ميشال ألفتريادس: "الإمبراطور" اللبناني صاحب الكارات المتعددة

ميشال ألفتريادس: "الإمبراطور" اللبناني صاحب الكارات المتعددة

يصعب التعريف بميشال ألفتريادس. فهو موسيقي رائدٌ في دمج الألوان الموسيقية، ورجل أعمال أسس مسرح الـ"ميوزيك هول" Music Hall، وشخصية مثيرة للجدل لا تعير العادات الاجتماعية أهمية، أطلق إمبراطورية افتراضية هي نوويرستان Nowheristan للتعبير عن معتقداته.

Official_Portrait_Michel_I

تدخل مكاتب ألفتريادس في بيروت، فتذهل بديكور فريد من نوعه. هنا شمعدانٌ مميّزٌ أقرب إلى بركان غطّته حممٌ من الشمع الأحمر الذائب. وهناك بيانو قديم حضوره طاغ. تقرأ عبارات فلسفيّة على الحيطان؛ ثم تتساءل هل كان تشي غيفارا قادراً على رؤيتك من قعر الغرفة، حيث عُلّقت صورته. يطغى لون أحمر ملوكي على المكان، ليؤكد لك وجودك في الإمبراطورية الألفتريادسية.

"أنا من هدم السقف ومدّ الأنابيب"، يخبر ألفتريادس في بدء حديثه. عاد لتوّه من ورشةٍ قريبةٍ لمكاتب جديدة، يشرف عليها بنفسه. "أضطر إلى أن أعتني بكلّ الأمور - من ديكور البيت والسيارة إلى اللوحات والإضاءة - لأنني أحب أن تشبهني". من غير المفاجئ أن يهتم ألفتريادس بشتى تفاصيل الديكور، فهو كما يصف نفسه "متعدد الكارات". باعتقاده كان سيمل لو التزم بعملٍ واحدٍ، أو وُضع في خانةٍ واحدةٍ.

'فيوجن' موسيقي يخلط أصوات ونغمات شرقية وغربية

لطالما أحب ألفتريادس الموسيقى. خصوصاً أنه نشأ في كنف عائلة موسيقية. "درست والدتي العزف على آلة البيانو الكلاسيكي. أما والدي، فيعزف على الكثير من الآلات الموسيقية ويغنّي كذلك"، يوضح. ورغم إبداعه الموسيقي اليوم، أُجبر على تعلم العزف على آلة البيانو أثناء طفولته. "كان يضيق خلقي!" يقول. يعتبر الموسيقى وسيلة سفرٍ، خيالية السرعة وعملية الاستخدام. فـ"إذا استمعت إلى أغنيةٍ كوبية مثلاً، وكان عندك مخيلة واسعة، تنتقل إلى كوبا في عشر ثوانٍ".

full-(1)

درس ألفتريادس الفنون الجميلة، واختار أن يمتهن الموسيقى. يوضح قراره هذا بشفافية، مشيراً إلى أنه إذا أراد الشخص أن يكون نحاتاً أو رساماً وأن يجني الأموال من ذلك، يتطلب الأمر عقوداً من الزمن. أما من يعمل في مجال الموسيقى، فيكون ذلك أسهل وأسرع له! يشبّه ألفتريادس ما يقوم به من دمجٍ لأنواع الموسيقى بما يقوم به الطاهي من خلطٍ لمكونات الطعام. وقد شملت أعماله فنّانين أوروبيين وعرباً أبرزهم طوني حنا، وديع الصافي، حنين والفرقة الكوبية، دميس روسوس، غالفيز وخوسيه فيرنانديز.

وعندما يأخذنا الحديث عن أغانيه، يتذكر أنه نقل بعضاً من فلسفته في أغنية يحبها جداً، كتبها ولحنها لحنين والفرقة الكوبية، اسمها بيروت - هافانا.

في السياسة والدين والوطن

يلفت ألفتريادس إلى أن "كل أعمالنا ذات طابع سياسي". يأتي على ذكر بيان الحزب الشيوعي لكارل ماركس وفريدرخ انغلز، عندما تطلب منه أن يخبرك عن كتاب أثر فيه. ويستحضر إنجازات تنظيم "الحركات الموحدة للمقاومة"، الذي أسسه خلال الحرب الأهلية اللبنانية، عندما تسأله عن أكثر ما هو فخور به في عمله السياسي. وهو تنظيم سري مسلح كان يهدف لمقاومة الجيوش الأجنبية المنتشرة على الأراضي اللبنانية. ثم يستطرد قائلاً: "أستطيع أن أقوم بالعديد من المهمات معاً، إذ يمكنني أن أشاركك الحديث وأستمع إلى حديث آخر في الوقت عينه". ليعود ويربط ذلك بإحدى تجاربه السياسية: "تمرنت على ذلك مع الكوبيين أثناء لجوئي السياسي".

Michel_Elefteriades_with_the_commanders_of_battalions_and_regiments_of_the_Lebanese_army

يفضل ألفتريادس عدم التوسع في الحديث عن مواقفه السياسية اليوم، ولكنه يقول في الوقت نفسه إن "الإنسان يستطيع أن يحاول الابتعاد عن السياسة، لكن السياسة لا تبتعد عنه". لم يحاول أن يهرب من السياسة، لأنه يرى أن لا حق له بذلك، يقول: "أكون بذلك قد خنت الذين ماتوا ضمن تنظيم الحركات الموحدة للمقاومة". ويضيف: "ما زلت أؤمن بالأفكار نفسها. وقيَمي أكبر من تلك الضيقة المتعلقة بالوطن والمنطقة والطائفة. أنا ضد استغلال الإنسان للإنسان، ومع أن يتحرر العالم من التقاليد السخيفة، وأن يعيش الإنسان كما يحلو له ما دام لا يعتدي على الآخر"، مشيراً إلى أنه خلق إمبراطورية نوويرستان (أمة اللامكان)، ليعبر عن هذه القناعات. يؤمن المنتسبون إلى هذه الإمبراطورية الافتراضية بضرورة تخطّي الحدود الجغرافيّة والانقسامات الاقتصاديّة، حتى نصبح شعباً واحداً ذا حضارة عالمية شاملة. فإذا اعتبرنا أننا ننتمي كلنا إلى عالم واحد، فبإمكان المصريين - على سبيل المثال - أن يشعروا بالفخر لأن أجدادهم بنوا سور الصين العظيم.

لا يخفي ألفتريادس أن المنتسبين إلى نوويرستان (Nowheristan) ليسوا بالملايين، وأنهم لم يقوموا بأي ثورة، لكنه يؤمن أنّه يستطيع تحقيق شيء مغاير، فـ"العديد من الديانات والتيّارات ابتدأت بعدد قليل من الأشخاص".

يركز ألفتريادس كثيراً في حديثه على موضوع الأمل، فهو يعتبر أن "الإنسان يستطيع أن يتفوق على كل الصعوبات. أما من فقد الأمل، فيُعتبر في عداد الموتى". ويربط ألفتريادس قناعته هذه بفلسفة الكاتب الفرنسي أندريه مالرو إذ يؤكد: "قرأت العديد من كتبه التي تطرقت كثيراً إلى موضوع الأمل".

ويرى أن تميزه عن السائد أدى إلى نجاحه اليوم، الأمر الذي كان يشكل عائقاً له أثناء طفولته. يضيف: "عندما كنت في المدرسة مثلاً، كان التلاميذ والأساتذة يكرهونني" إذ لم يكن يعكس الصورة النمطية لأبناء عمره. يقول: "كنت أحب جداً أن أقرأ، فأنهي نحو 5 كتب في أسبوع واحد. كما كنت أحب أن أبقى وحيداً، أن أختفي من دون أن يعرف أحد مكاني. لذلك كنت أقصد وادياً تحت بيتنا، أجلس على صخرةٍ ثلات أو أربع ساعات، أقرأ وأفكر. ثم صرت أحب المقابر والمدافن القديمة المتروكة، فأقصد تلك المنتشرة في الوادي".

تتوقع بعد حديثه هذا أنه لا يملك وقت فراغ، لكثرة أعماله، ليقول لك: "الوقت كله وقت فراغ، وأملأه بالسياسة والفن وإدارة الأعمال". كما تتوقع أن يخبرك بشغفٍ عن ثقافة الغجر التي طالما عبر عن تقديره لها، لكنه يفاجئك أنه لم يعد يحب تلك الثقافة كثيراً، ويقول: "ما كنت قد ظننت أنه كسر لتقاليد المدنية وجدت أنه احترام لتقاليد ورثوها عن أهلهم". ألفتريادس في تغير وتطورٍ مستمرين، بل في تجدد يحمل شيئاً من الصخب وبعض العبثية والكثير من الأنا. اليوم، أصبحت فلسفته أقرب إلى ما بعد الحداثة، فيختفي الشر والخير المطلقان، ويُستبدلان بآراء نسبية تختلف بحسب مواقفه الشخصية.

رنا بو سعدى

صحافيّةٌ لبنانيّةٌ، شغوفةٌ بالصحافة المكتوبة وبالإعلام المرئيّ والمسموع. تخرّجت بتفوّقٍ من الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة وحائزة على شهادتي صحافة وإقتصاد. تعمل حاليًّا في موقع أراب آد.

التعليقات

المقال التالي