سوق الكتب "المزورة" في مصر: القارئ هو الرابح الأكبر

سوق الكتب "المزورة" في مصر: القارئ هو الرابح الأكبر

سوق الكتب في مصر اجتاحتها التزوير. تعيد مطابع مجهولة تعرف بـ"تحت السُلّم" طباعة الكتب الأكثر مبيعاً، متجاهلةً قوانين النشر وحقوق الملكية الفكرية، لتبيعها للقارئ بأسعار أقل من أسعارها الأصلية.

الكتب "المضروبة" تثير الكثير من الجدل في الوسط الثقافي. فبينما تحاربها دور النشر باعتبارها تقتطع جزءاً ليس قليلاً من أرباحها، يراها القارئ منفذاً للمعرفة والاطلاع في ظل الأسعار المرتفعة التي تطرح بها دور النشر إصداراتها، وينقسم المؤلفون حول ما إذا كان ضررها أكبر أم نفعها، خاصة أنها تحقق لهم الانتشار العريض، الذي يعد الهدف الأصلي لأي مبدع.

"الكتب المضروبة" حالياً تحتل أرصفة أهم شوارع القاهرة، بل تتسرب لداخل معرض القاهرة الدولي للكتاب نفسه، كإحدى نتائج فوضى ما بعد ثورة 25 يناير، علماً بأن الظاهرة كانت موجودة قبل الثورة لكن على استحياء.

ويرجع انخفاض سعر الكتاب الزائف عن سعر الكتاب الأصلي لكون جهة إصداره لا تتحمل أي التزامات مادية سوى سعر الطباعة، وهو لا يتخطى الـ7 جنيهات على عكس دار النشر الأصلية التي تتحمل حقوق المؤلف والموزعين وتصميم الأغلفة وإخراج الكتاب، بالإضافة إلى مصاريف موظفي الدار والضرائب وغيرها.

أحد باعة الكتب المضروبة على رصيف شارع طلعت حرب في وسط البلد، يؤكد لرصيف22 أن بعض دور النشر تحاول تعويض الخسائر التي تسببها الكتب المضروبة بالطريقة نفسها على طريقة "بيدي لا بيد عمرو"، إذ تقوم هذه الدور بتزوير كتبها بنفسها، وتقدم نسخاً أقل في الجودة، وتالياً بسعر أقل من الأسعار الأصلية لتجذب قارئ "المضروب".

وعن طبيعة الرقابة الحكومية المفروضة على كتبه، يقول البائع أن شرطة المصنفات تمر بشكل دوري على بسطات الرصيف لتلتقط عيّنات من الكتب وتضبط المخالف منها في محاضر، لكن دار النشر هي المنوط بها تحريك القضايا ضد عملية التزوير.

مدير عام إدارة التراخيص الفنية وحماية حقوق الملكية الفكرية في وزارة الثقافة الدكتور مدحت الكاشف، يقول لرصيف22 إن قوانين الملكية الفكرية تمنع طبع أو نشر أي مصنف أدبي بأي وسيلة، لأن ذلك حق أصيل للمؤلف فقط أو لدار النشر التي يتنازل لها، مشيراً إلى أن لكل مصنف إبداعي رقم إيداع دولياً لا يتكرّر ويحصل عليه الكاتب من دار الوثائق القومية والكتب.

ويلفت الكاشف إلى أن تحريك القضايا ضد الجهات المزورة يتطلب أن يقوم صاحب الحق - ممثلاً بدار النشر أو الكاتب - بتقديم بلاغ للإدارة العامة للمصنفات بوزارة الداخلية، وهي الجهة المختصة بضبط هذا النوع من المخالفات، لافتاً إلى وجود بعض الحالات التي تعتبر سطواً عالمياً لا يستطيع صاحب الحق أن يتصرف تجاهها.

ويوضح الكاشف أنه شخصياَ يتعرض لانتهاك حقوق ملكيته الفكرية لكن على مستوى آخر، إذ يباع كتابان له أحدهما من إصدار أكاديمية الفنون والآخر من هيئة الكتاب، عبر مواقع على الانترنت دون إذنه، مشيراً إلى أن من يريد الحصول على الكتابين سيدفع 45 جنيهاً شاملةً خدمة التوصيل، مع أن سعر الكتابين الأصلي لا يتجاوز 10 جنيهات لكل منهما. ويضيف: "هذه المواقع تكون مقارّها خارج مصر، ولا تنفع الشكوى لدى Google ضدها، والحكومة المصرية نفسها لم يستجب لها المكتب الإقليمي لـGoogle حين طلبت حذف بعض المواد التي تتعلق بثورة 30 يونيو".

في السياق نفسه، يعزو الكاشف عجز الدولة عن السيطرة على السوق السوداء للكتب إلى الخلل في قوانين الملكية الفكرية، والتي تحدد حقوق المبدعين، لكنها لم تحدد الجهات المسؤولة عن حمايتها، مطالباً بتعديل القانون الرقم 82 لسنة 2002. ويلفت الكاشف إلى أن بعض دور النشر لجأت للاحتكار لحماية إصداراتها، مثل أعمال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم .

الكاتب يربح الانتشار؟

الكاتب سامح فايز، باعتباره أحد ضحايا الكتب المزورة، وذلك بعد تزوير كتابه "الخروج من جنة الإخوان"، يعترف بأنه يجد نفسه مستفيداً كقارئ من هذه "التخفيضات" الهائلة على أسعار الكتب. لكنه يشدّد على أن الكتب الأصلية لها قيمتها في النهاية، وتخلو من عيوب الكتب المزورة التي تستخدم في الغالب ورق طباعة رديئاً ولا تخلو من الأخطاء المطبعية.

ككاتب، يرى فايز أن جهة النشر هي المتضرّر الوحيد من الكتب المزورة، أما الكاتب فيعتبر رابحاً إذ يتحقق له الانتشار، مضيفاً: "أكثر ما يهم الكاتب هو أن يقرأ له الجمهور، خاصة أن الحقوق المادية الناتجة عن الملكية الفكرية للكاتب في مصر والوطن العربي ليست مرتفعة كما في الخارج".

أما كقارئ فيرى فايز أن الكتب المزورة تتناسب مع دخله وتسمح له بشراء 10 أو 15 كتاباً دفعة واحدة، لافتاً الى أن تزوير الكتب تحول إلى تجارة كبرى وأن المزورين يختارون الكتب الأعلى مبيعاً لإعادة تقديم نسخ مزورة منها للقراء ضماناً لرواج بضاعتهم.

الحل عند دور النشر

رئيس تحرير مجلة "عالم الكتاب" الصحافي محمد شعير، يؤيد ظاهرة الكتب المزورة، ويرى نفعها أكبر من الضرر لأنها تمنح فرصة القراءة للجميع. ويقول لرصيف22: "من الجيد أن يقرأ الناس كثيراً وهذا ما تضمنه سوق الكتب المزورة"، لافتاً إلى أن هذه الظاهرة ستختفي بشكل تلقائي مع ارتفاع المستوى الثقافي للمجتمع".

ويتابع: "ما يدفع القراء إلى الكتب المزورة هو ارتفاع سعر الكتب الأصلية ودور النشر تستطيع وقف سوق التزوير من خلال تقديم طبعات متفاوتة، تناسب مستويات القراء كافة، فالطبعة الفاخرة تناسب المستويات الاجتماعية العليا، وطبعة ورق الجرائد ستجذب جمهور الكتب المزورة".

لكن، هل هدف الكتب المزورة دائماً خدمة القارئ؟

المؤلف محمد صادق، صاحب رواية "هيبتا" التي طبعت أكثر من عشرين طبعة، له رأي مختلف، إذ يرى أن منظومة النشر بأكملها تتضرر من الكتب المزورة، لافتاً إلى أن هذا لا يختلف عن قرصنة الأفلام والأغاني ما يضر بالمنتجين والممثلين وشبكة المرتبطين بالعمل الفني.

ويرى صادق أن ليس هدف الكتب المزورة دائماً خدمة القارئ، ولكنها تستخدم كوسيلة لخداعه أحياناً، خاصة لمن لا يعرف الأسعار الحقيقية، كما حدث مع روايته "هيبتا"، التي طرحت نسختها الأصلية بسعر 20 جنيهاً وبيعت النسخ المزورة منها بـ30.

وحول عيوب النسخات الزائفة، يؤكد صادق أنها في الغالب حافلة بالأخطاء وصفحاتها ليست في موضعها، والكلام ليس واضحاً لأنها نسخة مصورة من الأصل، لذا يعتبرها في النهاية لا تحترم القارئ.

ويلفت إلى أن معظم المكتبات تقدم تخفيضاً على الكتب، لافتاً إلى أنه لا يوجد كتاب يزيد سعره عن 40 جنيهاً إلا الكتب غير العربية".

دار العين: خسارة 50% من الأرباح البيع

مصطفي سالم مدير التوزيع والنشر في دار العين يؤكد لرصيف22 أن حجم خسائر دور النشر من الكتب المضروبة يعادل 50% من أرباح البيع، عازياً عدم التهام الكتب المزورة لكل أرباح دور النشر إلى أن جمهور الكتب المزورة محدّد، وأن كثيرين من القراء يحبذون الكتب الأصلية. ويؤكد أن انتشار سوق "المضروب" بشكل كبير له تأثير سلبي على صناعة النشر، وبالتالي على الثقافة في مصر، إذ يؤثر على الجانب الربحي لتلك الدور. وهذا ما يدفعها إلى تقليل إصداراتها وإنتاجها من الكتب، ومن ثم تقليل عدد المؤلفين الذين ستتعاقد معهم الدار، لافتاً إلى أن المزور يختار الروايات أو الكتب الناجحة.

وينتقد سالم غياب رقابة الدولة على أسواق الكتب السوداء، مرجعاً ذلك إلى الانشغال بظروف البلاد خلال الأعوام الأخيرة، ولافتاً إلى امتداد هذه السوق داخل معرض القاهرة الدولي نفسه.

رواية "شوق الدرويش" الصادرة عن دار العين والفائزة أخيراً بجائزة "نجيب محفوظ" تعرضت للقرصنة، حسب سالم، إذ تعرضها الدار بـ50 جنيهاً، وتباع على الأرصفة بـ20 جنيهاً فقط.

رئيس هيئة الكتاب: لتعديل قانون "الملكية الفكرية"

"الدور الذي تلعبه هيئة الكتاب في ضبط الكتب المزورة محصور في معرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث تتم الاستعانة بشرطة المصنفات لرصد أي كتب من هذا النوع وتجري في الحال مصادرة الكتب الزائفة وغلق الجناح الذي تضبط فيه تماماً، كما حدث في معرض الكتاب هذا العام إذ تم اغلاق جناحين، بعدما تقدمت دار الكرمة بشكوى للمصنفات تفيد أنهما يبيعان الكتب المزورة"، يقول أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة للكتاب لرصيف22.

ويلفت مجاهد إلى أن لا سلطة للهيئة على بائعي الكتب المضروبة في الشارع، مشيراً إلى أن إصدارات هيئة الكتاب نفسها تعاني من القرصنة، لكن بشكل مختلف إذ تباع الطبعات الأصلية بأسعار زهيدة كونها مدعومة من الدولة، فيما تباع المزورة بسعر أعلى!

ويلمّح مجاهد إلى وجود خطوات حقيقية لمواجهة "قرصنة الكتب" تتمثل في اتجاه الهيئة بالتنسيق مع اتحاد الناشرين، إلى التحرّك لتعديل قانون الملكية الفكرية، بحيث يصبح لهذا النوع من القضايا دوائر خاصة، مطالباً بضرورة رفع مبلغ الغرامة على الجرائم المماثلة، البالغ 50 جنيهاً حالياً، بالإضافة إلى منح حقوق الضبطية القضائية في هذا الشأن للجهات المختصة، وايضاً تضمين القانون حق مصادرة آلات الطباعة التي تضبط في قضايا مماثلة.

ساره ابراهيم

صحافية مصرية مساهمة في عدد من الصحف والمواقع المصرية وفي إذاعة راديو الشعب تهتم بالشؤون السياسية.

كلمات مفتاحية
الكتاب مصر

التعليقات

المقال التالي