لماذا قرّر لبنان منح الأجانب إقامة دائمة مقابل تملّك شقة؟

لماذا قرّر لبنان منح الأجانب إقامة دائمة مقابل تملّك شقة؟

تملّك شقة واحصل على إقامة دائمة... صحيح أن هذه المعادلة مطبّقة في عدد كبير من الدول منها البرتغال واليونان وقبرص ومؤخراً الأردن، إلا أنها أثارت الكثير من التساؤلات في بلد مثل لبنان يستقبل أكثر من مليون لاجئ سوري مسجل، ويعاني من جمود في قطاع العقارات.

وأقرّ لبنان مؤخراً قانوناً يعطي الأجانب إقامة دائمة في لبنان في حال تملك شقة، وأثار هذا القانون الذي جاء في المادة 49 من موازنة 2018 ردود فعل متباينة، بين من اعتبره باباً يبرّر استقطاب المتمولين الأجانب وبين من رأى مدخلاً لإعطاء السوريين إقامة دائمة في لبنان في الوقت الذي يجب العمل على إعادتهم إلى بلدهم.

ونصّت المادة 49 من الموازنة على منح كل عربي أو أجنبي إقامة دائمة له ولزوجته ولأولاده القصّر في حال تملك وحدة سكنية يتجاوز سعرها 500 ألف دولار في بيروت و 330 ألف دولار خارجها.

فكرة جيّدة ولكنها غير واعدة

حدّد القانون سعر الشقة بوضوح، ولكن في الوقت الذي يبدو هذا السعر ليس بمتناول الطبقة المتوسطة في لبنان لا يوحي أيضاً أنه يستقطب المتمولين، لأن هذا السعر لا يعني شقة فخمة بل شقة عادية، فما الهدف من هذه المادة؟

يرى الاقتصادي غازي وزني أن إعطاء إقامة دائمة للأجنبي مقابل تملّك شقة فكرة إيجابية وجيدّة، مضيفاً لبنان ليس أول من فتح هذا الباب، فقد سبقته دول أخرى منذ سنوات مثل إسبانيا وقبرص وبعض هذه الدول يعطي إقامة دائمة مقابل تملك شقق سعرها أقل من ذلك الذي حدّده لبنان.

وقال وزني في حديث لرصيف22 إنّ هذه الخطوة، في المقابل، وعلى الرغم من إيجابياتها لا تعد بالكثير اقتصادياً لأنّ جذب الأجانب لشراء الشقق في لبنان والاستثمار فيه لا يكون عن طريق منح الإقامة الدائمة فقط، فالأهم هو الإستقرار السياسي والأمني الغائب عن لبنان، مضيفاً: "لو كان الاستقرار موجوداً لن نكون بحاجة إلى مثل هذا القانون".

وأوضح وزني أن غياب الأمن والاستقرار عن لبنان وغياب رؤية مستقبلية واضحة أدّيا إلى جمود قطاع العقارات الذي شهد انخفاضا تراوح بين 20 إلى 25% خلال الفترة الممتدة من عام 2011 إلى عام 2017 على صعيد الشقق الفخمة، أما على صعيد الشقق المتوسطة فبلغ الإنخفاض 10%.

وفيما خص ما يُقال عن إمكانية تأثر اللبنانيين من الطبقة المتوسطة الراغبين في شراء شقة، قال وزني إن تحديد سعر الشقة التي سيمتلكها الأجنبي بـ 500 ألف دولار في بيروت على الأقل ينفي هذه الفرضية، فـ"الشاب المتوسط الدخل لن يبحث على شقة بهذا السعر، لا سيّما الفئة التي تأخذ قروض مدعومة"، على حدّ قوله.

وعما أُثير من مخاوف عن إمكانية تملّك السوريين، فقال وزني إن من يريد أن يتملّك من السوريين تملّك قبل هذا القانون، موضحاً أن السوريين تملكوا 1400 وحدة سكنيّة في السنوات الماضية، وأن هذا الأمر لا يؤثر على أسعار الشقق بسبب وجود فائض في العرض لا سيّما في نوعية معينة من العقارات، عكس الإيجار الذي ارتفع مع زيادة الطلب بعد لجوء السوريين إلى لبنان.

لا علاقة للمادة بتوطين السوريين

في الإطار نفسه، يرى النائب غازي يوسف، وهو من كتلة تيار المستقبل التي لم تعترض على المادة، أن الكثير من الدول تعطي إقامة دائمة للأجانب مقابل التملك وأن الحديث عن خصوصية في لبنان لجهة وجود اللاجئين السوريين والفلسطينيين غير صحيحة هنا بالتحديد.

وفسّر يوسف كلامه في حديثه لرصيف22 باعتبار "أن السوري المقيم في لبنان لا ينتظر هذا القرار ليتملك، فالقادر من السوريين والراغب في التملك تملك في السابق لأن القانون يعطيه هذا الحق وهو عندما يتملك شقة سيعيش في لبنان ويدفع ما عليه ويساهم في نمو الإقتصاد، وفيما خص الفلسطينيين فهم بطبيعة الحال لا يحق لهم التملك في لبنان".

أما لجهة الحديث عن أن هذه الخطوة تأتي في وجه الشباب اللبنانيين غير القادرين على شراء الشقق، أوضح يوسف أن الشقق التي تتحدث عنها المادة ليست الشقق التي يشتريها الشباب من متوسطي الدخل وأن هذا الموضوع لا علاقة له بوقف قروض الإسكان وما شابه، فـ"ما جرى كان خطوة تأمل منها الحكومة تحريك سوق العقارات واستقطاب المتمولين الأجانب ليس أكثر"، على حدّ تعبيره.

قانون تملّك الأجانب لم يحترم في السابق فكيف اليوم؟

كان "حزب الكتائب"، ممثلاً بالنائب سامي الجميل، من معارضي هذه المادة باعتبارها تخالف الدستور اللبناني وتتجاهل الحاجة إلى إقرار سياسة اقتصادية متكاملة تؤمن الاحتياجات الرئيسة للشباب اللبنانيين ومنها الشقق بأسعار مقبولة.

وفي هذا الإطار أوضحت المحامية لارا سعادة، مستشارة الجميل لشؤوون مجلس النواب، أن هذه المادة ضربت بعرض الحائط بالدستور اللبناني وتحديداً المادة "طاء" منه والتي تنص على أن أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين وتحظر التجزئة والتقسيم والتوطين.

وقالت سعادة في حديث لرصيف22 إن السماح للأجانب بالتملك يجب أن يكون مصحوباً بشروط مشدّدة ومحكمة حتى لا يمتلك الأجانب البلد، مضيفة أن قانون التملك في لبنان لم يحترم قبل هذه المادة فكيف بعدها؟".

وفسّرت سعادة أنه "في حين يحدد هذا القانون مجموع المساحة التي يمكن للأجانب تملكها بـ 10% داخل بيروت و 3% خارجها، إلا أن نسبة تملك الأجانب تجاوزت الـ22% في بيروت و 6% خارجها وبعد إقرار هذه المادة ستزيد هذه النسبة بطبيعة الحال".

أقوال جاهزة

شارك غردأثار القانون الجديد الجدل بين من اعتبره باباً إيجابياً لاستقطاب المتمولين الأجانب وبين من رأى فيه مدخلاً لإعطاء السوريين إقامة دائمة في لبنان في الوقت الذي يجب إعادتهم إلى بلدهم

شارك غردفي بلد يعيش 30% من سكانه تحت خط الفقر ولا يسمح الحد الأدنى للأجور باستئجار شقة في العاصمة... شباب لبنانيون وسوريون يهزأون من القرار الجديد لأسباب مختلفة

وتابعت سعادة أنّ حزب الكتائب يرفض الحجة المقدمة من الدولة والتي تقول إن الهدف من هذه المادة استقطاب المتمولين الأجانب، مضيفة أن الدولة تريد بيع الشقق التي كان من المفروض أن يشتريها اللبنانيون ولكنّ بعد توقف قروض مصرف الإسكان وزيادة الفوائد على قروض المصارف الخاصة وبالتالي زيادة الفوائد على اللبنانيين الذين يريدون شراء شقة، تجمّد سوق العقارات فما كان من الدولة إلا أن بحثت عن "تصريف" لهذه الشقق.

ورأت سعادة أنّ ما تفعله الدولة لا يصب إلا بخانة التهرّب من مسؤولياتها في إيجاد سياسة اقتصادية تجعل اللبنانيين قادرين على تأمين سكن لهم.

بالإضافة إلى ما تقدّم ترى سعادة أنّ هذه المادة تشجّع السوريين على البقاء في لبنان لأنّها تقدّم لهم الحلّ للمشكلة الأساسية التي يواجهونها للبقاء في لبنان وهي الإقامة، خاتمة حديثها قائلة:"صحيح أن هناك دولا تطبق هذا النظام ولكن للبنان خصوصيته وتحديدا في موضوع اللاجئين".

الشاب اللبناني غير قادر على شراء شقة

في بلد يعيش 30% من سكانه تحت خط الفقر ولا يسمح الحد الأدنى للأجور باستئجار شقة في العاصمة، كيف يستقبل الشباب قانون تملك الأجانب؟

ترى إيفا فرحات (24 عاماً) أن هذه الخطوة تأتي لتصريف الشقق التي لا يستطيع اللبنانيون شراءها بعدما تعمدت الحكومة ومن خلال سياساتها الاقتصادية تفقير الشعب، وهي الآن وبعدما أدّت سياساتها إلى ضرب القدرة الشرائية للبنانيين تفتح أسواقها للخارج لتصرف هذه الشقق.

ويبدو أنّ البنانيين يعتبرون أنّ هذا القرار جاء ليؤكد المؤكد بأن الشاب اللبناني لم يعد قادرا على شراء شقة.

"اللبنانيون ليسوا قادرين على التملّك في بيروت أو حتى خارجها، لا سيما الشقق التي يزيد سعرها عن 200 ألف دولار، ما دفع الدولة إلى اتخاذ هذه الخطوة لتشجيع بيع هذه الشقق للأجانب" هذا ما يقوله علي سعد  (26 عاماً) وهو أستاذ ثانوي.

ويضيف "هذا القرار ممكن أن يحرّك سوقاً معيناً من العقارات ليس سوق متوسطي الدخل في لبنان، فهو لا يعني الشقق التي لا تتجاوز مساحتها 120 متراً والتي بالكاد أنا كشاب لبناني استطيع تملكها"، مستدركاً "القرار لا يؤثر علي مباشرة ولكن يمكن أن تزيد الأسعار مع زيادة الطلب ولكن بنسبة قليلة".

لو معنا هذا المبلغ لما كنّا هنا

يضحك أحمد صباح (35 عاماً)، وهو شاب سوري يقيم ويعمل في لبنان، من فكرة ربط بقاء السوريين في لبنان بإقرار هذه المادة قائلاً:"لو كنت أملك هذا المبلغ لما كنت أقيم في لبنان، صحيح هناك سوريون متمولون ولكن من هم في لبنان اليوم من الفقراء، فلا تقلقوا لن نحصل على إقامة دائمة".

وكذلك يرى محمد غريب(50 عاماً)، وهو سوري يقيم في لبنان منذ 6 سنوات وهو نصف لبناني لجهة والدته، أن الجدل الحاصل مع هذه المادة لا يصب إلا في خانة المزايدات السياسية.

ويوضح "من يملك هذا المبلغ من السوريين سيذهب إلى إسبانيا أو قبرص كما فعل بعض أصدقائه"، قائلاً "ماذا أريد من لبنان؟ برأيي لن يؤثر هذا القرار على بقاء السوريين في لبنان، أنا أحب لبنان وأتمنى أن أعيش فيه كل حياتي، ولكن حبي للبنان هو من طرف واحد. للمعيشة في لبنان تأثيرات نفسية مرعبة تبدأ من الجيران وصولاً للزواج، وهذا الأمر يدفع أي مستثمر عربي إلى الهرب".

التعليقات

المقال التالي