منحوتات نور عسلية.. هشاشة تُحادث الموت

منحوتات نور عسلية.. هشاشة تُحادث الموت

أربع صور للعين نفسها، مرتّبة عموديا، واحدة تنظر يسارا، الأخرى يمينا، واحدة لأعلى وأخرى لأسفل. كل صورة للعين موضوعة داخل قطعة زجاجية تبدو مأخوذة من أصل أكبر.

حين تبقى لبرهة تنظر إلى العين في أوضاعها الأربعة، ينتابك شعور وكأن صاحبتها/صاحبها يحتضر، يحدّق في موت يحوم من حوله. أربع لحظات للعين نفسها، مؤطّرة في قطع زجاج غير منتظم الحواف، تلك الأعين هي عين النحّاتة السورية نور عسلية في عملها الذي يظهر فيه كما يظهر في غيره – على اختلاف الطرق – انشغال وهمّ بما يمكن أن يسمّى "مُحادثة الموت"، في لحظة هشاشة الكائن.

أقوال جاهزة

شارك غردقد يحيل هذا القماش الأسود الشفاف الرقي إلى موت يلفّ وجود كل منّا، على حدة، منفصلا، في عذاباته، وإن كنا جميعا في العُلبة/ الغرفة/ البيت/ المدينة/ الحياة نفسها.

شارك غردجوهر النحت المعاصر يكمن في تساؤلات حول "المادة، ببعديها الفيزيائي والمفاهيمي لها الدور الأساسي لتشكيل العمل النحتي"

ولدت نور في حماه، عام 1984، وتخرجت في كلية الفنون الجميلة في دمشق، قسم النحت عام 2005. نالت شهادة الماجستير في علم الجمال وتاريخ الفن المعاصر من جامعة باريس الثامنة، عام 2013. أقيم لمنحوتاتها معرض فردي في دمشق عام 2012، وشاركت في معارض جماعية في دمشق وحمص وتدمر ولبنان والجولان المحتل وإسطنبول.

نور الباحثة تنشغل في رسالة الدكتوراة التي تعمل عليها هذه الفترة على مفهوم الهشاشة في النحت في النصف الأول من القرن العشرين. كيف يتماس هذا المفهوم مع لحظة الموت، أو لحظات ما قبل الموت. كيف يظهر في عجز الكائن في عملها النحتي. أصرّ على أن أسميه الكائن لأن التعبير عن هذا الكائن في عملها يحضر من خلال بعض منه: أعين، أيد، أوجه. دون أن تغادره الهشاشة في كيفية حضوره، دون أن يغادره موت يحوم في أفق الحيز الذي يشغله.

في عملها "رسالة إلى فيرجينيا وولف"، المكوّن من 16 قطعة نحتية وضعت في صندوق أسمته "علبة الذكريات"، نرى وجوها وأيد مغطاة بقماش أسود شفاف. وجوه مغمضة الأعين، بعضها يواجه الناظر إليها وبعضها الآخر يأتيه من هيئة جانبية.

أيد منفردة قليلا وكأنها تبحث عن من يمسك بها طالبة نجاة، تبحث عن معنى ما أصبح عسيرا الإمساك به.

أيد أخرى تنقبض وكأنها تُمسك نفسها عن الموت الذي يشدّها إليه. هدوء وانطفاء تشي بها بعض الوجوه، معاناة أو قرب نهاية المعاناة في البعض الآخر من الآخر. ليست الهشاشة هنا فقط في هذا الخفوت الانفعالي للقطع، بل أيضا في القماش الأسود الشفاف الرقيق، سهل التمزّق، الذي يلفّ كل قطعة. قد يحيل هذا القماش إلى موت يلفّ وجود كل منّا، على حدة، منفصلا، في عذاباته، وإن كنا جميعا في العُلبة/ الغرفة/ البيت/ المدينة/ الحياة نفسها.

ثمّة ما هو ملفت في المادة التي تصنع منها الوجوه والأيدي. أتحيّر فيها، فأسألها عنها، لتخبرني أنها مادة صلصالية تحتوي على أنسجة لتصبح مقاومة ضد الكسر بعد الجفاف، لكن ملمسها ونتيجتها البصرية تشبه إلى حد كبير الطين المشوي. أفكّر في هذا الحضور للهشاشة كأثر لعمل مادته نفسها تقاوم الكسر وتشي بأنها مادة أخرى - هي الطين المشوي، كنتيجة بصرية. 

ليس هذا فقط ما أفكر فيه، حين تخبرني بمادة المنحوتات، بل يقفز ذهني مستعيدا عملا آخر لها، تضع فيه أحد هذه الوجوه داخل مادة زجاجية كريستالية، وكأنها تحفظه، أو تحنّطه. وجه خامد بلا حياة تقريبا، وسط مادة تبدو وكأنها مائع منقوع فيه الوجه، داخل هذا الحافظ الزجاجي.

أستوضح منها أكثر، محاولا تلمّس ما وراء "عملية الخلق" هذه، المادة الأولى المكوّنة لها. فتبوح لي بأن المادة الشفافة هي ريزين كريستال، وهي عبارة عن مادة سائلة يتم خلطها مع مادة أخرى ليتم التفاعل، ثم يجب سكبها وهي سائلة ثم تتصلب خلال ١٢ ساعة تقريبا، بالنتيجة يصبح الوجه ضمن مادة صلبة تماما، وإن بدا مخادعا، وكأنه داخل حافظ زجاجي به مائع.

حفظ أو تحنيط لوجه خامد/خامل. كلمات تبدو بعيدة عن سياقات الهشاشة، وإن بقيت تُحادث الموت. تُحادث الاحتضار الذي يشي بالموت. في عمل آخر لها يظهر جزء من وجه، والفم مفتوح قليلا، موضوع فيه، أو محشور فيه بالأحرى ريش طيور. أتذكّر معرفتي بأن والدها كان يعمل في تحنيط الطيور، فيتسارع في ذهني سؤالي لها عن أمر الريش، من أين تتخلّق لديها هذه العلاقة بين الريش والجسد الإنساني الميت، وهل يأتي حقا من رؤيتها لعمل والدها في صغرها، فتخبرني بأن ذكرياتها مع والدها أقرب لأن تكون محركاً أساسياً لعملها النحتي:

"كان أبي يعمل في تحنيط الطيور والحيونات من أجل تحصيل مردود مادي إضافي لكونه مدرّس لمادة علم الأحياء. كان هذا التخصص هو بداية اهتمامه بالتحنيط. ببساطة أعتبر أنني أقلد والدي، أنا أحنّط الوجه، قد أتجاوز ذلك لتحنيط اللحظة".

تُضيف ببوح هادئ، "حتى على المستوى التقني، كنت قد استعرت تقنية الصبّ داخل الريزين من والدي، وكذلك فهمي لدور الضوء وتأثيره البصري على القطع النحتية المصبوبة بالمادة الشفافة".

تتذكر وعلى وجها ابتسامة: "كان أبي قد حنّط عدة كائنات صغيرة، عقرب، جراد، خنفس.. بهذه الطريقة، أي بقيامه بسكب الريزين الشفاف حولها ليحفظها، مع الوقت ولأن نوعية الريزين كانت بجودة منخفضة خفّت شفافيتها، فصار كلما أراد عرضها لي وجهها نحو عين الشمس لتبرز بوضوح."

فم موضوع فيه ريش. ليس علامة موت فقط، بل علامة تكبيل قبل الموت. التكبيل أيضا يحضر كمفهوم في عمل نور. بإحدى منحتوتها نجد يدا ملفوفة بالأربطة. ليست الأربطة مشدودة على نحو كاف لتكبِّل حركة أصابع الأيدي، لكنها حاضرة، وإن كان حضورها "هشّا". ثمّة دلالة هنا على أنه ليس ضروريا أن يكون مصدر تقييدك عتيّا بقدر شكل العلاقة بين من أين يأتي التكبيل، وطبيعة الكائن.

أفكر في عملها البحثي؛ هذه الأشكال العدّة لحضور الهشاشة في منتجها، هل لبحثها أثر فيها إيجابياً أو سلبياً.

أثر يجعلها مثلا ككونها باحثة كثيرة التفكير بشكل سلبي أثناء عملها النحتي؟ ومن هنا أفكّر فيما هو أوسع من المنتج النحتي الذي تأتينا به نور، متحرّكاً إلى فضاء النظر إلى أي عمل نحتي بالأساس. هل يتداخل كونها نحّاتة، مع كونها باحثة في أي من الاتجاهين.

هل هذا التداخل سلبياً أو إيجابياً: "تخصصي في العمل النقدي قد لا يلعب دورا واعيا أثناء العملية الفنية، أي في لحظة تنفيذ العمل، لكن لاحقا عندما أقرر أن هذا العمل للعرض أم لا، تظهر سطوة الفكر النقدي، تظهر غالبا على شكل تساؤلات عديدة أولها وأهمها بالنسبة لي حول مادة العمل، أي خامات العمل، فهذا السؤال بالنسبة لي هو جوهر النحت المعاصر، المادة ببعديها الفيزيائي والمفاهيمي لها الدور الأساسي لتشكيل العمل النحتي".

تُضيف: "بشكل مجرد، أعتقد أن التخصص كباحث في الفن يمنح حماية من الناحية المعنوية بمعنى أن امتلاك أدوات قياس تسمح باستقراء مبدئي لسوية وقيمة العمل الذي يتم إنجازه، والحماية الأخرى التي يمنحها التخصص النظري تتمثل ببساطة بامتلاك مهنة أخرى، تسمح بخلق مسافة من التساؤل حول المردود المادي المحتمل الذي يمكن للعمل الفني أن يحققه للفنان".

النحت بالورق، المفهوم الغريب بالنسبة لتصورنا عن النحت، يظهر عندها في مجموعة كولاج عن الأيائل.

النحت بالورق، المفهوم الغريب بالنسبة لتصورنا عن النحت، يظهر عند نور عسلية في مجموعة كولاج عن الأيائل

في هذه المجموعة تبعد نور كثيرا عن محادثة الموت بشكل كثيف ويظهر فيها قدر من الصفاء الذي قد يبدو مفاجئا للوهلة الأولى. قطع من ورق بألوان عدة تتداخل كطبقات وفيها جميعا تظهر أيائل مرسومة بالقلم الرصاص، سواء رؤوس أيائل أو حضور كامل لها.

يمكن أن نعثر على أوصال بين مادة هذه المجموعة وبين استخدامها لورق الرز الياباني في التغليف، الذي استخدمته فنيا في وضعه كطبقة فوق إحدى صورها الشخصية.

"أفكّر، أليس التغليف هو الآخر شكل من أشكال التحنيط، يصنع مسافة بينك وبين الشيء، يحفظه بطريقة ما! تُعيدني كلمة التحنيط هذه متذكرا جملة قالتها نور خلال حديثي معها: "لا يمكنني اختصار تأثير مشغل أبي ومهنة التحنيط خاصته، هي منبع توجهاتي الحسية على كل صعيد".

ربما هناك، في ذكرى ذلك المشغل القديم، الذكرى المشوّشة من أثر مرور الوقت، عثرت نور على شيء من ذلك الصفاء النادر، الذي يستجلبه أثر الأيائل في منحوتاتها الورقية الهشّة.

محمود حسني

صحافي ومترجم مصري، مساهم في مدونة "قراءات" وفي جريدة القاهرة الثقافية الأسبوعية، ويكتب النقد الأدبي لمجلة إبداع.

التعليقات

المقال التالي