشار وزير السياحة وليد البطوطي يرى أن الحكومة ليست بحاجة إلى مثل هذه الحملات بقدر حاجتها إلى ضبط سلوك مواطنيها للحد من المضايقات التي يتعرض لها السياح، خصوصاً ابتزازهم مادياً في منطقة الأهرامات التي كثرت منها شكاوى استغلالهم والتحرش بهم.

بالنسبة لبطوطي، فإن دعاية السفارات الأجنبية الموجودة في القاهرة عن توافر عناصر الأمن والجمال أفضل من تنظيم حملات دعائية، خصوصاً إذا رافقها تطوير نظام التسويق ليشمل تصوير أفلام قصيرة عن الاكتشافات الأثرية الجديدة في مصر وإذاعتها في محطات المترو الرئيسية في أوروبا.

كلمات مفتاحية
السياحة مصر

التعليقات

المقال التالي