ما هو حال الطيران المدني السوري في زمن الحرب؟

ما هو حال الطيران المدني السوري في زمن الحرب؟

لم تؤرشف سجلات المؤسسة الجوية، الّتي تتخذ من مطار دمشق الدولي مركزاً لأسطولها، حادثةً واحدة تتعلق بشروط السلامة وأمان الركاب، فهي إحدى الشركات القليلة في العالم التي تحظى بموثوقية تامة.

على الرغم من هذا الامتياز، فإن المؤسسة واجهت صعوبات أنهكتها وأدت إلى حدوث تبدلاتٍ عدة في الشكل والبنية.

حين أُعلن تأسيس "الشركة السورية للطيران"، عام 1946، كانت بعض دول العالم الثالث تبحث في سبل توصيل الكهرباء إلى المنازل. في تلك الحقبة، كان الواقع الخدمي في البلاد يتنامى مستغلاً خفوتَ صوتِ الحرب العالمية وسكونَ المدافع.

الرئيس السوري، آنذاك، شكري القوتلي قام بخطواتٍ استقلالية ملموسة حين نقل المصالح المدنية كالبرق والبريد وسكك الحديد من باريس إلى دمشق.

وحدث كل ذلك بالتوازي مع غليانٍ سياسي بدأته انتفاضة الاستقلال، عام 1945، التي قادت، في محصّلة أحداث لاحقة، إلى جلاء الفرنسيين عن سوريا في نيسان 1946.

قبل الحرب، عن الوجهات والأسطول

أسطول "مؤسسة الطيران العربية السورية"، وهو الاسم الذي اعتمدته الشركة منذ عام 1975، كان يضم 13 طائرة، ست منها تحمل علامة "إيرباص إيه 320"، ومثلها تنتمي إلى عائلة "إليوشن إي إل/ 76" بالإضافة إلى طايرتين جديدتين من طراز ATR 72-500.

كانت تقلع هذه الطائرات من مطارات دمشق وحلب واللاذقية صوب نحو 42 وجهةً في آسيا وإفريقيا وعمومِ أوروبا، حسب تقريرٍ بثته الفضائية السورية في نيسان 2015.

حينذاك، كانت المجالات الجوية كلها متاحةً، والهبوطُ الاضطراري لم يكن يحتاج إلى أكثر من إخطار للمطارِ المعني.

AFP - Details in Screenshot

الطيران المدني في زمن الحرب

فرض العام 2011 تغيرات كثيرة على سوريا، وعلى قطاعات مختلفة فيها. فسرعان ما تبدل حال الاحتجاجات الشعبية لتشتعل الحرب في البلاد.

عام 2012، بدأت الولايات المتحدة الأميركية، ومعها دول الاتحاد الأوروبي، بتطبيق جملةِ عقوباتٍ اقتصادية على دمشق، قالوا إنها تهدف لإضعاف النظام، لكنها في الحقيقة أدت إلى إضعاف الشعب، إذ فقدت الليرة تسعة أعشار قيمتها، ودفع ثمن ذلك الموظف والمواطن اللذان لم تزد الدولة مرتبهما أو مستحقاتهما بشكل يذكر. وأضافت وزارةُ الخزانة الأميركية، في أيار 2013، مؤسسة الطيران العربية السورية إلى قائمة الأشخاص والشركات الخاضعة للعقوبات.

سريعاً، حذفت شركة "سيتا"، الرائدة عالمياً في مجال الحجز وإصدار التذاكر الإلكترونية، المؤسسة السورية عن قائمة عملائها، وصار لزاماً على الراغبين بالسفر، عن طريق السورية للطيران، أن يتوجهوا بصورة شخصية إلى مكاتبها التي لا تزال تُمارس أشغالها في بلدان عدة.

علماً أن الاتحاد الأوروبي أغلق مطاراته في وجه الأسطول السوري الذي ضاقت مروحة وجهاته واقتصرت على 15 دولة تشمل، بالإضافة إلى مطارات العالم العربي، روسيا وإيران والصين.

في التداعيات أيضاً، لم يعد بإمكان المؤسسة السورية صيانة الطائرات وإعادة إعمار المُحركات الخارجة عن الخدمة، فالعقوبات حالت دون تعامل الحكومة السورية مع الشركات التي تمتلك الولايات المُتحدة ما يُساوي أو يزيد على نسبة 10% من أسهمها.

في المحصّلة، تراجع عدد الطائرات الصالحة للاستخدام حتّى وصل، في نيسان 2015، إلى سبع بدأت تخرج تباعاً عن سكّة التشغيل حتّى أعلنت صحيفة الحياة اللندنية أنّ قوام الأسطول اقتصر على طائرةٍ واحدة مهدّدة بالتّوقّف ما لم تتخذ الحكومة إجراءات إسعافية عاجلة لإنعاشِ المؤسّسة.

لم يكن العام 2012 قاسياً على الشركة بسبب العقوبات فقط، فالظرف الأمني الصعب انعكسَ على أداء المؤسسة ونتاجها، إذ كان الوصول إلى مطار دمشق الدولي أقربَ إلى مقامرة قد تُكلّف المُسافر حياته.

وفي يوليو 2012، اعترضت مجموعة مسلحة طريق نقيب عمال النقل الجوي في سورية، الكابتن فراس صافي علي وقتلته.

عن الطّيارين وهجرة الكفاءات

عام 2007، تعرض مِفصلٌ حساس في إحدى الطائرات لخللٍ ميكانيكي، واضطر الطيار السوري لتنفيذ هبوط اضطراري، دون عجلات، في مطارِ الكويت. كانت المهمة في منتهى الخطورة، فالفشل كان سيودي بحياة الركاب جميعهم. نجح الطيّار، وأنقذ المُسافرين.

أقوال جاهزة

شارك غردحين أعلن تأسيس الشركة السورية للطيران، عام 1946، كانت بعض دول العالم الثالث تبحث في سبل توصيل الكهرباء إلى المنازل

شارك غردالمدهش أن السورية للطيران كانت مؤسسة خاسرة قبل الحرب، لكنها تحولت في 2012 إلى مؤسسة ترفد خزينة الدولة بعائد ربحي جيد

كفاءة الطيارين السوريين لم تحسن فرصهم في تأمين شرط عملٍ أفضل، إذ يتقاضى الطيار السوري راتباً شهرياً يصلُ، بعد إضافة التعويضات كاملةً، إلى عتبة 300 ألف ليرة سورية (ما يعادل 600$) وهو رقمٌ بخسٌ جداً، ويُشكل واحداً من أهم أسباب نزيفِ هذه الكفاءات الّتي تُفضل أن تضع نفسها في خدمة شركاتٍ خارجية تقُدّم عروضَ عملٍ تصلُ قيمةُ بعضها، أحياناً، إلى 14 ألف دولار شهرياً.

في الماديّات أيضاً، يشتكي طيّارو المؤسسة من عدم حصولهم على تعويضِ نهاية خدمةٍ لائق، كما أنهم يتقاضون مرتبهم التقاعدي استناداً إلى ما يُسمى "أساس الراتب" الذي لا تزيد قيمته على 40 ألف ليرةٍ سورية (أقل من 100$).

عن المنافسة مع القطاع الخاص

في شباط 2016، خرجت الطائرة الوحيدة، التابعة للسورية للطيران، عن الخدمة بعد أن هبطت في مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة. حينذاك، صارت الأصوات الّتي نادت، مراراً، بضرورة التدخل الحكومي لإنقاذ المؤسسة، صارت أكثر شراسة.

مصدرٌ من داخل أروقة السورية للطيران، فضّل عدم الكشف عن اسمه، عزا تقاعسَ الدولة في تقديم المال اللازم لإنعاش المؤسسة الحكومية إلى أمرين. الأوّل، يتعلّق بسياسة ضبط نفقاتٍ عامة تحكم مؤسسات البلد كلها. والثّاني، هو حاصلُ فسادٍ اشتغل، ولا يزال يشتغل، على تعويم شركة "أجنحة الشّام" الخاصّة بغرضِ تحويلها، تدريجياً، إلى ناقلٍ وطنيّ أوحد يسدّ عجزَ الدولة عن القيام بما يلزم لتخديم قطّاع النقل الجويّ. لكن فجأة، عادت السورية لتسير الآن رحلة يومية إلى الامارات، ما بين دبي وأبو ظبي والشارقة، كما رحلة اسبوعية الى الجزائر كما اعلنت الشركة عن بدء رحلات مباشرة من اللاذقية إلى الامارات والقاهرة.

أجنحة الشام للطيران، هي أول شركة للنقل الجوي تعود ملكيتها للقطاع الخاص في سوريا، أُنشئت عام 2007، وانطلقت رحلتها الأولى من دمشق إلى شرم الشّيخ في كانون الثاني من العام نفسه. عام 2012، أوقفت الشركة نشاطها بسبب ظروفِ الحرب، قبل أن تستأنف رحلاتها عام 2014، معتمدةً على أسطولٍ مكوّنٍ من ثلاث طائرات.

وعلى الرغم من كونِ أجنحة الشام مملوكةً لعائلة شمّوط، التي تستثمر في أكثر من قطاع اقتصادي، كاستيراد السيارات وسحب الأسلاك المعدنية وأنشطة صناعية وتجارية عدة، ممثّلةً برئيس مجلس الإدارة، عصام شموط، فإن همساً كثيراً يُشير إلى علاقةٍ نفعية واسعةٍ بين شمّوط وواحدٍ من رجال الأعمال النافذين في سورية، إذ أشارت صحيفة الحياة إلى أن الشخص، الآنف الذكر، ضغط، طويلاً، على دوائر اتخاذ القرار بصورةٍ أدّت إلى تأخير إجراءات التدخل الحكومي، ما دفع المواطنين للتعامل مع مُخدّمٍ بديل، والحديث هنا عن أجنحة الشام.

لكن واقع المؤسسة بدأ بالتحسن تدريجياً. فمع وصول عماد خميس إلى رئاسة مجلس الوزراء، في آب 2016، أقلعت الطائرة Airbus A320، من مطار دمشق الدولي إلى مطار دبي، ومع انتهاءِ المُهندسين والفنيين السوريين من إعادة تأهيل الطائرة بلغ قوام الأسطول المدني الحكومي، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، ثلاثَ طائرات.

في حسابات الربح والخسارة

بعد كل ما سبق ذكره، فإن المدهش أن السورية للطيران، قبل الحرب، كانت مؤسسة خدمية خاسرة في ميزانِ الجدوى، لكنها تحولت، منذ عام 2012، إلى مؤسسة ترفد خزينة الدولة بعائدٍ ربحي جيد. تفكيك هذا اللغز يتطلب شرحاً مطولاً، لكنه يتلخص بفكرتين، الأولى تتعلّق بكثافة الطلب ومحدودية العرض، والثانية تتعلّق بتقلّص عدد وجهات المؤسسة واعتمادِها خطوط الرحلات المُجدية مادياً.

ضمن هذا السياق، نستطيع أن نغمزَ إلى أن السورية للطيران تُشكّل استثناءً كبيراً في منظومة المؤسسات الحكومية التي تلعب، اقتصادياً، ومن الناحية النظرية، دور المُخدّم الذي يهدف إلى توظيف المواطنين والتخفيف من وطأة كلفة المعيشة عليهم، وتأمين خدماتٍ تُغطي اليوميات كلها. وفي المحصلة، نحنُ نتحدث عن مؤسسات تحصل على مُخصص سنوي من خزينة الدولة لتنفقه خدمياً، وهي خاسرة كلها.

يبدو أنّ الحرب السورية مدهشةٌ في كل شيء. في أشكالِ الموت، ومفاجآت الميدان، وحتى في قوانين الربح والخسارة التي أرستها اقتصادات الحروب سابقاً.

كلمات مفتاحية
الطيران سوريا

التعليقات

المقال التالي