لماذا لا ترتدي الأرملة قميص النوم؟

لماذا لا ترتدي الأرملة قميص النوم؟

تقف أمام واجهة محل ملابس النوم تتأمل قميص نوم، عندما تمر بها إحدى الصديقات وتستنكر ما تفعله قائلة: لمن سترتدينه؟! تلفظها بكل سخرية دون أن تدرك وقع كلماتها على صديقتها الشابة. هكذا هن الأرامل في مجتمعنا، معاناة بعد أخرى وغالباً موت الزوج ليس الأسوأ.

في كثير من بلادنا، يفرض على المرأة التي تفقد زوجها بعض القيود والعادات القاسية. نعرض لكم هنا أغرب تلك الأعراف الاجتماعية قديماً وحديثاً.

حفارة القبور بالمغرب

في المغرب، في المناطق القروية، تنتشر أسطورة "بغلة الروضة" أو بغلة المقابر، وهي امرأة قبيحة المنظر أو عجوز شمطاء، لديها حوافر كالماعز أو البغال، وتسير ليلاً في المناطق النائية، وتغري أي رجل تقابله بصورة امرأة حسناء فيتبعها لتضاجعه ثم تلتهمه. يقول أحد تفاسير هذه الأسطورة أن تلك البغلة أو الجنية عبارة عن أرملة لم تلتزم بالعرف من حيث ارتداء الملابس البيضاء طيلة العدة وعدم الخروج من منزلها أو معاشرة رجل آخر.

غولة سيوة

وتقترب الأسطورة المغربية من قصة "الغولة" وهو الاسم الذي لا يزال يطلق على الأرملة في واحة سيوة بمصر، إذ إن المرأة بعد وفاة زوجها تحبس داخل قبو مظلم وتمنع من الاغتسال أو الاستحمام أو تهذيب شعرها أو أظافرها طوال مدة العدة، ولا يدخل عليها سوى الطعام والشراب، ويعتقد أن روحاً شريرة تسكنها خلال هذه المدة، لذا عند خروجها ينادى في الناس للاختباء حتى تهذب نفسها اعتقاداً بأن أول شخص تراه سيموت حتماً، وهذا ما أكده الباحث بالتراث البدوي حمد شعيب لرصيف22.

إرث لشقيق الزوج

أما أحمد أبو خنيجر، المتخصص بالأدب الشعبي، فقال لرصيف22 أن الأرملة في صعيد مصر تتزوج شقيق الزوج في حال وجود أبناء لها أو إذا كانت الأسرة غنية خوفاً على التركة وخاصة الأرض، وتمنع من الذهاب للأسواق مدة عام كامل، وكذلك من حضور المناسبات الاجتماعية السعيدة والحزينة.

لا "محاشي" ولا مكياج

في المقابل، أوضح الباحث الانثروبولوجي حامد أنور لرصيف22 أن الأرملة الريفية ليست أحسن حظاً. فهي ممنوعة من كل مظاهر الفرح طيلة العام وربما حتى تتزوج ثانية أو تموت في بعض العائلات الشديدة المحافظة على التراث، ويؤكد أنها - أي الأرملة - تمنع من تنظيف أو كنس المنزل حتى الأربعين، وإلا اعتبر ذلك احتفالاً بخروج المتوفى من المنزل.

ويتاع أنور: الأرملة ممنوعة من طهو أطعمة لها رائحة زكية قد يشمها الجيران وخاصة الحلوى والمخبوزات والمحاشي والملوخية، وهي غالباً الأكلات التي ترتبط بالأفراح والمناسبات السعيدة وكذلك تمنع من مشاهدة التلفاز أو الاكتحال أو وضع مستحضرات التجميل بأنواعها.

ممنوعة من رؤية الرجال ونفسها في المرآة

أما في السعودية، فتتعدد الممنوعات خلال فترة العدة. فالمرأة ممنوعة من مشاهدة الرجال أو حتى نفسها بالمرآة، كما تمنع من التحدث بالهاتف في بعض المناطق وتلتزم بارتداء الملابس البيضاء. ويعتقد البعض بأنها يجب أن لا ترى مولوداً حتى لا تفقد والدته القدرة على الإنجاب ثانية، ويحظر عليها رؤية القمر، وتمنع من حضور الاحتفالات لأكثر من عام.

أقوال جاهزة

شارك غردبين من يسميها "الغولة" وبين من يمنعها من النظر إلى الرجال… جولة على التقاليد المهينة التي تواجه الأرامل في عالمنا

وعقب انتهاء العدة، تتعدد الطقوس ما بين وجوب الدخول من باب والخروج من آخر ليذهب عنها الفأل السيئ، وما بين التزين بالحناء في انتظار الخطاب، وغالباً لا تتزوج الأرملة وتعكف على تربية الأبناء أو تتزوج من شقيق الزوج، بحسب عدد من النساء السعوديات في تحقيق منشور.

معتقل الوفاء التراثي

وربما هذا ما دفع الكاتبة السعودية حصة آل الشيخ لكتابة مقال بعنوان "معتقل الوفاء التراثي النسوي" نشرته بجريدة الرياض وسرعان ما حذف بسبب ثورة السعوديين ضده ومطالبتهم بجلد الكاتبة ورئيس التحرير. وقد وصفت الكاتبة عدة الأرملة بالعادة الاستعبادية التي تسجن المرأة ذاتها من خلالها طواعية تعبداً لله في صورة تعبد للزوج، موضحة أن العدة التي فرضها الشرع فهمت خطأ وطبقت بشكل غير منطقي.

وتمادت آل الشيخ في وصف العدة بالتشريع الذكوري الذي طوق وما زال أعناق النساء، وأن الهدف منه التأكد من خلو الرحم وليس المنع من ممارسة الحياة الطبيعية.

لا ميراث للأمازيغية

أما في الجزائر، وبحسب فيروز بن رمضان أستاذة الأدب الشعبي بجامعة الجزائر، فتختلف العادات المفروضة على الأرملة باختلاف المناطق ونجدها بشكل عام تلزم بيت عائلة زوجها في فترة العدة ويسمح لها بالخروج على أن ترجع قبل المغرب، ولا تحضر الاحتفالات السعيدة لمدة عام حتى إذا كانت تخص إخوتها، ويحرم عليها الزينة، وتزيد الأرملة في المجتمع الأمازيغي عن ذلك بالمنع من الميراث.

وفي مدينة عنابة الجزائرية، تعتبر الأرملة فأل شر، وقديماً كانت لا تبيت في أي بيت مدة عدتها اعتقاداً أنها ستأخذ روح أحد أفراد المنزل إذا فعلت، أماً حالياً فتحسن الأمر قليلاً وأصبحت فألاً سيئاً فقط، لذا لا تبيت خارج منزلها، كما يحظر عليها قص شعرها أو التزين بالحناء، كما أشارت بن رمضان لرصيف22.

هجالة أم عيشة رجل؟

وفي تونس يطلق على الأرملة "الهجالة" وينظر لها نظرة دونية أيضاً، فيقول المثل التونسي "شرط العازب على الهجالة: لوكان ترجع صبية نتزوجك" وهو تعبير عن الاستحالة، ويعني “إذا عادت الأرملة عذراء لأمكن أن يتزوجها عازب”، ويقول مثل آخر "لا تاخد الهجالة ولو يكون خدها مشموم. إنت تخدم خدمة الرجالة وهي تقول الله يرحم المرحوم" ويقصد به أن الزواج من الأرملة خطر مهما كانت جميلة لأنها تبقى تتذكر زوجها السابق مهما أحسنت إليها. هكذا أوضح لرصيف22 الناصر بنعون، الشاعر الشعبي الذي سبق أن لخص أوضاع الأرملة من وحدة ومعاناة في إحدى قصائده.

ويرى بنعون أن أغلب الأرامل يصبرن ويعكفن على تربية الأبناء، ويطلق عليهن "عيشة راجل" كناية عن تشبه الأرملة بالرجال أو اكتفائها عنه، ويخشاها الرجال إذ تدخل معترك الحياة بكل قوة.

إجراءات وقائية للأرملة؟

في المقابل، يرى سميح شعلان المتخصص بالتراث، أنه لا يوجد تراث معيب أو عرف جائر ويبرر ذلك قائلاً: "إذا اتفق الأفراد على تقليد أو عرف ما، فهذا يعني أنه يلائم حياتهم وييسرها عليهم" وتابع: “أرى هذه التقاليد المتبعة حول المرأة في حال وفاة زوجها منطقية ووجدانية وتعكس تيقظ المشاعر؛ فكيف لا تعبر عن حزنها لفقد السند والشريك، بل الأمر يتعداها لنجد الجيران والأهل أنفسهم يلزمون الحزن على الميت فلا يفتح الباب على مصراعيه ولا تدهن المنازل بطلاء جديد ولا تضاء المصابيح الخارجية أو تنبع منه أصوات طرب أو غناء”.

وأضاف شعلان لرصيف22: لمَ لا ننظر لهذه العادات على أنها حماية للأرملة من المتربصين بها بعد وفاة زوجها؟ ويضرب مثلاً من التراث على لسان الأرملة: “والندل شال راسه وقال كلامه ماحد قام حاشه، والندل مد إيديه ما حد رد عليه”، في تعبير عن تكالب الأنذال على الأرملة في غياب أي حماية من المحيطين.

في المقابل، أكدت آمنة نصير، أستاذة الفلسفة والعقيدة بجامعة الأزهر، لرصيف22 أن بعض هذه الموروثات المتعنتة من أصل الشرع إلا أنه شابها مغالاة في التطبيق وكثير من التحريف، فأصل العدة للأرملة 4 أشهر و10 أيام، أتمها البعض عاماً وتجاوزه آخرون، وكذا اشترط الشرع الخروج للضرورة فقط، فمنعها العرف ومتبعوه، أما عن الزينة ومقابلة الرجال فاعتبرهما الكثيرون حداً فاصلاً وبالغوا في التشدد بهما، والشرع بريء من كل هذا”.

موروثات عالمية جائرة

لم تكن الأرملة مستغلة ومهانة في العالم العربي فقط. فيقول مثل أفريقي: "سقطت الشجرة، والآن يبدأ التسلق عليها"، والمعنى واضح بضياع السند والتفاف الذئاب.

ويسخر المثل الإنجليزي منهن فيقول "البصل يجعل حتى الأرامل يبكين". وإذا أراد أميركي اتهام آخر بالتمثيل والادعاء يقول له "يبكي كأرملة". ويسيء المثل الأسباني لها بالقول "الأرملة إما أن تتزوج أو تدفن أو تذهب للدير ولا تترك فرساً بلا خيال". ويتمادى الفرنسيون بالقول: “الأرملة التي تتنهد ترغب بالزواج”. ووثقت الكاتبة الهولندية مينيكه شبر هذه الأمثال في مؤلفها "إياك والزواج من كبيرة القدمين" وترجمته هالة كمال ومنى إبراهيم.

سامية علام

محررة صحافية مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي