خارطة البيروقراطية التي تفرضها الدول العربية على قطاع الأعمال

خارطة البيروقراطية التي تفرضها الدول العربية على قطاع الأعمال

لا يحتاج الأمر إلى أكثر من أسبوع كي تنطلقوا في ممارسة نشاطكم الاقتصادي في إحدى دول الاتحاد الأوروبي. في المقابل ستحتاجون إلى أكثر من ثلاثة أسابيع كي تطلقوا نفس النشاط في العالم العربي.

الأسابيع الثلاثة هي المتوسط العام، حيث يمكن أن تمتد الفترة إلى شهرين أو أكثر في بعض الدول، ويترافق ذلك مع ضرورة توفيركم لكمِِ هائل من الأوراق وكثير من التجول على مكاتب الموظفين في الدوائر الحكومية المختلفة.


وعلى الرغم من التطورات الكبيرة والجذرية التي شهدها النشاط الاقتصادي العالمي والطفرات التكنولوجية التي وسمت هذا التطور، فإن النظام الإداري البيروقراطي العربي مازال عاجزاً عن مواكبة هذا التطور والمساهمة فيه.

فعُسر الحصول على الخدمات والتسلسل الهرمي الإداري أصبح إحدى أهم العقبات أمام النمو الاقتصادي في أغلب الدول العربية، باستثناء دول قليلة تصنف عالمياً ضمن الأفضل في سهولة ممارسة أنشطة الأعمال.

أقوال جاهزة

شارك غردكم يوماً تحتاجون للحصول على الكهرباء في الدول العربية؟

شارك غردكم يوماً وإجراءً تحتاجون لبدء نشاطكم الاقتصادي في إحدى الدول العربية؟

ومن بين أكثر العوامل التي تساهم في تعثر نمو شركات القطاع الخاص في الدول العربية نجد ثلاثة منها تتعلق بالنظم الإدارية السائدة وهي: الرشوة والفساد، والحصول على الكهرباء، والحصول على التمويل، بحسب مسح أجراه البنك الدولي شمل 6000 شركة عربية في العام 2013.

ويشير تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2017، الذي أصدره البنك الدولي، إلى أن العوائق التي تقف في طريق تأسيس ونمو قطاع الأعمال في العالم العربي ما زالت كثيرة، منها ما يتعلق بالأوضاع السياسة والأمنية السائدة في المنطقة، ولكن أغلبها مرتبط بالسياسات العامة للحكومات في المجال الاقتصادي والحوكمة والإدارة.

الوقت والجهد

ستكون مغامرة غير معلومة العواقب عندما تقررون دخول قطاع الأعمال انطلاقاً من إحدى الدول العربية. ستواجهون كما ً كبيراً من الصعوبات، لكن الوضع ليس كارثياً كما تتصورون، باستثناء بعض المناطق التي تعيش وضعاً مأزوماً.

يسجل تقرير ممارسة أنشطة الأعمال، الذي ينشره سنوياً البنك الدولي لقياس الإصلاحات التي تجريها الدول في مجال تسهيل نشاط الأعمال، جميع الإجراءات المطلوبة رسمياً من رواد الأعمال أو المطبقة في الممارسة العملية لبدء نشاط صناعي أو تجاري وتشغيله، بالإضافة إلى الوقت والتكلفة اللازمين والحد الأدنى المدفوع من رأس المال.

وتتضمن هذه الإجراءات استخراج كافة التراخيص والتصاريح اللازمة، واستيفاء أي إشعارات أو إثباتات أو بيانات مطلوب تسجيلها لدى الأجهزة المختصة تتعلق بالشركة والموظفين. ومن خلالهما نستطيع التعرف على الوقت والجهد الذي تحتاجونهما لإطلاق مشروعكم التجاري.

INFOGRAPHIC_bureaucracy1

هاجس الكهرباء

الإقليم الأكثر ثراء بمصادر الطاقة في العالم يعاني أكثر من أي وقت مضى مشاكل كبيرة تتعلق بالحصول على الكهرباء للأفراد أو للمؤسسات، لا يتعلق أكثرها بمشاكل ندرة الطاقة ولكنها متعقلة أساساً بالسياسات العامة للحكومات وضعف الحوكمة وسوء التصرف.

وفقاً لأرقام البنك الدولي فإن أكثر من 39% من الشركات العربية تعتبر نقص الكهرباء وانقطاعات التيار المتكررة عائقاً أمام نشاطها ونموها، في منطقة تنتج 30% من النفط وتملك 41% من احتياطي الغاز في العالم.

كما تواجه الشركات الناشئة عوائق بيروقراطية في عملية الحصول على الكهرباء وربط مشاريعها ومكاتبها بالتيار الكهربائي، إذ يتجاوز معدل فترة الانتظار في العالم العربي الـ81 يوماً ويمكن أن يصل إلى 180 يوماً في الجزائر مثلاً.

فعدم موثوقية إمدادات الكهرباء ما زلت تشكل مشكلة كبيرة لدى الشركات في مصر، ولبنان، وتونس، وفلسطين، واليمن، وذلك بالرغم من الجهود التي تبذلها بعض الحكومات لمعالجة تلك المشكلة. وتتسبب إمدادات الكهرباء غير المنتظمة في خسارة كبيرة في المبيعات لدى العديد من الشركات، كما أنها ترتبط بتدني مستويات الإنتاجية، بحسب ما جاء في تقرير "ما الذي يعيق القطاع الخاص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟" الصادر عن البنك الدولي في 2016.

INFOGRAPHIC_bureaucracy2.1

البيروقراطية مدخلاً للفساد

إلى جانب أثارها الكارثية على النمو الاقتصادي في الدول العربية فإن الإجراءات الإدارية المعقدة وطول فترة الانتظار من أجل تحصيل الخدمات الأساسية لبدء أنشطة الأعمال تدفع العديد من رواد ورجال الأعمال إلى الالتفاف على هذه العراقيل من خلال دفع الرشوة للموظفين في الدوائر الحكومية لتمرير معاملاتهم بأسرع وقت ودون جهد.

إذ يدفع 50 مليون شخص مقيمون في الدول العربية سنوياً رشوة للحصول على إحدى الخدمات العامة مثل الكهرباء والماء، أو حتى الحصول على وثائق أو تصاريح. وفق تقرير نشرته منظمة الشفافية الدولية بعنوان "الناس والفساد: دراسة مسحية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا 2016".

ويأتي الحصول على التراخيص والوثائق في الخدمات العامة في المرتبة الرابعة ضمن أكثر الخدمات التي تتأثر بالرشوة في الدول العربية بنسبة 23%. ويأتي المسؤولون الحكوميون وأعضاء المجالس المحلية، وهم المسؤولون عن منح تراخيص البناء، على رأس قائمة المتورطين في قضايا الفساد في المنطقة العربية بنسبة تتجاوز الــ 40%.

وعزز هذه النتائج ما كشف عنه تقرير مؤشر الفساد السنوي لسنة 2017، الذي سجلت فيه أغلب الدول العربية تراجعاً في المؤشر وتفاقماً في معدلات الفساد قياساً لنتائج العام 2015. وكشفت منظمة الشفافية الدولية عن أن 69% من الدول المصنفة ضمن الترتيب العالمي وعددها 176 دولة لم تتخطَّ سقف الــ50 نقطة على المؤشر.

وتهدر الدول العربية العديد من الفرص الاقتصادية سنوياً بسبب التعقيدات الإدارية والنظام البيروقراطي القديم الذي مازال يحكم جهازها الإداري، ما يدفع العديد من رواد الأعمال إلى البحث عن أماكن أخرى لإطلاق مشاريعهم الريادية ويعرقل تدفق رؤوس الأموال الأجنبية بسبب غياب مناخ ملائم للاستثمار، الأمر الذي يقلل من نسب النمو ويفوت فرصاً للتوظيف عن المئات من الشباب العاطل عن العمل في المنطقة.

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

التعليقات

المقال التالي