هل حفظت المدن العربية مكانة لها على خارطة الاستدامة العالمية؟

هل حفظت المدن العربية مكانة لها على خارطة الاستدامة العالمية؟

فشِلت مدن العالم حتى اليوم في تلبية حاجات شعوبها، بحسب ما جاء في مؤشر المدن المستدامة التي تنشره شركة الاستشارات العالمية ARCADIS. ويستطلع المؤشر الذي أجراه مركز الأبحاث الاقتصادية وأبحاث الأعمال، ثلاث حاجات، الاجتماعية (الشعب) والبيئية (الأرض) والاقتصادية (الربحية) من أجل التوصّل إلى ترتيب لخمسين من المدن الرائدة في كل أنحاء العالم. وفي تقرير العام 2015، كشف المؤشر عن غياب أي مدينة مثالية، لا سيما أن القادة يواجهون مشكلة في تحقيق توازن معقّد بين أسس الاستدامة الثلاثة.

ولا بدّ من الاشارة إلى أن مؤشر المدن المستدامة يقوم بتقييم 50 مدينة في 31 دولة اعتماداً على آدائها الاجتماعي والبيئي والاقتصادي مستخدماً بيانات نشرتها الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية وغيرها من المنظمات.

وما زالت المدن الأوروبية تقود مسيرة الاستدامة في العالم إذ إن سبع مدن منها جاءت في طليعة أفضل 10 مدن. فاحتلت فرانكفورت المرتبة الأولى تليها لندن وكوبنهاغن وأمستردام وروتردام وبرلين. في حين احتلت مدريد المرتبة التاسعة. وكانت للقارة الآسيوية مكانة في هذه اللائحة، فأتت سيول في المركز السابع وهونغ كونغ في المركز الثامن وسنغافورة في المرتبة العاشرة. أما أسوأ أداء في الاستدامة فكان من نصيب ووهان (المرتبة 48) في الصين ونيو دلهي (المرتبة 49) في الهند ونايروبي (المرتبة 50) في كينيا.

أما في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، فجاءت في الطليعة كل من دبي وأبوظبي اللتيّن احتلّتا المرتبة 33 و34 على التوالي. وقد جاءت الدوحة في المرتبة 41 وجدة والرياض من المملكة العربية السعودية في المرتبتين 43 و44.

وعلّق جون باتين، مدير قسم المدن العالمية في ARCADIS في بيان: "عالمنا يتغيّر بوتيرة أكبر من السابق. وتكشف التكنولوجيا الناشئة والنمو السكاني وولادة اقتصاد عالمي حقيقي أن مفهوم الحدود الوطنية لم يعد في منتهى الأهمية لا بل استُبدل بمفهوم المدينة العالمية". وأضاف: "يسلّط مؤشر المدن المستدامة الضوء على مجالات الفرص للمدن من أجل إعلام أصحاب القرار، والحث على جعل هذه المدن أكثر استدامة من الناحية الاقتصادية والبيئية ومن أجل رفاهية سكّانها".

الشعب في آخر سلّم الأولويات

في مختلف أنحاء العالم، ما زال أداء المدن على صعيد الاستدامة أفضل من حيث الربحية والبيئة مقارنة بالعوامل الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، بات المواطنون عاجزين عن تكبّد أعباء وتكاليف العديد من المدن، لا سيما مع تكلفة العقارات المرتفعة في نيويورك ولندن وباريس وطوكيو وهونغ كونغ، وهذا ما انعكس سلباً على مكانتها في الترتيب. كذلك أفاد التقرير أن هناك مقايضة عالمية بين التعليم والتوازن الهش بين الحياة الشخصية والمهنية، لا سيما في هونغ كونغ.

وليست مدن الشرق الأوسط مستثناة حتى لو اختلف ترتيبها من مدينة إلى أخرى. فاحتلّت أبوظبي الطليعة بينها من حيث استدامة حاجات السكان راصدةً المرتبة 25 تليها دبي في المرتبة 26. ولم يكن هذا الترتيب مفاجئاً للكثير من الخبراء، لا سيما أنّ الامارات تسعى جاهدةً لتلبية حاجات سكانها من حيث التعليم والصحة والنقل. أما الدوحة فاحتلت المرتبة 34 وجدّة المرتبة 37 في حين جاءت الرياض في آخر الترتيب حاصدةً المركز 42.

وشدّد باتين على أنّ قادة المدن لا بدّ أن "يجدوا طرقاً من أجل إحداث التوازن بين المطالب التي تولّدها العائدات المالية الكبيرة وقدرتها على جذب الأفراد للعيش والعمل فيها من دون أن تنسى الحدّ من الأضرار التي تلحقها بالبيئة. حينذاك، سينجح قادة هذه المدن في تقييم أولوياتهم والدرب التي ستقودهم إلى الاستدامة الحضرية لمصلحة الجميع".

الشرق الأوسط: الربحية على حساب البيئة

بدورها، اعتبرت شركة ARCADIS أنّ المقايضة بين عاملي "الأرض" و"الربحية" صارخة جداً في الشرق الأوسط، إذ إن دبي والدوحة سجلتا مجموعاً منخفضاً في ما يتعلّق بالعوامل البيئية مقارنة بالاقتصادية منها. فاحتلت دبي المرتبة 27 والدوحة المرتبة 30 في ما يتصل بالربحية في حين أتت دبي في المرتبة 47 والدوحة في المرتبة 50 في ما يتعلق بالعوامل البيئية. ومن أجل قياس الأداء الاقتصادي لكل مدينة، ينظر الخبراء إلى بنى النقل التحتية وسهولة القيام بالأعمال والناتج الاجمالي المحلي.

ورأى تيري تماسون، المدير التنفيذي في ARCADIS، أنّ أداء دبي وأبوظبي جاء ضعيفاً في فئة البيئة لأنهما "تفتقران للطاقة المتجددة على الرغم من التقدّم الملحوظ في السنوات الأخيرة". وتأخذ العوامل البيئة في الاعتبار استخدام الطاقة وحصة الطاقة المتجددة وإدارة النفايات وانبعاثات غازات الدفيئة وتلوث الهواء والتعرض للكوارث الطبيعية.

إلا أنّ إيفانو إيانيلي، المدير التنفيذي في منظمة "كاربون دبي" الحكومية، قال لصحيفة The National الإماراتية إنّه "غير واثق إلى أي مدى أخذت الدراسة في الاعتبار النمو السريع في ما يتعلّق بالاستدامة والاقتصاد الأخضر في الإمارات العربية المتحدة لأنّ ترتيب دبي كان مغايراً. إذ "لا بدّ من الاشارة إلى أنّ دبي تريد تحقيق هدف 7% من الطاقة المتجددة بحلول عام 2020 و15% بحلول 2030. في حين أن مؤشر الأداء البيئي لعام 2014 وضع الإمارات العربية المتحدة في المرتبة 25 من بين 178 دولة بعد أن كانت في المرتبة 77 عام 2012.

وسجّلت المدن في الشرق الأوسط أعلى نسبة في النموّ السكاني خلال السنوات الخمس الماضية، إذ شهدت كلّ من الدوحة ودبي وأبوظبي ارتفاعاً فاق الـ30%، وهذا ما ألقى بظلاله على بنى هذه المدن التحتية.

وأشار توماسون إلى أنّ "دبي وأبوظبي ستشهدان نموّاً سكانياً بزيادة 80% من اليوم إلى 2030. وسيضغط هذا النمو، بشكل كبير، على شبكات النقل وامدادات المياه وشبكات جمع النفايات وأنظمة الصرف الصحي وقيمة العقارات".

وكان مؤشر المدن المستدامة شدّد على أنّ المسؤولين عن كل المدن التي شملها الاستطلاع يجب أن يخططوا بشكل أكثر فعالية لاستيعاب ارتفاع عدد السكان في السنوات المقبلة، على الرغم من أن الضغوط السكانية قد تكون أكبر في بعض الدول من غيرها.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي