التلوث البحري يضرب سواحل جدة، ويهدد ثروته السمكية

التلوث البحري يضرب سواحل جدة، ويهدد ثروته السمكية

كعادته كل مساء، يحمل الشاب المصري أيمن المرشدي (٣٠ عاماً، يعمل محاسباً) صنارته باحثاً عن شاطىء نظيف في جدة لصيد السمك، قاطعاً بسيارته عشرات الكيلومترات، هرباً من التلوث البحري الذي أسهم بشكل فعال في تناقص كمية الأسماك على طول الساحل المتاخم لمدينة جدة في المملكة العربية السعودية. يقول: "بات من الصعب أن تمارس هواية صيد السمك في الأماكن التي تشهد إقبالاً، نظراً لرمي الناس شتّى أنواع النفايات في البحر، مما أدى إلى انخفاض كمية الأسماك في تلك السواحل".

وعلى الرغم من أن البحر الأحمر لا يزال يحتفظ بقدر كبير من نظافته، إذ يعتبر واحداً من أنظف بحار العالم، فإن هناك زيادة ملحوظة في الضغوط البيئية عليه  في السنوات الأخيرة، منها إلقاء مخلفات الصرف الصحي غير المعالج في البيئة البحرية، إضافةً إلى رمي مخلفات السفن والحيوانات النافقة والبضائع التالفة من السفن إلى البحر.

وبما أن السفن التي تحمل موادَّ كيميائية سامة أو نفطاً تزيد من نسبة خطر حوادث انسكاب هذه المواد في البحر، لا بدّ من إجراءات حاسمة لحماية البيئة البحرية من أخطار التلوث الناجم عن السفن. في هذا السياق، أوضح الدكتور زياد أبو غرارة، أمين عام المنظمة الإقليمية للمحافظة على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن، التي تتخذ من مدينة جدة مقراً لها، أن الكثير من الأسماك الغضروفية تعرّضت خلال العقود الأخيرة لضغوط كبيرة من جراء الصيد الجائر الذي يستهدفها، خاصةً مع التطور التكنولوجي لأدوات الصيد. وأشارت دراسات عدّة إلى أن ذلك يؤدي إلى آثار سلبية على النظام البيئي البحري خاصة أن تلك الأسماك معروفة ببطء نموّها ومحدودية تكاثرها بالمقارنة مع الأنواع البحرية الأخرى. وتبيّن الدراسات أن أنواعاً عدة من الأسماك باتت مهددة بالانقراض، وهو ما دفع عدداً من الجهات الدولية والإقليمية، حكومية وطوعية، للعمل على المحافظة على أسماك القرش وحمايتها.

قال أبو غرارة إنّ الهيئة بذلت في إقليم البحر الأحمر وخليج عدن جهوداً للمحافظة على الثروة السمكية، وأجرت دراسات التقييم المنتظمة لرصد وضعهما، ودرّبت الكوادر في مجال إدارة وتقييم المخزون السمكي. كما أعدت الهيئة دليلاً للتعرّف على الأنواع الموجودة في الإقليم وتصنيفها لتسهيل عمليات الإحصاء والمراقبة.

وهنا يؤكّد عبد الله السيّد، شيخ الصيادين في جدة، أن رقعة التلوث امتدت من مدينة جدّة إلى مدينة القنفذة (شمال غرب السعودية)، حيث تأثرت سلباً مواقع صيد السمك، عازياً السبب إلى الصيد الجائر الذي يتم داخل البحر والذي تسبب بانقراض سمك التونة بشكل كبير، إضافة إلى إلقاء مخلّفات الصرف الصحي في البحر، التي أساءت إلى البيئة التي يعيش فيها السمك، في وقت تقوم التيارات البحرية والرياح بجرف التلوث إلى مواقع مختلفة. وأشار إلى أن هذه العوامل أدّت إلى خفض كمية السمك المعروض في السوق، في ظل زيادة عدد السكان وتنامي الطلب عليه.

وقال خالد الشويكي، مدير عام جمعية الصيادين التعاونية: ''انخفض مقدار إنتاج الأسماك في البحر الأحمر خلال السنوات العشرين الماضية نتيجة التلوث الذي يعانيه البحر بنسب تصل إلى نحو 70 في المائة".  وأضاف: "الجهود التي تبذلها بعض الجهات الحكومية في الوقت الحالي، خاصة في ما يعنى بمنع تصريف مياه الصرف الصحي إلى البحر، أسهمت في استقرار كميات الإنتاج النسبي خلال السنوات الخمس الأخيرة لكن ذلك لم يلبِّ الطلب المرتفع". وفي ظل تصاعد معدّلات التلوث في مياه البحر الأحمر، اضطر العديد من هواة الصيد إلى ابتكار وسائل جديدة لصيد السمك من أجل اكتشاف أماكن أكثر نظافة وأقل تلوثاً وتوفر نقاطاً لتجمّع الأسماك.

يقول مراون، وهو مهندس سوري يعيش في مدينة جدة ويهوى ممارسة الصيد، أن الكثير من الصيادين يصنعون قوارب صغيرة من مادة "الفلين"، يمكن من خلالها وضع الطعم المخصص لصيد السمك، وربط القارب والطعم معاً بصنّارة كبيرة، ثم يتم رمي القارب في عرض البحر، مدفوعاً بقوة الرياح التي تحمله بعيداً عن الساحل. يضيف مراون: "تعدّ هذه الوسيلة في صيد السمك واحدة من أكثر الوسائل التي أثبتت أن التلوث البحري يزداد في المناطق القريبة من السواحل المتاخمة للمدينة. فعندما يبتعد القارب تزداد فرص صيد السمك الذي بات وجوده شحيحاً بالقرب من الأماكن الساحلية".

إبراهيم نافع

صحفي اريتري عمل محرراً لدى صحيفة الشرق الاوسط اللندنية وصحيفة عرب نيوز الناطقة باللغة الانجليزية، وعمل سابقاً مراسلاً لدى موقع هافنغتون بوست عربي في منطقة الخليج العربي

التعليقات

المقال التالي