عفواً الإسلاموفوبيا ليست مبرراً للإرهاب

عفواً الإسلاموفوبيا ليست مبرراً للإرهاب

عبد الرزّاق علي أرتان، 18 عاماً، لاجئ من أصل صومالي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو طالب في جامعة أوهايو الحكومية. يوم الأثنين 28 نوفمبر 2016 استيقظ من نومه وقاد سيارته قاصداً جامعته كالمعتاد. ولكنه في هذا اليوم لم يحمل كتب الجامعة بل سكيناً حاداً. وصل للجامعة وبدأ يدهس زملاءه بسيارته بشكل عشوائي. ولم يقف عند هذا الحد، بل بعد أن أصاب عدداً منهم خرج من سيارته وشهر السكين وطعن كل من طالته يداه. حضرت الشرطة مسرعة وأطلقت عليه الرصاص فأردته قتيلاً بعد أن أصاب أحد عشر بريئاً لا ذنب لهم سوى أن حظهم التعس قادهم أن يكونوا موجودين في هذه اللحظة التي قرر فيها هو الانتقام من "أعداء الإسلام" بحسب فكره.

بعد الحادثة بيومين ظهرت الدكتورة أنجي عبد القادر الأستاذة في جامعة جورج تاون على قناة فوكس نيوز الأمريكية لتعلق عما حدث. وقالت إنه ربما يكون قد طعنهم بسبب مشاعر عدم القبول له كمسلم في أمريكا. فقد قام عبد الرازق بحوار مع صحيفة الجامعة في أغسطس الماضي وقال فيه "كنت أخشى أن أصلي في الأماكن العامة في الجامعة، لأن الإعلام يصور المسلمين بصورة سلبية، ولا أعرف كيف سيفكر الناس فيّ عندما يرون مسلماً يصلي في العراء، ولكنني اعتمدت على الله وصليت". المدهش في قصة عبد الرزّاق أنه كان يشتكي من الصورة السلبية عن المسلمين، ثم قام بعمل إرهابي ليؤكد لمن يظن أن المسلمين إرهابيون أنه على حق.

ولم تبيّن التحقيقات حتى الآن أنه قد تعرض لأي شكل من أشكال التمييز أو الاضطهاد. ولكن الدكتورة إنجي أرادت أن تلقي باللوم على الأمريكيين الذين طعنهم عبد الرازق غدراً. فمن وجهة نظرها هو ضحية لعنصرية الأمريكيين. ويبدو أن تبرير الإرهاب أصبح موضة فكرية خصوصاً وسط بعض المنظمات الإسلامية في الغرب. فهم يظهرون بعد كل حادث إرهابي في الأعلام ليؤكدوا أن الإرهاب لا علاقة له من قريب أو بعيد بأي فكر ديني متشدد.

وبالطبع تجاهلت الدكتورة حقيقة أنه كتب على صفحته على فيسبوك بعض التعليقات التي تشير إلى رغبته في القيام بما فعله. فقد قال "لقد سئمت من أن أرى المسلمين يُقتلون ويُعذبون في كل مكان" وفي موضع آخر أشار إلى الاعتداءات التي تحدث ضد مسلمي بورما. ولكن ما مسؤولية زملائه في الجامعة عما يحدث لمسلمي بورما؟ أيضاً تجاهلت حقيقة أن هذا الحمل الوديع وصف الإرهابي أنور العولقي القيادي السابق في تنظيم القيادة بأنه "بطل" على صفحته على فيسبوك.

كما تجاهلت دعوات داعش على الإنترنت للشباب المسلم في الغرب لتنفيذ عمليات مثل هذه، وتحديداً استخدام السيارات والسكاكين، وهو ما قام به بالضبط. وبالطبع لم تتحدث الدكتورة عن أن داعش أصدرت بياناً تصف عبد الرزاق بأنه أحد جنودها. ويسمى ما فعله عبد الرزاق بظاهرة "الذئاب المنفردة"، وهي أن شخصاً ما لا يمتلك أي صلات فعلية بالجماعة الإرهابية، يتأثر بفكرها عبر الإنترنت ثم يقوم بتنفيذ هجمة منفردة دون التنسيق مع أي شخص في الجماعة. وهذه ظاهرة تكررت في الغرب كثيراً في الفترة الماضية. تجاهلت الدكتورة عن عمد كل هذه المؤشرات، وهدفها واضح، وهو أن يتم تصوير عبد الرزاق ضحية وليس جانياً!

دعونا نفترض للحظة أن نظرية الدكتورة سليمة. التمييز الذي تعرض له (فرضياً وليس فعلياً) عبد الرزّاق يبرر جريمته أو على أقل تقدير ساهم في تحوله لإرهابي، على حد تعبيرها. فهل يصح هذا المنطق؟ دعونا نمتحن هذا المنطق معاً بقياسه بحالات أخرى.

أقوال جاهزة

شارك غرديبرر البعض الجريمة التي نفذها شاب صومالي في جامعة أوهايو بحجة الإسلاموفوبيا.. ما رأيكم؟

شارك غردتبرير الإرهاب أصبح موضة فكرية خصوصاً وسط بعض المنظمات الإسلامية في الغرب!

لو جلسنا في جلسات المسيحيين لعلمنا أن معظم مسيحيي مصر سمعوا جملاً في طفولتهم مثل "يا عضمة زرقا، يا 3 ريشة، يا نصراني يا كافر، جهنم و بئس المصير يا أبن **** و****". وقد رصد المخرج الرائع عمرو سلامة هذه الظاهرة في فيلمه "لا مؤاخذة".  ويا ليت معاناة المسيحيين تتوقف عند هذا الحد، فالتمييز ضدهم له صور عديدة. فمثلاً لا يمر عام واحد في مصر دون حرق أو هدم بعض الكنائس. ففي عام 2013 وحده تم الاعتداء على عشرات الكنائس بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة. والسؤال هنا: متى آخر مرة قرأنا في الصحف عن إرهاب جماعة جنود يسوع؟ بالطبع لم نقرأ لأنه لا توجد جماعة بهذا الاسم من الأساس.

ورغم كل ما يعانيه المسيحيون فهم مميزون لو قارنّاهم بالبهائيين مثلاً. هل تذكرون ما حدث للبهائيين في عام 2009، عندما ظهر الصحفي جمال عبد الرحيم على قناة دريم مع الإعلامي وائل الإبراشي في برنامج الحقيقة وقال إن البهائيين كفرة ومرتدون ويجب قتلهم في وجود ضيف بهائي من قرية الشورانية بسوهاج. بعد إذاعة الحلقة بساعتين، هجمت الأهالي على بيته وكل بيوت البهائيين الموجودة بهذه القرية وتكررت الاعتداءات في الأيام التالية حتى أحرقوا بيوتهم في محاولة لحرقهم أحياء وهم بداخلها ولكنهم هربوا، بينما وقفت الشرطة تشاهد المشهد. ومنذ ذلك الحين، لم يرجع البهائيون لقريتهم وخسروا بيوتهم وكل ممتلكاتهم. وإلى يومنا هذا، لم يحاسب أحد المحرّض علي العنف، الطائفي بامتياز المدعو جمال عبد الرحيم بل بالعكس تمت ترقيته. ولم يستنكر حزب سياسي واحد ما حدث للبهائيين بل أدار الجميع ظهورهم، وكأن البهائيين ليسوا بشراً. متى سمعتم عن آخر تفجير لانتحاري بهائي؟ أكيد لم تسمعوا، لأن ذلك لم يحدث.

لماذا لم يتحول البهائيون والمسيحيون الذين يعيشون في دول ذات أغلبيات مسلمة إلى إرهابيين، وهم الذين يتعرضون لأضعاف أضعاف القهر؟

هذا بالنسبة لمن يؤمنون بالأديان الإبراهيمية، أما عن أوضاع اللادينيين والملحدين الذين يعيشون في دول ذات أغلبيات مسلمة، مثل مصر أو السعودية أو باكستان، فحدث ولا حرج. فالواقع أنهم يتعرضون لأضعاف أضعاف التمييز الذي من الممكن أن يتعرض له المسلم في الغرب. ببساطة لأن المسلم في الغرب محمي بقوانين العلمانية التي تعطيه الحق في ممارسة دينه بل ومحاكمة من يمارس التمييز ضده أيضاً. أما في بلادنا، فيكفي فقط اتهامك بالإلحاد لتصير حياتك في خطر شديد. فالاتهام بالإلحاد كان السبب في قتل المدون عمرو باطويل في اليمن والتهجم على إلبير صابر وضربه ومحاولة قتله في مصر، وسجن وتعذيب المدون والكاتب وليد الحسيني في الضفة الغربية، والأمثلة عديدة لا تنتهي. وهنا نذكر عندما تهجم بعض الغيورين على الإسلام على مصري ملحد يدعى أحمد حرقان هو وزوجته. هرب أحمد وزوجته إلى أقرب قسم شرطة ظانين أن الشرطة ستحميهما ولكن بدلاً من حمايتهما تم ضربهما وإهانتهما بعنف شديد والتحرش بزوجته أمام عينيه لإذلاله. فهل صار أحمد إرهابياً؟ هل فجر نفسه في قسم شرطة لينتقم من أعداء الإلحاد؟ بالطبع لا!

كل هؤلاء غير مسلمين، فماذا عن المسلمين؟ فلنتحدث قليلاً عن القرآنيين وهم المسلمون الذين يؤمنون بالقرآن فقط وليس السنة. هل سمعتم عنهم من قبل؟ بعضهم تم القبض عليه والتحقيق معه في أمن الدولة وبعضهم سُجن وبعضهم تعرض للتعذيب وبعضهم هرب إلى خارج مصر مثل الدكتور أحمد صبحي منصور المفكر الإسلامي المعروف. كل ذلك حدث فقط لأنهم قرآنيون دون أي سبب آخر.

ماذا مثلاً عن الشيعة في بلد سني مثل مصر.  الشيخ حسن شحاته هو أبلغ رد على كيف نعامل الشيعة في بلادنا. فالرجل تم سحله هو وثلاثة من رفاقه وضُربوا بالعصي الحديدية والخشب حتى قتلوهم جميعاً وهم يهتفون "الله أكبر" و"بالروح بالدم نفديك يا إسلام".

ولولا ضيق مساحة المقال لتحدثنا أيضاً عن كيف نعامل المسلمين السنة الذين يغردون خارج السرب، يكفي فقط أن نذكر أن باحثاً مثل إسلام البحيري قضى عاماً في السجن لأنه فسر الإسلام بطريقة تخالف الأزهريين، وأن الشيخ علي عبد الرازق أُقيل من منصبه في الأزهر لأنه كتب كتاب "الأسلام وأصول الحكم" الذي قدم فيه طرحاً مخالفاً لفكرة أختلاط الدين بالسياسة.

والسؤال هنا للدكتورة الخبيرة في شؤون الأرهاب هو لماذا أقدم عبد الرزّاق الذي قدمت له أمريكا الحماية والأمان والتعليم المدعوم وفتحت أبوابها له على هذا الفعل؟ لماذا يعتبر جرح مشاعره "الافتراضي" مبرراً في نظرك لأن يتحول لإرهابي؟ ولماذا الإصرار على تجاهل كل المؤشرات التي تشير إلى تبنيه فكر داعش المتطرف؟

أما السؤال الأهم الذي لن تجيب عنه الدكتورة أبداً، فهو لماذا لم يتحول الملحدون والبهائيون والمسيحيون والقرآنيون الذين يعيشون في دول ذات أغلبيات مسلمة إلى إرهابيين، أسوة بعبد الرزاق، وهم الذين يتعرضون في هذه الدول لأضعاف أضعاف القهر والتمييز والقمع الذي يتعرض له المسلم في الغرب؟

ماهر جبره

كاتب ومتكلم حر، متخصص في الشئون العربية. له مقالات في العديد من المواقع العربية والأمريكية. حاصل علي ماجستير علم النفس المجتمعي من جامعة "بوسطن كوليدج" بالولايات المتحدة. زميل الفولبرايت وزميل برنامج الديموقراطية لمعهد شئون العالم بالعاصمة الأمريكية واشنطن.

كلمات مفتاحية
الإرهاب

التعليقات

المقال التالي