الاقتصاد اليمني على حافة الانهيار

الاقتصاد اليمني على حافة الانهيار

بعد سقوط العاصمة اليمنية صنعاء بيد الحوثيين في 21 سبتمبر الماضي، وقعت الكثير من المتغيرات السياسية والاقتصادية خصوصاً، ومنذ تلك اللحظة، بدأت السلطات المحلية في المحافظات اليمنية تعلن عدم ارتباطها بنظام العاصمة اليمنية صنعاء. الأمر ذاته ازداد تطوراً بعد تقديم الرئيس اليمني ورئيس حكومته استقالتيهما في الثاني والعشرين من يناير من العام الجاري، مما اضطر عدداً من المحافظات، وتحديداً الجنوبية، إلى إيقاف توريد الموارد المالية إلى المركز الرئيسي في العاصمة صنعاء.

تمرد على الحوثيين

الدكتور علي مهيوب العسلي أستاذ الاقتصاد في جامعة صنعاء يتحدث عن هذه الأزمة الاقتصادية لرصيف22: "أحجمت بعض المحافظات اليمنية عن التوريد إلى المركز في العاصمة صنعاء بسبب سيطرة الحوثيين على مراكز الدولة كافة، وإحكام قبضتهم على الوزارات، وهو ما جعل المحافظات تتعامل مع ذلك كأنه انقلاب خارج إطار الشرعية الدستورية". حتى اللجان الأمنية، يضيف مهيوب، آثرت اعتماد الأسلوب نفسه في عدم التوريد إلى وزارة المالية بصنعاء، لأن الأموال الموردة سوف توظف لمصلحة الحوثيين، وهذا جانب سياسي وأمني يترتب عليه انحدار للوضع الاقتصادي، مما سيؤدي إلى فشل الدولة كونها لا تستطيع القيام بأداء وظيفتها الأساسية، ومن ضمنها تسليم رواتب الموظفين".

ويضيف العسلي "إذا فهمت الرسالة من قبل الحوثيين بعد موجة الغضب الشعبي عليهم، فيجب أن يتنازلوا لشعبهم أو أن يستكملوا سيطرتهم على المحافظات كافة لضمان التوريد المالي إلى المركز. وهناك بعض المحافظات تقوم بالتوريد إلى وزارة المالية لكنها تتلكأ في تسليم هذه الموارد المالية، وخلال شهر يناير تأخرت رواتب الموظفين مدة أسبوعين، والحوثيون هم السبب الرئيس في التدهور الاقتصادي الذي بدأ يعصف باليمن."

عدم القدرة على تحصيل الموارد

وفيما أوضحت وزارة المالية اليمنية في بيان لها أنها لم تتمكن من تحصيل الموارد نتيجة تخلف الكثير من المحافظات عن توريد المبالغ المترتبة عليها لمصلحة الخزينة العامة، يقول الخبير الاقتصادي عبد الجليل السلمي لرصيف22 إن "المالية اليمنية تعاني من شح في السيولة، نتيجة تراخي المؤسسات والهيئات والأجهزة العامة في عموم المحافظات في تحصيل الموارد من المواطنين والجهات الحكومية، ومختلف مصادر الإيرادات بفعل حالة انحلال الدولة التي تعيشها اليمن".

ويؤكد اقتصاديون أن الواقع الاقتصادي في اليمن يمر بأزمات حقيقة سواء في مالية الدولة من حيث تحصيل الإيرادات أو من حيث الاستثمارات الخارجية أو الاستثمارات التجارية، مشيرين إلى أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها العاصمة اليمنية صنعاء ستؤدي إلى نتائج كارثية على الاقتصاد في ظل تراجع الإيرادات وارتفاع معدلات التهرب الضريبي نتيجة الفوضى، متوقعين في الوقت نفسه أن تؤدي الأحداث الأخيرة إلى إيقاف المجتمع الدولي حسابات الحكومة اليمنية في الخارج وفقدان ثقة المانحين.

وكان البنك المركزي اليمني أوضح في تقرير البيانات الختامية للسنة المالية المنتهية في 31 ديسمبر، أن احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي انخفضت في نهاية 2014 بنسبة 12.8% إلى 4.665 مليارات دوﻻر.

كذلك تواجه اليمن في الوقت الراهن وضعاً مالياً صعباً، يضعها في أزمة غير مسبوقة، وزادت حدة العسر المالي، نتيجة تراجع الموارد، وتجميد المساعدات والمعونات من المانحين. كما بلغ الدين العام اليمني في نهاية سبتمبر الماضي حوالي 22.7 مليار دولار، مرتفعاً من 15 ملياراً في العام 2011. وهذا ما يشكل تحدياً حقيقياً أمام تدعيم الاستقرار السياسي والأمني، واستعادة الثقة بالاقتصاد.

وضاعفت الأوضاع السياسية والأمنية المتردية المخاطر الاقتصادية على اليمن التي أصبحت استحقاقاتها أكبر من مواردها المحدودة، في ظل تعرض البلاد لخسائر يومية تقدر بنحو 3 ملايين دولار بسبب توقف ضخ النفط بعد قيام مسلحين بتفجير أنابيب نقل النفط الخام، إضافة إلى انخفاض إنتاج وعائدات النفط العام الجاري بعد انهيار أسعاره في الأسواق العالمية، مما يترتب عليه خسائر تتجاوز "500 مليون دولار" من عائدات النفط التي تشكل 70% من الموارد العام للموازنة، وفقاً لبيانات وزارة المالية.

وحذّر مراقبون اقتصاديون من مغبة استمرار تدهور الأوضاع وانعكاساته السلبية على الاقتصاد الوطني، الذي أوصلته الصدمات السياسية، خلال السنوات الثلاث الماضية، إلى مرحلة الموت السريري.

إغلاق السفارات أبوابها

وازداد الانهيار الاقتصادي لليمن، خصوصاً بعد سيطرة اللجان الشعبية جنوب اليمن على الكثير من المعسكرات والمنشآت الحيوية، وذلك في سعيها إلى تقليد تجربة الحوثيين. إذ يجمع كل من الاقتصاديين العسلي والسلمي على أنّ الاقتصاد اليمني سيواجه خطراً محدقاً مع قيام عدد من الدول العربية والخارجية بسحب سفرائها إذ سوف تتوقف القروض الجديدة التي كان تعويل اليمن عليها كبيراً، كسبيل للنهوض بالواقع المرير الذي تعيشه البلاد نتيجة تفشي حالات الفقر والبطالة.

يشرح الباحث الاقتصادي هائل الصلوي لرصيف22 أن ما جعل الوضع الاقتصادي في اليمن أكثر سوءاً، بالإضافة إلى عدم التزام المحافظات بتوريد مواردها الضريبية للمالية، هو إغلاق الكثير من الدول العربية والأجنبية لسفاراتها، مما جعل البلاد تعيش عزلة اقتصادية. كذلك تضرر الكثير من المواطنين اليمنيين الذين يعملون في دول الخليج، وتحديداً في المملكة العربية السعودية، إذ إن إغلاق السفارة السعودية لأبوابها ومغادرة عامليها تسبّب بعرقلة أمور الكثير من المغتربين اليمنيين.

في كل الأحوال، يرى الخبراء الاقتصاديون أنّ الحكومات السابقة قد فشلت في مواجهة هذه المشكلات وحلّها، لا بل أسهمت في تجذيرها كونها لم تتبع سياسات فعّالة لمواجهة التحديات التي تعيشها اليمن منذ سنوات. على العكس من ذلك تماماً، جاءت السياسات لتزيد طين الأزمات بلّة.

التعليقات

المقال التالي