لم ترد "الحسبة" نصّاً في القرآن أو السنة، فهل كان لها جذور في الثقافة الجاهلية؟

لم ترد "الحسبة" نصّاً في القرآن أو السنة، فهل كان لها جذور في الثقافة الجاهلية؟
من أعمال خالد Sacred Lins

ألغت أغلب الدول العربية ما يعرف بـ"الحِسْبَة" بمفهومها الفِقْهيّ من قوانينها، ولكن أثرها لازال موجوداً في مجتمعاتنا، وهو فرض الوصاية على الغير من منطلق إيماني، باستخدام بعض ثغرات في مواد قانونيّة هنا أو هناك. رغم السمعة السلبية التي اكتبستها الحسبة اليوم بسبب تدخّلها بالقوانين والحريات المدنية، إلا أنها قامت بدور أساسي في حضانة وتنظيم المجتمعات الإسلامية في العهود الأولى.

فما هي الحِسْبَة؟ وهل هي أمر إسلامي واضح؟ أم أخذها المسلمون عن ثقافات أخرى، خاصّة من عرب ما قبل الإسلام في الجاهليّة؟

ما هي الحِسْبَة؟

مصطلح "الحِسْبَة" والقائم عليها "المُحْتَسِب" لم يَرِدَا نصّاً في القرآن أو السنّة، ولكن الفقهاء الذين وضعوا أحكامهم حولها، انطلقوا إليها من وصيّة القرآن في آيات متعدّدة بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"

كلمة "الحِسْبَة" أو "اِحْتِسَاب"، أو "مُحْتَسِب"، كلها ترجع إلي الجذر "حَسِبَ". وتحتوي المعاجم على معنيين رئيسيين لها، أولهما الحساب (بمعنى الجمع والطرح... الخ)، والثاني هو "الاحْتِسَاب" بمعنى السعي إلى مكافأة. وهناك معنى ثالث وهو التدبير أو الإدارة، ومن هذا المعنى قد يكون جاء منصب "مُحْتَسِب البلد"، وهو الشخص الذي يُدير المدينة، أو الشخص الذي يعترض مخالفات الناس في مدينته، كما عرّفه مرتضى الزبيدي في "تاج العروس من جواهر القاموس".

مصطلح "الحِسْبَة" والقائم عليها "المُحْتَسِب" لم يَرِدَا نصّاً في القرآن أو السنّة، ولكن الفقهاء الذين وضعوا أحكامهم حولها، انطلقوا إليها من وصيّة القرآن في آيات متعدّدة بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ومن هنا اعتبرها أبو حامد الغزالي (تـ.1111م/505هـ)، واجباً على كل مسلم، وأنها من علامات كمال المؤمن، بحسب "إحياء علوم الدين".

أما أبو الحسن الماوردي (تـ.1058م/450هـ) الفقيه المنظّر لأمور السياسة من منظورٍ فقهيّ إسلامي، فيرى في كتابه "الأحكام السلطانيّة"، أنها ليست واجباً على الجميع، بل يُشترط وجود هيئة تابعة للدولة تقوم بها، ومن خلالها تنظّم الأسواق، وكذلك الشؤون الدينيّة والأخلاقيّة للمجتمع.

في نظر معظم الفقهاء فإن الحِسْبَة مسألة شرعيّة، توجب أن يكون "المُحْتَسِب" مُلِمّاً بأحكام الشريعة الإسلاميّة، بحسب الماوردي، وبناءً على ذلك يتمّ تعيين المُحْتَسِب من قبل قاضي القضاة، بموافقة خليفة المسلمين.

وبناءً على ما سبق تمَّ وضع كل المؤلفات عن الحِسْبَة، خاصة ما وضعه الماوردي، بحسب دراسة للباحث في الدراسات الإسلامية Ahmad Ghabin، بعنوان "بعض الأصول الجاهلية للحِسْبَة Some Jahli origin of the hisba"

وهكذا، أصبح المُحْتَسِب في الإسلام شرطياً وفي نفس الوقت قاضياً مدنيّاً لديه سلطة على الشؤون الدينيّة وغير الدينيّة، يتدخّل لحلّ النزاعات التجاريّة والمعاملات المدنيّة، وفي نفس الوقت يتابع أداء أفراد الشعب للصلاة في موعدها، مع باقي فرائض الإسلام، وكذلك يقوم على صيانة المساجد، والصحّة العامّة، ولتنفيذ ذلك فإن لديه سلطة استخدام إجراءات عقابيّة تعذيريّة ضدّ المخالفين، فهو شرطي وقاضٍ في الوقت ذاته.

ومع فتاوى كالتي وضعها أبو حامد الغزالي حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كواجب على كلّ مسلم امتدّ أثرها إلى زماننا، رغم إلغاء وظيفة المُحْتَسِب.

هل للحِسْبَة جذورٌ في ثقافات قديمة؟

بعض الباحثين الجُدُد رأوا أن نظام الحِسْبَة مستمدّ من البيزنطيين واليونانيين، والبعض رأى أن لها أصولاً رومانيّة ويهوديّة، ولكن الدراسة الجديدة اتجه في دراسته إلى أن لها أصولاً مستمدّة من عرب الجاهليّة، باعتبار أن الإسلام نشأ في هذه الأرض بين هؤلاء الناس، ومن المنطقي أن يتأثر النظام الجديد بما سبقه، خاصّة وأن هناك اتفاقيات عُقدت أثناء الجاهليّة استمرّت في الفترة الإسلاميّة كحِلْفِ الفضول، وكذلك استمرّ النظام القبلي العشائري، وعادات أخرى كثيرة.

أقوال جاهزة

شارك غردألغت أغلب الدول العربية ما يعرف بـ"الحِسْبَة" بمفهومها الفِقْهيّ من قوانينها، ولكن أثرها لازال موجوداً في مجتمعاتنا، وهو فرض الوصاية على الغير من منطلق إيماني، باستخدام بعض ثغرات في مواد قانونيّة هنا أو هناك.

شارك غرد"راية الغدر": في سوق عكاظ كان يُعاقَب من يخون أو يُخطئ بتشويه سمعته، وتُرفع له ما عرف بـ"راية الغدر" في السوق، ويلقي أحدهم خطاباً إلى الناس ليعلمهم أن "فلاناً" قد غدر أو ارتكب خطأ، كنوع من التجريس له، مع الدعوة لمقاطعته، وعدم البيع والشراء له أو منه، وقد يصل الأمر لطرد المخالف من قبيلته وتشريده من وطنه.

الحِسْبَةُ والمُحْتَسِب في الجاهليّة

المُحْتَسِب في الدولة الإسلاميّة كان يقضي معظم وقته في السوق، وهذا الرابط الدقيق (المُحْتَسِب والسوق) مهمّ هنا.. فهل كان هناك مُحْتَسِب في أسواق العرب قبل الإسلام؟ وهل كانوا بالتنظيم الذي يدفعهم إلى ذلك؟

وفقاً للمصادر العربيّة كانت شبه الجزيرة العربيّة موطناً لأسواق مثل "عكاظ، الحجر، الحيرة، دومة الجندل، المشقر.. وغيرها، وكانت معظم هذه الأسواق تقامُ بشكلٍ سنوي، كمراكزٍ للتجارة والمقايضة المحليّة والتجمّعات الثقافيّة لقبائل الجزيرة العربية.

كانت حركة العرب منظّمة بشكل جيد، فكانوا يذهبون للأسواق خلال أوقات محدّدة، خلال مواسم الحجّ في الأشهر الحُرُمِ، ويدفعون "الأعشار" إلى قادة ومنظّمي السوق، وتُوفَّر لهم الحماية، وعُقدت بها أنظمة قضائيّة، لمنع إراقة الدماء والمنكرات عموماً، ويمكن قراءة ذلك في مصادر عدّة، منها تاريخ اليعقوبي، وأسواق العرب في الجاهليّة والإسلام لسعيد الأفغاني.

وفي سوق عكاظ كان يُعاقَب من يخون أو يُخطئ بتشويه سمعته، وتُرفع له ما عرف بـ"راية الغدر" في السوق، ويلقي أحدهم خطاباً إلى الناس ليعلمهم أن "فلاناً" قد غدر أو ارتكب خطأ، كنوع من التجريس له، مع الدعوة لمقاطعته، وعدم البيع والشراء له أو منه، وقد يصل الأمر لطرد المخالف من قبيلته وتشريده من وطنه.

ولم يكن هذا الإجراء خاصّاً بالسوق فقط، وإنما إعلامُ مَنْ في السوق بأمر المخطئ كان ضرورة، لحجم مرتاديه الكبير، ولتجنيبهم خيانته، وكفرصة لإذلاله.

ولكن الأمر كان يحدث أيضاً في غير وقت السوق، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكر ابن حبيب البغدادي في كتابه "المحبر"، من أن عبد الله بن جدعان أحد سادات قريش وسيّد كنانة، هدّد عامر ابن قرّة برفع راية الغدر له، إذا لم يفِ بعهده ويتزوّج ابنته.

كذلك تبرّأت قبيلة خزاعة من أميرها وشاعرها قيس بن الحدادية، لما وُصِفَ بـ"أفعاله المخجلة"، ورفعت قبيلة كندة راية الغدر لعامر ابن جوين، لأنه خان امرؤ القيس (الشاعر الشهير) عندما سافر للقاء إمبراطور بيزنطة.

وما يعنينا من هذا الإجراء بشكلٍ أساسي، هو التشهير بالمخالف وإذلاله وتجريسه، وهو ما كان يحدث في ظلّ نظام الحِسْبَة في العصور الإسلاميّة، كما سنرى.

كذلك كان حكيم بن أمية بن حارث بن الأوقص السلمي، حليف بني أمية، يعمل كمُحْتَسِب لقريش في الجاهليّة، "يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر"، بحسب ابن الكلبي (ت819 م – 204هـ)، الذي يبدو أنه الراوي الرئيسي لتلك الرواية، بحسب دراسة Ghabin.

وفي روايات أخرى: كان حكيم قائماً على سفهاء قريش يردعهم ويؤدبهم بناءً على اتفاق قريش معه، وكان يحاسب المخالفين ويحبسهم، ويطردهم إلى خارج ديارهم.

"أطوف بالأباطح كل يوم مخافة أن يشرّدني حكيم"، هكذا كان يقول بعض سفهاء قريش، معربين عن خوفهم من حكيم، بحسب ما ذكر ابن حزم في "جمهرة أنساب العرب".

وذكر أحمد بن يحيى البلاذري (تـ.892م/279هـ)، في كتابه "أنساب الأشراف" نصّاً: "وكان حكيم مُحْتَسِباً في الجاهلية، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويؤدّب الفسّاق، ويحبسهم وينفيهم".

ويعلّق Ghabin على تسمية البلاذري والكلبي لحكيم بـ"المُحْتَسِب" بأنهما سمّياه كذلك انطلاقاً من مهام وظيفته التي كانت تشبه وظيفة المُحْتَسِب في العهد الإسلامي، ولكن أغلب المصادر لم تمنح حكيم هذا اللقب. 

بين مُحْتَسِب الإسلامِ ومُحْتَسِب الجاهليّة

مع الدولة الإسلاميّة، نجد مؤسّسات مماثلة لما كانت عليه أسواق الجاهليّة، غير أنها تطورت وصارت أكثر رسميّة وديمومة.

كان الأمن في أسواق الجاهلية مضموناً إمّا بقداسة المكان - مثل حرمة الحرم حول الكعبة - أو بانعقاد الأسواق في الأشهر الحرم، وكان تشغيلها المنظّم في أيدي موظفين مختلفين:

الشخص الذي يُقيم السوق كان عادة زعيم قبيلة قوي، ويسمى بـ"صاحب المنطقة"، ويجمع الأعشار من التجّار في السوق، مقابل تنظيمه، وفي سوق عكاظ كان هناك مسؤول عن حلّ النزاعات، بحسب ما يرصد Ghabin في دراسته.

ومع الدولة الإسلاميّة ، نجد مؤسّسات مماثلة لما كانت عليه أسواق الجاهليّة، رغم أنها صارت أكثر رسميّة وديمومة.

في الفترة المبكّرة من الإسلام، في عهد النبي والخلفاء الراشدين، كان هناك مُحْتَسِب على السوق ولكن تحت مسمّيات "عامل" أو "صاحب" تلك المصطلحات التي سادت في الجاهليّة، ولم يظهر مصطلح "المُحْتَسِب" إلا في بداية القرن الثاني الهجري، بحسب كتاب "جمل من أنساب الأشراف" للبلاذري.

فكان يقال للمُحْتَسِب في عهد الخلفاء الراشدين "صاحب الصدقات"، أو"صاحب المدينة"، أو "صاحب الشرطة"، ورصد ابن حبيب في "المحبر"، قائمةً طويلةً ممن منحوا لقب "صاحب الشرطة"، بدأها منذ عثمان بن عفان، كما رصد ابن حزم في "جمهرة الأنساب" سبعة من المسؤولين في العهد العبّاسي، كانوا يلقبون بـ صاحب "فارس، البصرة، مصر، الشام، الحجاز، الجزيرة، الكوفة".

دون شك، فإن مصطلح "صاحب" يشير إلى مسؤول لديه سلطة على مكان أو على بعض المهام الإداريّة في ذلك المكان، لذلك، ليس من الغريب أن تكون إحدى المسمّيات الأولى لمسؤول السوق في المدينة المنوّرة الإسلاميّة هو "عامل السوق" أو "صاحب السوق".

وتوجد أوجه تشابهٍ وثيقة بين مُحْتَسِب الجاهليّة ومُحْتَسِب الإسلام فيما يتعلّق بالإجراءات العقابيّة المتخذة ضدّ المخالفين، فكما رأينا، كان المخالف في الجاهليّة تشوّه سمعته ويُجرّس، ويعزّر ويُنفى خارج البلاد.

وكان التشهير العلني، ولو بطرق مختلفة، من أكثر الوسائل شعبيّة التي استخدمها "مُحْتَسِب الإسلام" ضدّ المخالفين.

ومن العقوبات التي استخدمها "مُحْتَسِب الإسلام"، كانت إلباس المتهم قبعةً مخروطيّة (طرطور) مصنوعة من اللبّاد، وبها قطع من القماش الملوّن، مزينة بأصداف بحرية وذيل ثعلب أو قطة، وكذلك كان المُحْتَسِب يأمر بركوب المتهم على حمار ووجهه إلى الخلف، أو يركب جملاً، ويُطوّف به في المدينة لتجريسه بين الناس، كما ذكر عبد الرحمن بن نصر الشيزاري في "نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحِسْبَة الشريفة".

كذلك كان يمكن التشهير بالمخالفين من الرتب العليا، كما حدث مع الطائفة الزيديّة، في اليمن، في بداية القرن الخامس الهجري، بخلع عماماتهم عن رؤوسهم في الأماكن العامة على الملأ، بحسب دراسة ليحيى بن حسين النونو، بعنوان "نظام الحِسْبَة عند الزيديّة: دراسة مقارنة بالمذاهب الأربعة".

بالإضافة إﻟﯽ ذلك، كان يمكن للمُحْتَسِب أن يأمر المتهم بالاعتراف بجريمته علناً، إذلالاً له، بحسب دراسة النونو.

أما النفي عن الوطن الذي كان يمكن للمُحْتَسِب الجاهلي ممارسته، فكان أيضاً من سلطة مُحْتَسِب الإسلام، الذي كان من سلطاته إبعاد اﻟﺤﺮﻓﻴﻴﻦ واﻟﺘﺠﺎر ﻣﻦ اﻟﺴﻮق وإبعاد الزناة والأﺷﺨﺎص اﻟﻤﺸﺒﻮﻫﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ، وفق ما يتراءى له، بحسب ما ذكر ابن طلحة في "العقد الفريد للملك السعيد".

لماذا الحِسْبَة في الجاهليّة؟

في القرن الخامس الميلادي، أي قبل الإسلام بمائتي عام تقريباً تبلورت مكّة كمركزٍ تجاري، باعتبارها تتوسّط الطريق التجاري بين اليمن والإمبراطوريّة البيزنطيّة التي كانت تسيطر على الشام، وباعتبارها مركزاً دينياً يضمّ الكعبة التي يحجّ إليه العرب.

كما أعطت حضارة العرب الجنوبيين (اليمن) دفعة من التنظيم والتحضّر لحياة البدو عموماً في منطقة الحجاز، بحسب ما ينقل Ghabin عن ما ذكره الباحث الكبير عرفان شهيد.

وزاد نفوذ مكّة التجاري، وتطوّرت تجارة الترانزيت بها، خاصّة بعد هزيمة الفُرْسِ على يد القبائل العربيّة في معركة ذي قار (604-610م)، وفشل الجهود البيزنطيّة لتأسيس نوع من التأثير في مكة، وكان لتجارة الترانزيت، بحسب ما ذكر الباحث روبير سيمون Robert Simon في كتابه "Meccan trade and Islam - تجارة مكة والإسلام".

احتياجات مكّة التجاريّة المتنامية كانت تتطلّب قيادةً وتنظيماً مناسبين، داخل وخارج مكة، وكانت معاقبة المخالفين حفاظاً على سمعة قريش أساسيّة بجانب إجراءات أخرى.

جدُّ النبي، هاشم بن عبد مناف،حصل من الإمبراطور البيزنطي على خطابٍ يضمن الأمان للتجّار المكّيين الذين يزورون سوريا، وبعده، حصل ثلاثة من إخوته على مواثيق مشابهة، من حكّام اليمن والحبشة وبلاد فارس، وهكذا، وضع هاشم وإخوته الأسس للتجارة الدوليّة لقريش.

وداخل مكة وُضع "إيلاف قريش"، وهو اتفاقٌ أمني متعدّد الأطراف من زعماء قبائل قريش، مع قبيلة عبد مناف "هاشم وإخوته". كما عقدت قريش تحالفات واسعةً مع القبائل الأخرى في شبه الجزيرة العربيّة، على أساس الدفاع المتبادل، وتأسيس نظام "السلم المكّي Pax Meccana"، والاعتراف بمكانة المكّيين وتجارتهم، وإقامة التعاون الاقتصادي المستند إلى المصلحة العامة.

كالحلف الذي أُقيم بين مكّة وقبيلة تميم، شمالي شرق الجزيرة العربية، وفي مقابل هذا الحلف أعطت قريش لتميم إدارة سوق عكاظ.

وكذلك الحلف الذي أُقيم مع حوطة بن علي، سيّد بني حنيفة، الذي اعتاد حماية القوافل الفارسيّة في أرضه، وإقامة سوق المشقر في البحرين باعتباره "صاحب اليمامة" نيابة عن الإمبراطور الفارسي بعد عام 572م.

وهل كانت ممارسات جاهليّة لتستمرّ في الإسلام؟

لم ينكر النبي ما كان يفعله العرب، وإذا كان السوق هو المكان الذي يقضي فيه المُحْتَسِب وقته، وكانت المعاملات التجاريّة مسألةً أساسيّةً جداً في عمله، يمكننا رصد بعض الأمور التي توضّح أن هناك عادات جاهليّة تتعلق بالنشاط التجاري استمرّت في الإسلام.

وضمن هذه الممارسات كان "حلف الفضول"، الذي أُبرم بعد قضية خُدع فيها تاجر من زبيد (مدينة يمنية) بمكّة على يد العاص بن وائل، حيث اجتمعت عشائر قريش - وحضر النبي هذا الاتفاق رغم حداثة سنه وقتها، قبل بعثته بسنوات- فيما عدا بنو عبد شمس، وبنو نفيل، وعقدوا حلفاً وتعاهدوا بالله ليكونوا يداً واحدةً مع المظلوم على الظالم حتى يُؤدّى إليه حقه... وعلى التأسّي في المعاش، فسمّت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.

وأضاف الزبير بن بكار (تـ.870م/256هـ)، وكان قاضياً في مكة، أن اتفاق التحالف شمل أيضاً عبارة: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". ونلاحظ أن نفس العبارة هي شعار الحِسْبَة في الإسلام.

وكذلك نصَّ الاتفاق على تنفيذ اتفاقية الحلف على أي شخص، حتى ولو كان من سادة قريش، وبالطبع عبيدها، كان ذلك بمثابة إنقاذ لسمعة قريش التجاريّة بين العرب، وفعلياً مشوا إلى العاص وانتزعوا حقّ التاجر اليمني منه، بحسب المتواتر في المصادر.

الاتفاق ظلّ سارياً حتى الفترة الإسلاميّة المبكرة، وقال النبي إنه لو دُعي لمثله – بعد أن صار نبياً- لأجاب، بحسب المصادر، ومنها "البداية والنهاية" لابن كثير.

وكان بين الحسين بن علي بن أبي طالب، وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، والوليد يومئذ أمير المدينة خلال خلافة معاوية بن أبي سفيان، منازعة في مال، وكان الوليد قد ظَلَم الحسين، مستغِلّاً سلطته، فهدّد الحسينُ الوليدَ بأن يستلّ سيفه ويذهب إلى مسجد النبي ويدعوا إلى تطبيق حلف الفضول على الوليد، إن لم ينصفه، وانضمّ عبد الله بن الزبير وعدد من أهل المدينة إلى الحسين، وهدّدوا الوليد بدعمه إن لم يعطه ماله، فاستجاب الوليد وردّ للحسين ماله، بحسب ابن كثير.

النبي أيضاً حين أقام سوقاً في المدينة المنورة بعد هجرته إليها حاكى سوق عكاظ، حيث زار النبي سوق بني قينقاع (اليهود) فقال لصحابته هذا ليس لكم بسوق، ثم ذهب إلى سوق آخر فقال هذا ليس بسوقكم، ثم عاد إلى المكان الذي أقيم به سوق المدينة، فقال: "هذا سوقكم، فلا ينتقصنّ ولا يضرب عليه خراج"، بحسب سنن ابن ماجه.

وبحسب دراسة Ghabin، قد يعتبر إقامة سوق بدون خراج، محاكاة لما كان يحدث في سوق عكاظ، وهو ما وصفه عمر ابن شبة (تـ.262هـ) - المؤرخ والمحدث الذي يُصنّف كثقة- في كتابه "تاريخ المدينة"، بأن الرسول تصدّق على المسلمين بأسواقهم.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي