سعودة الوظائف تقفل المتاجر عند التاسعة مساءً

سعودة الوظائف تقفل المتاجر عند التاسعة مساءً

لا تزال الأنباء عن قرب صدور قرار حكومي بإغلاق كل المتاجر عند الساعة التاسعة مساءً تؤرق بال زكريا الحازمي الذي يمتلك متجراً صغيراً لبيع الأحذية في أحد شوارع منطقة البلد الحيوية في مدينة جدة السعودية؛ القرار المتوقع صدوره قريباً ينص على إغلاق المحال التجارية عند الساعة التاسعة مساء على أن تفتح أبوابها عند الساعة السادسة من صباح اليوم التالي.

إلا أن أكثر ما يزعج زكريا هو أنّ حركة البيع في الفترة الصباحية لا تُقارن بأي شكلٍ من الأشكال بالفترة المسائية. فلا يخرج الكثير من سكان السعودية إلى الأسواق في أوقات الحر صيفاً، بالإضافة إلى أن الكثير من المواطنين والمقيمين في السعودية يقبعون في أماكن عملهم طوال الفترة الصباحية. وبالتالي، ستُصبح معظم المتاجر خاوية في أوقات الظهيرة حتى حلول المساء، حينما يتلطّف الطقس ويخرج الموظفون من مكاتبهم إلى الأسواق للتبضّع خلال فترة وجيزة، قبل أن تُغلق المحال التجارية أبوابها مبكراً.

وفي هذا الإطار، يؤكد الحازمي أنه بصدد بيع محله لتكبّد أقل الخسائر قبل صدور القرار وسريانه، إذ سيلجأ الكثير من أصحاب المتاجر الصغيرة إلى بيع "دكاكينهم"، نظراً للأرباح القليلة المتوقعة عند تفعيل النظام الجديد. ويضيف أنّه "لا يمكن فتح أبواب المتجر في أوقات ينعدم فيها وجود الزبائن الذين لم يعتادوا يوماً التبضع بعد بزوغ الشمس أو التنقل بين الأسواق المفتوحة مشياً ودرجات حرارة تكاد تلامس الأربعين درجة معظم أيام السنة".

وكان وزير العمل السعودي عادل فقيه قد أكّد في وقت سابق، أن مشروع تنظيم أوقات العمل للمحالّ التجارية وإغلاقها الساعة التاسعة مساءً وصل الى مراحله النهائية. تمّت احالة الملف الى هيئة الخبراء في مجلس الوزراء تمهيداً لإقراره بعد أن أنهت اللجنة العليا مناقشته مع جهات حكومية عدة  بغية تنظيم أوقات عمل محالّ التجزئة ومنافذ البيع وصياغة القانون الذي يتضمّن العديد من المواد والاستثناءات المحدّدة.

بحسب مسودة النظام الجديد، يجدر بجميع المحال ومنافذ البيع في كل مناطق المملكة الالتزام بأوقات عمل تسمح لها بالبيع فقط خلال الفترة الممتدّة من الساعة السادسة صباحاً إلى التاسعة مساءً. تستثنى من هذا النظام المحالّ التجارية ومنافذ البيع الواقعة في المنطقة المركزية (بالقرب من الحرم المكي والمدني) في مكة المكرمة والمدينة المنورة، اعتماداً على ما يُقرّره المجلس البلدي فيهما. كما يشترط التنظيم أن تحدد أوقات العمل في شهر رمضان، وفقاً لما تحدّده أيضاً المجالس البلدية في كل منطقة، على أن لا تتجاوز ساعات العمل لمنافذ البيع الثانية فجراً في شهر رمضان، ويسمح للمطاعم العمل حتى قبيل وقت الإمساك.

ترى الحكومة أنّ إيجابيات التنظيم الجديد تكمن في تشجيع السعوديين على العمل لدى محالّ التجزئة التي يهيمن عليها أكثر من مليون ونصف مليون عامل، أغلبهم من العمالة الوافدة. كما أن تلك المتاجر تمتاز بأنّها لا تحتاج إلى تأهيل عالٍ لعمالتها، علماً أن انتشارها الجغرافي يسمح لها بتوفير غطاء وظيفي في كلّ مدن وقرى المملكة.

ومن جهة أخرى، ستغلق الكثير من المتاجر الصغيرة التي تعود ملكيتها إلى أفراد عاديين أبوابها بصورة نهائية من جرّاء تطبيق هذا النظام، نظراً لعدم استطاعتهم تغطية الخسائر في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وانخفاض مستوى الربح. في المقابل، ستتمكن بعض الشركات كوكلاء الماركات العالمية من اتخاذ خيارات أخرى كإغلاق بعض الفروع أو تخفيض حجم العمالة في الفترة الصباحية التي لا يرجى منها إقبال كبير من الزبائن.

وهنا، يؤكّد أسعد حبيب الذي يعمل في أحد المتاجر الشهيرة لبيع المنتجات الإلكترونية في مدينة جدة لرصيف22، أنّ إغلاق المتاجر أبوابها عند التاسعة مساءً ليس بالأمر السيىء لأنّه سيُشجع المزيد من الشباب السعوديين على الانخراط بالعمل في منافذ البيع المنتشرة في السعودية، لا سيما أن طول فترة الدوام في بعض المتاجر التي تغلق أبوابها الساعة الحادية عشرة ليلاً تثني الكثير من طالبي العمل عن حجز وظيفة "بائع" في هذا القطاع لأنّ العمل في ساعات الليل يُعدّ أمراً غير مُحبّب في المجتمع السعودي.

في السياق ذاته، يؤكّد الخبير الاقتصادي فضل أبو العينين لرصيف22 أن الاتجاه الحالي لأجهزة الدولة هو استغلال قطاع التجزئة في توفير أكبر عدد ممكن من الوظائف للشباب السعوديين، لاسيما في صفوف الفتيات اللواتي لا يستطعن المكوث في المتجر حتى حلول منتصف الليل، وتحديداً في شهر رمضان، إذ تغلق الكثير من المتاجر في السعودية أبوابها عند الساعة الرابعة فجراً.

من جانب آخر، سيُحدث تطبيق النظام الجديد تغيّراً كبيراً في المجتمع السعودي، لا سيما بالنسبة لسكان مدينة جدة التي لا تخلو أسواقها من المارة وشوارعها من الزحام المروري حتى ساعات متأخرة من الليل. فعروس البحر الأحمر لا تعرف النوم المبكر واعتادت السهر. ويؤكد أبو العينين أنّه يجدر بالمجتمع السعودي التأقلم مع الواقع الجديد للسوق: فمن أراد التبضع عليه الخروج مبكراً أو انتظار العطلة الأسبوعية ليقضي معظم وقته أو كله في السوق.

إبراهيم نافع

صحفي اريتري عمل محرراً لدى صحيفة الشرق الاوسط اللندنية وصحيفة عرب نيوز الناطقة باللغة الانجليزية، وعمل سابقاً مراسلاً لدى موقع هافنغتون بوست عربي في منطقة الخليج العربي

كلمات مفتاحية
السعودية

التعليقات

المقال التالي