​كيف تنعكس قروض صندوق النقد الدولي سلباً على المواطنين؟​

​كيف تنعكس قروض صندوق النقد الدولي سلباً على المواطنين؟​

تنتاب حالة من القلق والتوتر الكثيرين عندما يسمعون عن توجه دولتهم نحو الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وهذا القلق ليس وليد اللحظة، وإنما هو نتيجة للتجارب الفاشلة للاقتراض من الصندوق في الدول العربية.

فقد فرض الصندوق على مصر والعراق على سبيل المثال، عندما حصلا على قروض منه في التسعينات، "روشتة" للإصلاح الاقتصادي تتضمّن خصخصة القطاع العام، وكانت النتيجة فساداً وتزايداً للبطالة وخسارة الكثير من المواطنين وظائفهم ومزيداً من الفقر والبطالة.

ما هو صندوق النقد الدولي؟

هو وكالة متخصصة من وكالات منظومة الأمم المتحدة، يتخذ من العاصمة الأميركية واشنطن مقراً له. أنشئ بموجب معاهدة دولية عام 1945 للعمل على تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي. ويتمثل دوره في: منع وقوع الأزمات الاقتصادية والمالية، وليحقق ذلك يقوم بمتابعة الاقتصادات القطرية والاقتصاد العالمي، وإقراض البلدان الأعضاء التي تمر بمصاعب اقتصادية لتيسير قيامها بالتصحيح اللازم ومساعدتها في علاج المشكلات الاقتصادية الطويلة الأجل من خلال الإصلاحات.

البديل المؤلم

يتفق خبراء اقتصاديون كثيرون على أن قرض الصندوق خطأ كبير. لكن البلدان العربية تصل إلى مرحلة تعاني فيها من فجوة في الحصيلة الدولارية، وزيادة في الإنفاق تضطرّها للحصول على قرض الصندوق، وهذا ما يعتبره البعض "البديل المؤلم".

القرض مدمّر

أكد الدكتور صلاح هاشم، أستاذ التنمية والتخطيط في جامعة الفيوم، ورئيس الاتحاد المصري لسياسات التنمية، أنه، على مدار 90 سنة من وجود الصندوق، ما من دولة حصلت على قرض منه وحققت عائداً تنموياً ملموساً.

وأشار، في حديث لرصيف22، إلى أن كل الدول التي حصلت على قروض من الصندوق لا تستطيع تحقيق نهضة اقتصادية أو تنموية، فالقرض يدمر الاقتصاد، ويؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى لتهبط إلى طبقة الفقراء، وتتقلص طبقة الأغنياء.

أقوال جاهزة

شارك غردما من دولة حصلت على قرض منه وحققت عائداً تنموياً ملموساً... ما هي قصة قروض صندوق النقد الدولي؟

شارك غردبأسلوب مبسّط، كيف تنعكس قروض صندوق النقد الدولي سلباً على الفقراء؟

وأرجع هاشم سبب ذلك إلى سيطرة السياسة الأميركية على الصندوق، والتي، برأيه، تريد إضعاف اقتصاديات الدول وتدميرها ومنع صعودها.

والسؤال: كيف تنعكس قروض صندوق النقد الدولي على الفقراء؟ برأي خبراء الاقتصاد والتنمية والتخطيط، تتمثل أهم الآثار التي يتعرض لها الفقراء بسبب قرض الصندوق في:

غلاء المعيشة

يشترط صندوق النقد تقليل معدلات الدعم بشكل عام، وضمناً تخفيض دعم أسعار السلع الأساسية، وهذا يؤدي إلى المزيد من عدم قدرة الفقراء والمواطنين المحدودي الدخل على مواجهة متطلبات الحياة اليومية، كما قال الدكتور صلاح هاشم.

إلغاء دعم الطاقة

الصندوق مثل أي دائن يحتاج إلى الاطمئنان على سداد القرض الذي يمنحه. فأي مواطن يذهب إلى مصرف ستُطلب منه ضمانات حتى يتعرف المصرف على مدى قدرته على السداد.

ولهذا، لا بد أن توضع على المدين شروط. ولهذا يتعرف الصندوق على كل كبيرة وصغيرة في اقتصاد الدولة وموازنته، ويطالب بتقليل الدعم وخاصة دعم الطاقة، حتى تتوفر فوائض لسداد القرض، كما شرح الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والإستراتيجية. وأضاف لرصيف22 أن الدول تتجه إلى خفض الدعم الموجه للكهرباء والبنزين والمشتقات البترولية، مما يؤدي إلى زيادة الأعباء على الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل.

رفع الضرائب

وأشار أستاذ التنمية والتخطيط في جامعة الفيوم إلى أن من شروط الصندوق تطبيق ضريبة القيمة المضافة، ويحدّد ما يجب أن تؤمنه هذه الضريبة من مبالغ في السنة الأولى لتطبيقها، وذلك حتى يضمن قدرة الدولة على سداد قيمة القرض والفوائد المترتبة عليه.

ولفت إلى أن هذا القانون من شأنه التأثير على الفقراء، لأنه سيرفع ثمن المنتجات والخدمات التي يحصلون عليها في الوقت الذي ترفع الدول الدعم عن هذه الطبقة تدريجياً.

العملة الوطنية

يشترط الصندوق في تعاملاته مع الدول المقترضة أن تحرّر سعر عملاتها، وهو ما يعني مزيداً من الارتفاع في سعر السلع والمنتجات في الأسواق العربية، كما شرح الخبير المصرفي أحمد آدم.

وأضاف لرصيف22 أن هذا الارتفاع أو ما يعرف بالتضخم يؤثر وبشكل مباشر على الطبقات الفقيرة والمحدودة الدخل والمتوسطة، خاصة أنه، مع تراجع قيمة العملة الوطنية، تنخفض القدرة الشرائية للعملة المحلية وبالتالي يواجه الفقراء صعوبات كبيرة في شراء السلع الأساسية.

المفقَرون الجدد

تؤدي قروض الصندوق إلى تآكل الطبقة الوسطى، وإعادة إنتاج طبقة جديدة يطلق عليها الدكتور صلاح هاشم اسم "المفقَرون الجدد"، وهم أبناء الطبقة الوسطى الذين هبطوا إلى مستوى الطبقة الفقيرة.

ويلفت إلى أن حال هؤلاء يتغيّر في وقت يمتلكون قيماً ومفاهيم ضد سياسات الدولة التي يعيشون فيها، مما يؤدي إلى إيجاد صراعات داخلية بين هذه الطبقة والسلطة الحاكمة.

التهميش الاجتماعي

وأكّد الدكتور صلاح هاشم أن السلبيات الناجمة عن الاقتراض من صندوق النقد الدولي تؤدي إلى التهميش الاجتماعي لفئات واسعة من الشعب، وارتفاع معدلات الفقر والجريمة.

وضرب مثل تجربة فنزويلا التي لجأت في التسعينيات من القرن الماضي إلى الاقتراض من الصندوق حتى أصبح حجم ديونها يساوي نصف ناتجها المحلي، وهذا ما تسبب في تدخل الصندوق مجدداً في سياساتها الداخلية وفرضه إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية للدولة، والتحكم في معدلات الأسعار والضرائب وأسعار الطاقة والمواد النفطية، وهو ما تسبب في ارتفاع معدلات الفقر، والجريمة، والتهميش الاجتماعي.

التجربة المصرية

لجوء مصر إلى اقتراض 12 مليار دولار من الصندوق على ثلاث سنوات بفائدة تراوح بين 1.5 و2% هدفه محاولة سد عجز الموازنة ودعم الاحتياطي النقدي.

ولكن مقابل ذلك، قامت مصر بالفعل بخفض قيمة دعم الطاقة في الموازنة الحالية بنسبة 43% فوصل إلى 35 مليار جنيه، مقارنة بالعام السابق حين بلغ 61.7 مليار جنيه، علماً أن هذا الدعم انخفض بنسبة 72% مقارنة بالعام المالي 2013-2014 حين كان 126 مليار جنيه، وذلك وفقاً لإحصاءات وزارة المالية.

وأعلنت الحكومة أخيراً رفع أسعار الكهرباء والمياه وباقي المشتقات البترولية. وهو ما ينذر بموجة جديدة من ارتفاع الأسعار بشكل عام.

ورأى الدكتور عبد المنعم السيد أن مميزات القرض تكمن في أنه شهادة طمأنة للمستثمر الأجنبي والعربي لضخ استثماراته في السوق المحلي، خاصة بعد إحجام المستثمرين عن الاستثمار بسبب الاضطرابات التي شهدتها مصر، ووجود أكثر من سعر للعملة المصرية، بالإضافة إلى الاستفادة من حجم التمويل الكبير، وبفائدة منخفضة، مقارنة بفائدة تصل إلى ما بين 6.5 إلى 7% عند طرح سندات دولارية.

التجربة المغربية

وافق صندوق النقد الدولي في 2 أغسطس الحالي على إمداد المغرب بخط سيولة قيمته 3.47 مليارات دولار أميركي بمقتضى اتفاق على عامين، وذلك لدعم المغرب في مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز آفاق النمو، والحد من البطالة.

وأكد الصندوق على موقعه الإلكتروني أن المغرب نفّذ الإصلاحات الأساسية، ومنها تحرير أسعار المحروقات والتوسع في البرامج الاجتماعية التي تستهدف الفئات الأشد احتياجاً واعتماد قانون الميزانية الأساسي الجديد بالإضافة إلى قانون مصرفي يشكل ركيزة قوية لأطر سياسة المالية العامة والقطاع المصرفي.

كما أكّد أن السلطات تعمل على تنفيذ إصلاح نظام معاشات التقاعد لموظفي الخدمة المدنية وتضع اللمسات الأخيرة على قانون جديد للبنك المركزي يهدف إلى تعزيز استقلاليته وزيادة شفافيته.

التجربة العراقية

في منتصف يوليو الماضي حصل العراق من الصندوق على قرض بقيمة 5.34 مليارات دولار أميركي لدعم الاستقرار الاقتصادي. وقال الصندوق إن القرض يركّز على تنفيذ سياسات اقتصادية ومالية تساعد العراق على مواجهة انخفاض أسعار النفط والحرب ضد داعش، وضمان بقاء الدين في حدود يمكن الاستمرار في تحملها.

ويري خبراء الاقتصاد في العراق أن القرض سيؤدي إلى رفع الدعم الحكومي عن أسعار الوقود والخدمات مما يؤثر على معيشة الطبقات الفقيرة.

ويعتمد الخبراء على التجربة السابقة عام 2004 حين فرض الصندوق خصخصة بعض القطاعات، ورفع أسعار الوقود، مؤكدين أن ذلك لم يكن لمصلحة المواطن العراقي الذي عانى من رفع الدعم عن البطاقة التموينيّة والوقود والرعاية الاجتماعيّة في وقت زادت عليه الضرائب.

التعليقات

المقال التالي