توطين الوظائف في الخليج: من نجح أكثر؟

توطين الوظائف في الخليج: من نجح أكثر؟

مع ارتفاع النمو السكاني في دول الخليج وازدياد تدفق الأجانب من مختلف الجنسيات إلى أراضيها، واعتمادها على العمالة القادمة من بعيد في بعض المجالات الاقتصادية أو غالبيتها، أصبح من اللازم تأهيل مواطنيها لإحلالهم في مختلف القطاعات والقضاء على البطالة التي أرتفعت أرقامها بشكل كبير.

لذا راحت حكومات هذه الدول تضع إستراتيجيات وخططاً لتوطين وظائفها، وخاصة الحكومية منها، وإدارة تدفق العمالة وتعزيز فرص العمل المتاحة للمواطنين. وُجِدت سياسة السعودة في المملكة العربية السعودية والبحرنة في البحرين، والتقطير في قطر والتكويت في الكويت والتعمين في عمان وسياسة توطين الوظائف في الإمارات العربية المتحدة.

بيّنتا لدراسات أن أصحاب الشركات في الخليج يترددون في توظيف المواطنين لأنهم يعتقدون أن المواطنين يطالبون بساعات عمل أقل أو رواتب أعلى (39%)، كما يمكن أن يكونوا أقل تنافسية من حيث التدريب والخبرة (14.5%) بالإضافة الى إمكان تفضيلهم العمل في مجالات معينة (10%).

مع مرور سنوات على مضاعفة الجهود لتوطين الوظائف في الدول الخليجية المختلفة، كيف تسير الأمور اليوم وهل يمكن الحديث عن نجاح للسياسات المعتمدة؟

البحرنة

هدفت سياسية "البحرنة" التي انطلقت في سبعينات القرن الماضي في البحرين في القطاعين العام والخاص، إلى حلّ مشكلة البطالة وخلق وظائف للبحرينيين. لكنها تطورت لاحقاً لتمكين المواطن البحريني من الحصول على أفضل الخدمات التدريبية والتعليمية، وعلى وظائف بأجور أعلى، إضافة إلى بيئة معيشية أحسن، وذلك من خلال حزمة تحفيزات ومميزات لتشجيع القطاع الخاص على توظيفه.

وبرغم أن الدولة فرضت نظام الكوتا على أصحاب العمل بمعدل 50% في التسعينات، فقد اضطرت إلى تقليصها لنسب متفاوتة حسب القطاع في مراحل لاحقة لفشل المشروع الأولي. ومع بداية الألفية الجديدة، عمدت الدولة إلى طرح برامج تدريبية في مجال سياسات البحرنة، وتم تقليص التكلفة بين العامل الأجنبي والبحريني، وأُلغي قانون الكفالة، بالإضافة إلى توفير برامج تدريبية لتلبية حاجة السوق لوظائف دون غيرها.

إلا أن مشكلة البطالة في البحرين لم تحل، فعدد القوى العاملة في ازدياد ونسبة غير المواطنين من القوى العاملة أيضاً (تشكّل ما نسبته 76% من القوى العاملة). نسبة البطالة ما زالت عند 7.5% للفئة العمرية من 19 – 25 عاماً (23% من نسبة العاطلين)، وهي نسبة مرتفعة. ولا يزال القطاع الخاص يعاني من مشكلات البحرنة في الوقت الذي استطاع القطاع الحكومي توظيف غالبية البحرينيين.

يعود فشل البحرنة إلى تركيز سياساتها على جانب العرض دون النظر إلى ما هو متوافر في السوق من احتياجات، عدا أن هناك عشوائية وتضارب في السياسات الاقتصادية، وأخيراً مشكلات سياسية وطائفية انعكست على السياسات التي تطبق في التعليم والتوظيف والمنح وغيرها من المجالات ذات العلاقة.

السعودة

بدأت أولى محاولات السعودة الجادة في العام 1975، وقد باتت نسبة السعوديين اليوم في سوق العمل، موظف سعودي واحد مقابل 3 غير سعوديين، ما يعدّ نسبة كبيرة، غير أن نسبة البطالة مرتفعة في المملكة، وقد بلغت 11.5% بحسب بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات السعودية في نهاية 2013.

يواجه المسؤولون السعوديون تحدياً حقيقياً في توظيف العمال السعوديين في الوظائف المختلفة في البلاد، إذ يقوم برنامج السعودة بالتأكد من تحقيق النسب المطلوبة لتوطين الوظائف حسب النشاط وتزايد تلك النسب تزايداً يجاري الرؤى الاقتصادية، بالإضافة إلى وضع الآليات والإجراءات التي تسهم في قيام المستثمر بالدور الوطني بتوطين الوظائف.

اعتمدت السعودية مشروع تعاون بينها وبين منظمة العمل الدولية يقوم على وضع إستراتيجية ورؤية مشتركة، أكثر من التوجه نحو التدريب لتوطين الوظائف. ولرفع معدلات السعودة في الأسواق السعودية والحدّ من التستّر، تطالب الدولة أصحاب المنشآت بالحصول على شهادة السعودة من وزارة العمل قبل التجديد لهم، سعياً منها لسعودة الأنشطة التجارية والمهن وغيرها التي يُرى أنها ذات مردود مادي جيّد ومحل إقبال من المواطنين.

التكويت

تتبع الكويت سياسة رفع نسب تكويت الوظائف العامة في البلاد منذ أكثر من 20 عاماً وإجراء مسح كامل لجميع الوظائف التي يشغلها الوافدون تمهيداً لإحلال العمالة الوطنية مكانها، في القطاعين الحكومي أو الخاص، إلا أن الكويت ما زالت توظف وافدين في الوزارات ولايزال هناك كويتيون دون وظيفة.

لكن هناك اليوم توجّه لحل مشكلة البطالة من خلال إلزام الحكومة بنسب معينة لتكويت الوظائف الحكومية، وتوجه لإعادة سن قرارات من شأنها أن تدعم اختيار العمالة الوطنية في القطاع الخاص.

بيّن تقرير أصدره صندوق النقد العربي عن البطالة في الدول العربية أن نسبة البطالة في الكويت قفزت إلى 6.9% في العام 2014، من 2.1% في العام 2011، ويعود ذلك إلى أن نحو نصف عدد العاطلين عن العمل في الكويت هم عاطلون باختيارهم.

مستقبل الوظائف في الخليج - إنفوجرافيك حجم القوى العاملة

التقطير

يفضّل القطريون كغيرهم من الخليجيين، العمل في الحكومة أو القطاع العام. فالحكومة تقدم رواتب أعلى، وساعات عمل أقلّ والمزيد من المرونة، بالإضافة الى ظروف عمل أفضل وفوائد غير مالية.

وتقوم سياسة التقطير على اختيار العناصر القطرية المناسبة من الذكور والإناث، وتأهيلهم وتطويرهم من خلال برامج تدريب مرنة للحصول على وظيفة دائمة. ولتطبيق ذلك أهلّت الدولة المواطنين الباحثين عن عمل وفقاً لاحتياجات سوق العمل، كما طوّرت التعليم الجامعي تطويراً يراعي احتياجات سوق العمل من التخصصات العلمية. وتفرض سياسة التقطير تولي الكوادر المواطنة للوظائف العليا والتخصصية، كما تحدّد الوظائف الحكومية الخاضعة للاحلال وتجعل التعيين فيها مقتصراً على المواطنين فقط، وتلزم القطاع الخاص بتحقيق نسبة معينة من التوظيف والاشغال للوظائف بالمواطنين.

يذكر أن قطر سجلت أقل معدل بطالة بين سكانها في العالم العربي بنسبة 0.5% خلال العام 2012، وفقا لتقرير أصدره صندوق النقد العربي عن البطالة في الدول العربية.

التعمين

أصدرت الحكومة العمانية مجموعة من القرارات الوزارية في العام 2003 لتعزيز دور القوى العاملة الوطنية وتدعيم الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص في مجالي التدريب والتشغيل، كما عيّنت نسب التعمين لمجموعة من الأنشطة الاقتصادية ومنها الشرطة والجيش وقيادة سيارات الأجرة، والنقل الخفيف وتعليم قيادة السيارات، ومتاجر بيع المنتجات الغذائية وغيرها.

فرضت وزارة القوى العاملة العمانية كذلك نسبةً لتوظيف المواطنين العمانيين في شركات القطاع الخاص مقابل الموظفين الوافدين (بلغت في أواخر العام 2006 45%) إلا أن هذه النسبة ليست ثابتة وتتغير من وقت لآخر.

وبرغم ذلك لا تزال نسبة البطالة في عمان تصل إلى 5.9% حسب تقرير صندوق النقد العربي عن البطالة في الدول العربية، وهو ما أدى لتظاهرات في العام 2011 نادت بتوظيف العاطلين عن العمل.

توطين الوظائف في الإمارات

كبقية دول مجلس التعاون الخليجي، تعمل الحكومة الإماراتية ضمن إستراتيجية تعزيز فرص توظيف المواطنين والمواطنات وتحفيز الشباب على التوجه نحو إنشاء مشاريعهم الصغيرة والمتوسطة، وتقديم الدعم اللازم لهم لإنجاح مشاريعهم. سعت إلى تطبيق خطة وطنية شاملة تستهدف إيجاد بيئة عمل جاذبة للكوادر البشرية الوطنية في القطاعين الحكومي والخاص، وتقوم على تلبية احتياجات جميع القطاعات من الموارد البشرية الوطنية لضمان توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل.

تبلغ نسبة البطالة بين المواطنين في الإمارات 13%، بحسب رئيس لجنة التوطين في المجلس الوطني الاتحادي. يأتي ذلك نظراً لما يعانيه السوق الإماراتي من اختلال سوق العمل، واختلال التركيبة السكانية، واستمرار التركيز على النمو أولاً، ثم التوطين ثانياً، وهو ما ينشىء وظائف للوافدين وليس للمواطنين، بالإضافة للوجود الكثيف والتحكم الضخم للجاليات الأجنبية بالقطاع الخاص.

تعليقاً على هذه السياسات، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الصياد: "إذا كانت هناك إرادة لتوطين الوظائف فيجب أن تُشرّع، وهو أمر غير كافٍ، إذ من الضروري أن يرفد بسياسات عملية وآليات لتنفيذ السياسات ومتابعتها بفعالية وفق برنامج تنفيذي، مع تقارير دورية عنها للتأكد من تحقيق النتائج المرجوة منها".

وقال لـرصيف 22 "إن مضمون السياسات يجب أن يربط بين تدريب المواطنين لإحلالهم مكان العمالة الأجنبية بحيث يلبّون متطلبات السوق من ناحية المهارات والمعلومات والمعرفة".

يرى الصيّاد "أن النموذج الاقتصادي لدول الخليج لا يخدم سياسات التوطين لأنه قائم على العمالة الرخيصة، وهذا ما يعطيه ميزة تنافسية في الاقتصادات الخليجية سواء في التسويق أو في وضع دراسات جدوى المشاريع المؤسسة على هذا النوع من العمالة، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى تمكين أصحاب الأعمال المحليين في الأسواق المحلية، والمشاريع الموجهة للتصدير، من التنافس في الأسواق المصدرة لها". ويضيف: "ليس من الممكن أن تتخلّى الشركات المحلية عن إحدى الصفات المُشجّعة على التعاطي معها من أجل إحلال العمالة الأجنبية إلا إذا كان هناك ما يعوض هذه الخسارة أو أن هناك إرادة طيّبة".

بحسب الصياد "كانت الإمارات وقطر أكثر جدية في تحويل هذه الرغبة إلى تشريعات ورفدها بسياسات وآليات تنفيذ فعالة ومتابعة وإعداد تقارير، كما أن هناك في الدولتين سياسة واضحة على المستوى الكلي للاقتصاد بالتضحية بالعمالة الرخيصة مقابل إحلال العمالة الوطنية الأكثر كلفة بالنسبة للمؤسسات والشركات".

نزيهة سعيد

صحافية من البحرين، تكتب في مجال السياسة، الاقتصاد، الفن والقضايا الاجتماعية. تعمل في الصحافة المكتوبة، المرئية، المسموعة والإلكترونية. وهي حائزة على "جائزة يوهان فيليب لحرية التعبير والصحافة" للعام 2014.

التعليقات

المقال التالي