رُبع قرن من المنع ولا يزال حاضراً... أحمد السنوسي يحكي قصته الطويلة مع "الأخ الأكبر"

رُبع قرن من المنع ولا يزال حاضراً... أحمد السنوسي يحكي قصته الطويلة مع "الأخ الأكبر"

بعزيمة لا تخور، يُواجه الفنان المغربي الساخر أحمد السنوسي، المعروف ب "بْزيزْ"، المنع الذي تَفرضُهُ عليه السلطات المغربيّة منذ ما يزيد عن ربع قرن؛ فهو ممنوع من الظهور في التلفزيون ومن تنظيم عروض في القاعات العمومية بقرار صادر من "الفُوقْ"، كما أخبره بذلك عدد من المسؤولين الرسميين المغاربة.

في حواره مع رصيف22، يتحدّث بْزيزْ عن تفاصيل التحقيق بعد الشكوى التي رفعها ضده وزير الداخلية بسبب تدوينة، عن منعه المستمرّ في المغرب، عن موقفه من الخطوط الحمراء في الكوميديا، كما يُقدّم قراءته للفن الساخر في المنطقة.

لنبدأ من الشقّ المتعلّق بوضعك الحالي في المغرب. في ديسمبر الماضي، تمّ الاستماع إليك من الشرطة بناءً على شكوى رفعها ضدّك وزير الداخلية. ما سبب الاستدعاء؟ 

هذا النوع من الاستدعاءات ليس جديداً، فالمضايقات مستمرّة إلى يومنا هذا، ومنها هذه "الإلتفاتة" التي قامت بها وزارة الداخلية باسم الوزير عبد الوافي لفتيت. هذه الوزارة، التي كنت قد سمّيتها سابقاً "أم الوزارات" في أحد أعمالي الساخرة، كونها الأكثر أهمية من كلّ الوزارات الأخرى.

في هذا الإطار يدخلُ استدعائي الأخير. طلبوا مني الحضور إلى مركز الأمن في الدار البيضاء "بشكل عاجل" قائلين إن"الأمر يهُمّني" دون أن أعرف موضوع الاستدعاء، والسؤال: هل يهُمّني أم يهُمّهم؟

لم أعلم بأن موضوع الاستدعاء يتعلّق بشكوى من الوزير إلا عند بداية الاستماع إليّ من عناصر الشرطة القضائية؛ فعِوَضَ الاستماع لمطالب الجمعيات والمنظمات الحقوقية لرفع المنع الذي طالني لأكثر من 25 سنة، تُصرّ السلطة على تَذكيري بأنّ "الأخ الأكبر" يراقبني ويراقب كل المطالبين بالحريّة والكرامة.

فوجئتُ حين تبيّن أن السبب تدوينة كتبتها منذ عام ونصف، عبّرت فيها عن تضامني مع الحراك الذي شهدته منطقة الريف، ومع فنانيه الذين اعتُقِلوا. وقد تركزت أسئلة الاستنطاق على الكلمات والتعابير التي وردت في تدوينتي، بما فيها النقطة والفاصلة وعلامة الاستفهام؛ وأنا احتفظ لنفسي بعلامة التعجّب!

هذا الاستدعاء هو استمرار للمنع الذي أتعرّض له منذ 25 عاماً، وحين طُرِحت عليّ الأسئلة بخصوص ما جاء في التدوينة، تبيّن لي أن الغاية ليست مضامين تلك التدوينة، بقدر الإمعان في المزيد من المضايقات التي ظلّت تَطالُني من السلطة في المغرب، فهل يُعقَل أن يسألوني:"هل أعطيت الإذن لمن أعاد نشر التدوينة على فيسبوك"؟! فبعد منعي من وسائل الإعلام العمومي ومن القاعات العمومية واعتقالي ومنع جريدتي الساخرة "الهدهد" بعد نشر ثلاثة عشر عدداً بداية ثمانينيّات القرن الماضي، اليوم يُريدون منعي من وسائل التواصل الاجتماعي.

هل سبق لك وأن عرفت من أعطى الأوامر لمنعك بصفة نهائية في المغرب؟

حين يلتقيني بعض المسؤولين بعد انتهاء مهامهم يتأسّفون على المنع حتى دون أن أسألهم. يُشيرون بإصبعهم إلى الأعلى، قائلين بصوت مُنخفض "رَآه المنع دْيالْكْ جايْ منْ الفُوقْ" (قرار منعك صادر من أعلى)!! دون أن يُحدّدوا بالضبط من المقصود بـ "الفُوقْ"!

بعد طول غياب عن التلفزيون الرسمي والقاعات العمومية، هل يتعرّف عليك الناس اليوم في الشارع؟ خصوصاً وأنك كنت وجهاً معروفاً خلال السبعينيات والثمانينيات؟

الذي طال ليس الغياب وإنما التغييب والمنع والإقصاء، ثم إنك قُلت التلفزيون الرسمي، وكأن لدينا تلفزيونات غير رسمية في المغرب، وفي القرن الـ21 وفي زمن الثورة التكنولوجية لا يوجد عندنا في المغرب إلا التلفزيون الرسمي. كانوا يُراهنون من خلال الاستمرار في منعي على عامل النسيان، لكنهم لم ينجحوا في ذلك، فالجمهور هو من ينشر ويُعيد نشر أعمالي، لأن لا شيء تغيّر اليوم؛ فمضامينها تعكس الواقع الحالي في بلد يعيش شعبه وكأنه في قاعة انتظار كبرى.

هل لدى "بزيز" خطوط حمراء في الفن الساخر؟

مقولة "الخطوط الحمراء" التي تحتمي بها السلطة، تقتل الإبداع والخيال والفن والفنان نفسه، والامتثال لأي خطوط حمراء يجعل الفنان يفرض الرقابة على نفسه (الرقابة الذاتية)، ويُسهّل مأمورية رقيب السلطة… السلطة هي التي تتجاوز - وبعُنف - كلّ الخطوط والألوان.

في الحقيقة، الأنظمة غير الديمقراطية والاستبدادية هي من تضع خطوطها الحمراء أمام كل أشكال الإبداع التي تنتصر لقضايا الحرية وللقضايا الإنسانية، وعبر التاريخ نجد أن السخرية واجهت الحكام المستبدين.

أقوال جاهزة

شارك غردحين يلتقيني بعض المسؤولين بعد انتهاء مهامهم يتأسّفون على المنع حتى دون أن أسألهم. يُشيرون بإصبعهم إلى الأعلى"... عن أحمد السنوسي المعروف بـ"بزيز" وقصته الطويلة مع الحصار الرسمي

شارك غرد"يخاف المسؤولون من السخرية لسبب بسيط وعميق، فأنظمة الاستبداد لا تقوم على مبادئ أو مواثيق أو قيم، وإنما تقوم فقط على الحفاظ على هيبة الحاكم. إن سقطت الهيبة ظهرت الحقيقة..."

أمَّا بالنسبة للخطوط الحمراء التي أشرت إليها، فهناك فنانون ساخرون مصابون بعمى الألوان، لا يفرّقون بين خطوط خضراء أو حمراء أو زرقاء، وأنا واحد منهم!

ولكن هل يمكن السخرية من أيّ شيء بدون ضوابط؟

هذا السؤال يُطرح بقوة هذه الأيام في أوروبا، وهو سؤال يُعدّ بالنسبة لي "تَرفاً" لأننا ممنوعون من السخرية أصلاً، وليس لنا الهامش الكبير للساخرين في أوروبا الذي جعلهم يتمرّدون على الخطوط الحمراء القديمة والموروثة من مُحرّمات وتابوهات، وبدأوا يتمرّدون ضد الخطوط الحمراء الجديدة التي وضعتها بعض اللوبيات ذات النفوذ والتي تسعى إلى تجريم وتحريم أيّ انتقاد لها.

وبالنسبة لي فإن الخطوط الحمراء الوحيدة هي عدم الاستهانة بالكرامة الإنسانية وقيم الحرية والمساواة، لذلك أقول دائماً: أنا لا أسخر من العاهات الفردية للأشخاص، بل أسخر من العاهات السياسية التي تُريد أن تجعل من مجتمعاتنا كائنات معاقة ومشلولة فاقدة للإرادة، تُملى عليها القرارات ولا تملك الحق في مناقشتها، بل لا تملك الحق البسيط في طرح السؤال . لقد تعبنا من الأجوبة الجاهزة، ونريد أن ندخل عصر السؤال.

لماذا منع السخرية بالذات ولماذا يخاف الحاكمون منها بنظرك؟

أنظمة الاستبداد لا تمنع السخرية بشكل منهجي، بل تلجأ إلى نهج انتقائي؛ فالسخرية التي تريدها هذه الأنظمة وتدعمها وتفتح أمامها أبواب الإعلام الرسمي هي تلك السخرية التي تُهاجم المعارضين للنظام وتنال من سمعة المفكرين الأحرار وكل المبادرين إلى الإصلاح الذين يرفضون أن يكون الفساد هو القاعدة.

لسبب بسيط وعميق في نفس الوقت، فأنظمة الاستبداد لا تقوم على مبادئ أو مواثيق أو قيم، وإنما تقوم فقط على الحفاظ على هيبة الحاكم، فإن سقطت الهيبة ظهرت الحقيقة التي كانت تُخفيها الطقوس والبهرجة، ولو كانت هذه الهيبة مُستمدَّة من نظام قِوامُه العدل والمساواة والحرية؛ لما سقطت أبداً.

لذلك فإن محور السخرية الأساسي هو مساءلة هذه الهيبة، وهل تأسّست على سند صحيح أم هي مجرد ذرّ للرماد في الأعين، تُخفي عن الشعب حقيقة حاكميه؛ وكان أحدُ العلماء العرب القدامى قد قال: "إذا أرادَ الله إسقاط حاكم أسقط هيبته من القلوب أولاً".

حدثنا قليلاً عن نشأتك وبداياتك...

وُلدت قرب مدينة الجديدة، لكنني نشأت في مدينة الدار البيضاء بتناقُضاتها الصارخة. هذه المدينة كانت نواة الحركة الفنية المغربية، ومكّنتني من الالتحاق بـ"الكونسرفاتوار" والعمل إلى جانب فنانين كانت لهم تجربة وتمرّس، ما جعلني أدخل الميدان متشبّعاً بما درسته من فنون مسرحية وموسيقية، وشاركت في عدة أعمال إلى أن خُضت بنجاح تجربة الثنائي الساخر.

لما نضجت تجربتي الشخصية، وجدتُ أنه عليّ أن أُجدّد اختياراتي الفنية النابعة من قناعاتي، فغادرت تجربة الثنائي حتى أتمكن من تحمّل مسؤولية اختياراتي وقناعاتي بمفردي، وقد أنجزت خلال تلك المرحلة عدّة أعمال ساءلت واقعنا المغربي والعربي، من بينها "عرس الذيب" الذي تطرّق إلى ملابسات العالم العربي جرّاء حرب الخليج، وهو آخر عمل سُمح لي بعرضه أمام الجمهور؛ ثُم تلاه قرار المنع النهائي.

لم أستسلم، بل اتخدت قراراً بتعميق دراستي الفنية، والتحقت بمعهد "جاك لوكوك" في باريس. وإذا كانت المسارح وقاعات العروض والقنوات الرسمية مغلقة في وجهي، فإن الحرم الجامعي المغربي احتضنني وكسر طوق الحصار؛ كما أنني تواصلت مع الجمهور بحرية في فرنسا وهولندا وغيرهما، وفي كندا والولايات المتحدة الأمريكية.

وبشكل مواز عُدت إلى هوايتي القديمة، أي الفن التشكيلي حيث لم أعُد أغادر المرسم إلا قليلاً، ما أتاح لي كسر الحصار المادي نظراً لرواج لوحاتي؛ ولأن يد الرقيب لم تمتد بعد للفنون التشكيليّة!

عمر الطالب

صحافي مغربي من الرباط يتابع دراسته في كلية الحقوق مهتم بالشأن العام وله مساهمات مع مواقع مغربية عديدة.

التعليقات

المقال التالي