الضرب في المدارس: وسيلة للتأديب أم سوء تربية؟

الضرب في المدارس: وسيلة للتأديب أم سوء تربية؟

في أكتوبر الماضي، قررت وزارة التعليم العُمانية منع العقاب الجسدي في مدارس مسقط للمرة الأولى، بعد شكاوى متعددة من الأهالي. كل أستاذ يخرق هذه القاعدة الجديدة، يواجه السجن لمدة قد تصل إلى خمس سنوات، ودفع غرامة قد تبلغ 13 ألف دولار.

ليست عُمان الدولة العربية الوحيدة التي تمنع التعنيف الجسدي في المدارس، فمعظم وزارات التربية عمِلت على ذلك. لكننا ما زلنا نسمع، في هذه المدينة أو تلك، أخباراً وقصصاً عن معلمين يعاقبون التلاميذ بأشكال قاسية.

في لبنان مثلاً، تحظّر المادة 186 المعدلة من قانون العقوبات على المعلمين استعمال الضرب لتأديب الأطفال، وتحصر ضروب التأديب غير العنيفة، بالآباء والأمهات، شرط أن لا تترك أثراً على صحتهم الجسدية والنفسية. بينما يحظّر القرار 1130/2001 على المعلمين والمديرين، إنزال أيّ عقاب جسدي بتلاميذهم، ويحظر تأنيبهم بكلام مهين. وفي السعودية، منعت وزارة التربية والتعليم العقاب البدني في مدارس التعليم الرسمية عام 2000. وكذلك في مصر والجزائر والإمارات وغيرها من الدول العربية.

الضرب بالمسطرة أو العصا، شمط الأذنين، كف على الرقبة، الركوع لساعات عدة، الزحف على الأرض، القرص... هذه بعض الوسائل التي يلجأ إليها المعلمون، بحجة أنّها الطريقة الوحيدة لضبط التلاميذ وتعليمهم.

ذكريات الضرب

تروي ليانا الفلسطينية (30 عاماً) أنها تعرضت لبعض المواقف التي كانت أكثر من عقاب، وأقل من إهانة لأسباب مختلفة. وتعددها قائلة: "عدم قص الأظافر وإزالة طلاء الأظافر الذي لا يليق بآنسة محترمة ترتاد مدرسة محترمة، مثل مدرسة سلاحف النينجا للبنات (اسم ابتكرته لئلا تفصح عن اسم المدرسة الحقيقي). وأضافت: "هناك أسباب أخرى يطول شرحها عن أنواع العِقاب، من ضرب اليد بالمسطرة إلى شد الأذن اليمنى، أو التأمل في سلة المهملات لفترة ثلاثين دقيقة متواصلة من دون رفة عين".

وتعود بنا عزيزة المصرية (41 عاماً) إلى حين كانت بين الـ7 والـ9 من العمر، تقول: "غالباً كنا نعاقب لأمور تافهة مثل نسيان الدفتر في المنزل، أو عدم إتمام الفروض بشكل جيد. وكانت سيدات في الخمسين من العمر يعملن مع الراهبات، يشبهْن التماسيح، هن من ينفّذن العقاب. ضربة على كل يد". وتتابع "الوضع كان مزرياً. أتذكر فقط انكماشاً في المعدة وشعوراً بالذل والكُره تجاههنّ".

تراوح ذكريات ريان اللبناني (32 عاماً) بين المضحكة والغاضبة. فيقول: "كان أستاذ اللغة العربية الذي رافقنا في الثانوية يضربنا بشيء من الطرافة. كنا نفتَعل الأمور ليضربنا، لأنه لم يكن يضرب بأذى. كان عصبياً ويضربنا سحسوحاً على رقبتنا". ولكن سرعان ما تفارق البسمة وجهه حين يتذكر معلمته عندما كان في الـ10 من عمره: "كنّا صغاراً وكانت تشدّ سوالفنا إذا كنا مشاغبين. كانت شريرة ولم يكن أحد يحبها".

أما رامي (اسم مستعار)، السوري البالغ من العمر 40 عاماً، فيستفيض بذكرياته من أيام الدراسة في سوريا. ويشير إلى أن ثقافة التأديب الجسدي الموجودة أصلاً في البيت والشارع، انتقلت إلى الصفوف الدراسية، حتى لو أنها تختلف من معلّم إلى آخر. ويشرح: "هناك أنواع من الأساتذة: الأستاذ المدني أي من يعلمنا التاريخ واللغة والجغرافيا، كان يستخدم البيكار أو المسطرة أو العصا التي يشرح بها الدرس، لحثّك على العمل بجهد أكبر، وهناك الأساتذة ذوو الخلفية العسكرية الذين يريدون تطويع الإنسان، نفّذ ثم اعترض، لخلق أجيال معسكرة. ومعهم، يكون العقاب أسوأ كالزحف على الأرض، وكأنه نوع من الإذلال وتحدٍ لقوتك البدنية، إضافة إلى صفع الوجه وهو جرح للكرامة".

أقوال جاهزة

شارك غردالضرب بالمسطرة أو العصا، شمط الأذنين، كف على الرقبة، الركوع لساعات عدة، القرص... أي وسيلة عانيتم منها في المدرسة؟

شارك غردالتأمل في سلة المهملات لفترة 30 دقيقة من دون رفة عين.. من أساليب التعذيب التي يستخدمها المعلمون لتأديب التلاميذ!

ويتابع: "أحياناً، كان العقاب جماعياً. في الصباح، ينادون أسماء الطلاب في الباحة ويقومون بضربهم أمام الجميع ليكونوا أمثولة لنا". ومن العقوبات الجماعية أيضاً، التي يذكرها رامي، تلك التي يفرضها "القازم" الذي لا يملك أي خلفية تعليمية، ودوره ضبط الطلاب في الباحة متى يعجز المعلّمون عن ذلك. ويتذكر: "شهدت هذه الحادثة عندما كان نحو 200 طالب في الباحة يمزحون ويغنّون ويضحكون في أواخر التسعينيات، وعجز الأساتذة عن ضبطهم. فحضر القازم، وبدأ يصرخ ويكسر البلاط ويرميه عشوائياً على الطلاب. كان تأديباً جماعياً وأذى عشوائياً".

الضرب ضروري أحياناً؟

وللأساتذة أيضاً رأي في الموضوع. كثيرون منهم ما زال يؤمن أن التأديب الجسدي ضروري أحياناً لتربية أفضل.

فتقول ليلى، معلمة إماراتية تدرّس منذ 14 عاماً: "في بداية مسيرتي، كنا نضرب بالمسطرة على اليد، أو نجعل الطالب يقف طوال الحصة. هذا ما كان شائعاً. ولكن حالياً حتى القرصة على اليد ممنوعة، طبقاً القانون، ويعاقب الأساتذة بطردهم". وتتابع: "أحياناً نحتاج إلى العقاب، لا سيما إذا تصرف الطالب بقلة أدب أو كان سلوكه مسيئاً. فتشعر أحياناً أنك مضطر لاستعمال هذا النوع من التأديب، "بالمعقول"، لا الضرب المبرح، لكن الأمر مستحيل الآن".

هزار مهايني، مؤسسة مدرسة السلام للاجئين السوريين في الريحانية (تركيا)، تقول إن التجربة مع المعلمين السوريين كانت صعبة، لأن غالبيتهم يؤمنون بالعقاب الجسدي، ويعتبرونه عادياً وطبيعياً ولا فائدة من دونه.

أرادت مهايني أن تكون المدرسة مزيجاً بين معايير التعليم في مونتريال حيث تعيش، والقيم السورية. واعتمدت في النظام الداخلي للمدرسة على منع أي نوع من العقاب الجسدي والنفسي، لكنها سرعان ما اكتشفت أن النظام حبر على ورق. وتضيف: "في بداية التجربة، عندما كنت أدخل الصفوف كنت أجد خلف اللوح بربيش بلاستيك يستعمله المعلمون للضرب إضافة إلى العصي".

وتشير أيضاً إلى أن أحد الطلاب البالغ من العمر 9 سنوات كان خائفاً من إحدى المعلمات لأنها وضعت سلة المهملات على رأس الولد كعقاب. وتتابع مهياني: "عندما تحدثت مع المعلمة مستغربة أسلوبها، فقد أجابتني: لم يكن أمامي حل آخر لأنكم لم تتركوا لنا فرصة للتأديب. فكيف لي أن أضبط صفاً بأكمله. لم يكن أمامي إلا وضع السلة على رأسه، فصمت الصف وتابعنا الدرس". قررت مهياني على الفور صرفها، لأنها تؤمن بأن هذه الطريقة هي التي ولّدت جيلاً سورياً لا يعرف أن يقول كلا ويعاني من الخوف والرعب.

ماذا يقول علم النفس؟

في مجتمعاتنا، حيث التأديب الجسدي عادة سارية في البيت أو المدرسة، لا بد أولاً من تعريف العقاب الجسدي، لا سيما أن البعض يعتبر ضربة صغيرة على اليد أو قرصة أو شد الأذنين، أمراً مقبولاً. تعرّف ليا حنوش، اختصاصية ومعالجة في علم النفس العيادي، ومشرفة تدريب في علم النفس، العقاب الجسدي في المدارس على أنه "اعتداء مباشر على جسد التلميذ تحت ذرائع أكاديمية. ويعتبر العقاب الجسدي جريمة لهوية وسلامة الفرد. قد تبدأ من ضربة صغيرة على الكتف إلى اعتداءات أكبر".

وتشير حنوش إلى أنه حتى العام 2016، أظهرت الدراسات أن لا فائدة في استخدام العقاب الجسدي في تربية الأطفال. وترى أن العقاب الجسدي هو الطريقة الأسهل للراشد، الذي يستطيع معاقبة الولد والمضي قدماً، عوضاً عن أن يشرح له أن ما فعله خاطئ. وتشير إلى أن الولد الذي يتعرض للضرب سيقوم بضرب الآخرين، وهذا تصرف يدخل في عملية التقليد لا رغبة في الأذى.

وتوضح حنوش أن مزج الدراسة والعقاب الجسدي، قد يخلق علاقة غير موجودة بين الدرس والألم الجسدي، ما قد يؤدي إلى رفض كل أنواع الدراسة. كما أنه قد يعلّم الطفل أن الطريقة الوحيدة للتواصل هي من خلال جسده، إضافة إلى تقليص قدراته على التعبير عن نفسه وتعزيز الخجل.

ما هو البديل؟

قد يكون من الصعب إقناع المعلمين والمدرسين بأن العقاب الجسدي ليس الحل لتعليم الأطفال، وضبط الصف. وتقول مهايني: "بعد خمس سنوات على إطلاق مدرسة السلام، وصل المعلمون إلى قناعة حول عدم جدوى العقاب الجسدي، حتى لو كانوا مكرهين، لأنهم وجدوا أن كل معلم يستخدم الضرب أو العقاب الجسدي، نستغني عن خدماته".

إن معاقبة كل معلّم في حال لجأ إلى الضرب، حثّ إذاً كثيرين على تغيير أسلوبهم، وقد وجدت مهايني طريقة أخرى أكثر فعالية لمعاقبة الطلاب، الذين يسيئون التصرف، هي نظام الحوافز والعواقب. وهو يضم نقاطاً يكسبها أو يخسرها الطالب بحسب سلوكه في الصف أو باحة الاستراحة أو خلال النشاطات.

من جهتها، تقول حنوش إن النظريات التعليمية ومدارس علم النفس الجديدة، تشدد على ضرورة شرح أسباب أي "عقاب" حتى للأصغر سناً، مثل "فكرّ بما فعلت وقل لي، برأيك، ما يجب فعله". ما قد يسمح للولد أن ينمو كشخص ناضج. وتضيف: "الوقاية أفضل علاج. من الأفضل اللجوء إلى التعزيز الإيجابي [positive reinforcement] في المراحل الأولى، لحث الطلاب على الأفعال الحسنة. إذا ارتكبوا خطأ، يُحرمون مما يحصلون عليه عادة".

ويبقى أنه في عالمنا اليوم حيث تعمّ الفوضى، قد يبدو العقاب الجسدي الحل الأسهل والأنسب، لا سيما أن الراشدين، غالباً، لا يملكون الصبر للتواصل مع الصغار، وفهمهم وتعليمهم بشكل صحيح. ولكن، تقول حنوش: "من المهم جداً أن ندرك أن الوقت الذي نمضيه في منع الحاجة إلى العقاب هو وقت نكسبه على المدى الطويل. هدفنا هو تربية أفراد ناضجين ومسؤولين، عوضاً عن أفراد خائفين عاجزين عن العمل من دون وجود سلطة أعلى مخيفة".

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي