إسرائيل الدخيلةُ على مهرجان الأغنية الأوروبية في مرمى سهام مناهضي الاحتلال

إسرائيل الدخيلةُ على مهرجان الأغنية الأوروبية في مرمى سهام مناهضي الاحتلال

وصلت إسرائيل إلى مهرجان الأغنية الأوروبية "يوروفيجن" الذي ينظمه اتحاد الإذاعات الأوروبية متأخرةً 18 عاماً، حين تم إقحامها في المهرجان عام 1973 وهي ليست دولة في أوروبا ولا علاقة لها بالاتحاد الأوروبي إلا كشريك مثل عدة دول من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، لكن لأن إسرائيل منبوذة في الشرق الأوسط وأجزاء واسعة من آسيا التي تنتمي إليها جغرافياً بسبب احتلالها فلسطين، كان لا بد من إدراجها في رقعة جغرافية أخرى، فكانت أوروبا الأنسب، لكونها الأكثر "جُرماً" بحق اليهود مثلما تقول الرواية الإسرائيلية.

مشاركة إسرائيل في يوروفيجن لم تكن مسترسلة فقذ غابت عن عدة دورات: أعوام: 1980، 1984، 1994، 1996، و1997.

ثم عادت لتغيب أعوام: 2004، 2007، 2011، 2012، 2013، و2014.

هذا العام يقام مهرجان الأغنية الأوروبية في الأراضي المحتلة، لأنها جرت العادة أن تُقام دورة كل عام في البلد الذي فاز العام الذي سبقه، والعام الماضي فازت المُغنية الإسرائيلية ناتا بارزيلاي في النسخة الـ 63 من المهرجان المقامة آنذاك في العاصمة البرتغالية لشبونة. 

لكن دورة هذه السنة لها جوانب سياسية أكثر تعقيداً، فالدورة تقام على أراضٍ محتلة، يرعاها نظام فصل عنصري انتهك حقوق الإنسان وقتل الآلاف. وعلى رأس الأصوات المنادية بمقاطعة يوروفيجن هذا العام حركة مُقاطعة إسرائيل BDS.

المُسابقة التي يُنظمها اتحاد الإذاعات الأوروبية مُنذ عام 1956 ستجري هذا العام في الـ 18 مايو المُقبل في الأراضي المحتلة فيما تشهد المُدن الفلسطينية انتهاكات يقودها جيش الاحتلال، هذا بالإضافة إلى تناقض رسالة المهرجان التي تدعو إلى الحب والسلام، لكن المهرجان يذهب هذا العام إلى أكثر مسارح الأرض انتهاكاً للكرامة الإنسانية، أرض يرتفع فيها جدار الفصل العنصري الذي حوّل حياة الفلسطينيين إلى جحيم.

إعلان اتحاد الإذاعات الأوروبية إقامةَ المُسابقة في تل أبيب بدل القدس خوفاً من "مقاطعتها عالمياً" لا يمكن أن يخفف من فداحة المشهد، حتى وإن كانت قوانين المهرجان تنص على إقامة الدورة في البلد الذي فاز قبل عام، والفائز هنا محتل واضح للعيان، منتهك لحقوق الأطفال وبشدة. 

الغناء وسط القنابل

يقام مهرجان الأغنية الأوروبية هذا العام خارج النطاق الأوروبي، في عقر دار الشرق الأوسط، بعد أشهر قليلة على إقرار الكنيست الإسرائيلي في مايو الماضي أن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وأن القدس عاصمة إسرائيل، ولغتها الرسمية هي العبرية بعد أن كانت العربية "شبه رسمية".

يعني يقام مهرجان غنائي أوروبي على أرض لا فقط محتلة بل تعيش رسمياً وبشكل علني "أبهى عصور" التفرقة العنصرية، وللتذكير فقط يُشرع القانون الإسرائيلي الاستيطان فينص على أن "تنمية الاستيطان اليهودي من القيم الوطنية، وستعمل (إسرائيل) على تشجيعه ودعم تأسيسه".

الفائزة محتلة كذلك 

في حوارٍ مع المُغنية الإسرائيلية ناتا بارزيلاي مع "بي بي سي" عقب فوزها العام الماضي في المُسابقة ورداً  على "أول أمر ستقوم به" فور عودتها إلى إسرائيل، أجابت: "الحُمص!" أي أنها ستتناول الحُمص ناسبةً كغيرها من الإسرائيليين الطبق الشامي الشهير إلى إسرائيل، كغيره من الأطباق التي سرقتها إسرائيل من فلسطين ونسبتها لنفسها.

 ذِكرها الحمص، يذكرنا بأن فلسطين منهوبة بالكامل أرضاً وتراثاً، وربما حتى الغناء الذي يصدح أحياناً تحت الأسقف الإسرائيلية لا يتردد في السطو على جملة موسيقية عربية من هنا ووزن شعري عربي من هناك. 

قالت بارزيلاي على المسرح في ختام دورة العام الماضي التي شاهدها أكثر من 200 مليون شخص من مُختلف أنحاء العالم: "المرة القادمة في إسرائيل! أنا سعيدة جداً لتقبلكم الاختلافات الموجودة بيننا. شكراً لكم لاحتفالكم بالتنوع"، بعدما أدّت أُغنية "Toy" المُنددة بالتحرش الجنسي. وكانت إسرائيل قد فازت بمسابقة يوروفيجن ثلاث مرات في 1978 و1979 و1998.

في عام 2009 مثّلت كُل من ميرا عوض ونورة إسرائيل في المهرجان الذي أقيم في موسكو بأغنية من تأليفهما بعنوان There must be another way أي يجب أن تكون هُناك طريقة أُخرى، الأغنية تضمّنت جملا بالإنجليزية والعبرية والعربية، وقالت "لأنه لا يوجد عنوان واحد للأحزان" وتم تسويق الأغنية وكأنها أغنية تبعث "الأمل" في نفس كُل من ضاقت به الحياة، ولكنها تحمل بين طيّاتها رسائل سياسية أبرزها أن هُناك طريقة أُخرى لـ "حل" القضية الفلسطينية، لا تلك التي يتمناها الفلسطينيون.

لا ليوروفيجن 2019 في إسرائيل!

بينما حلّت الإسرائيلية ناتا بارزيلاي ضيفةً على مرحلة التصفيات، 19 يناير الماضي، في فرنسا لاختيار الموهبة التي ستُمثل البلاد في المُسابقة المُقامة في إسرائيل (قبل أن يُعلَن الأحد اختيار الشاب المغربي الأصل بلال حسني ليمثلها) صعدت فتاة كانت وسط الجمهور إلى المسرح حاملة لافتة كُتب عليها: لا ليوروفيجن 2019 في إسرائيل!

وتعليقاً على الحادثة قالت بارزيلاي إن هُناك من يتعمد نشر "الظلام" لافتةً إلى أن عدم اهتمام الفتاة بـ "الحُب والموسيقى" لن يُزعجها أبداً. ووفقاً للإعلام الفرنسي، تنتمي تلك الفتاة التي ناشدت مقاطعة المهرجات إلى حركة مُقاطعة إسرائيل BDS.

وتحت ضغوط حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" BDS على الفنانين العالميين لمُقاطعة المُسابقة، مُنذ أن تم الإعلان عن مكان إقامتها، كشفت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، سبتمبر الماضي، عن رسالة دعا فيها 140 فناناً إلى مقاطعة مُسابقة "يوروفيجن" المُقامة في دولة الاحتلال هذا العام احتجاجاً على حرمان الشعب الفلسطيني من الحرية والعدالة والمساواة في الحقوق وقالوا في الرسالة: في الـ 14 من مايو، بعد أيام قليلة من فوز إسرائيل باستضافة مهرجان الأغنية الأوروبية، قتل جيش الاحتلال 62 متظاهراً لا يحملون أسلحة في غزة، وكان من بينهم 6 أطفال.

وأضافوا: "نُدرك تماماً أن اتحاد الإذاعات الأوروبية يُطالب إسرائيل بإيجاد موقع غير مثير للخلاف للمُسابقة ولكن يجب عليه أن يلغي تلك الاستضافة بشكلٍ كامل، ونقلها إلى دولة أخرى ذات سجل أفضل في احترام حقوق الإنسان".

ومن بين الموقعين على الرسالة كان المؤسس المُشارك لفرقة "بينك فلويد" البريطاني روجر ووترز، والموسيقي الأسترالي L-FRESH the Lion، أحد أعضاء لجنة تحكيم مُسابقة يوروفيجن عام 2018، والفائز بلقب يوروفيجن في عام 1994 الإيرلندي تشارلي ماكغيتيغان، والروائي الكندي الإسباني يان مارتل، والكاتبة المسرحية الأمريكية إيف إنسلر التي نادت بمُقاطعة الحدث الذي سيُقام "في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل انتهاكاتها الخطيرة والمستمرة منذ عقود لحقوق الإنسان الفلسطيني"، إلى جانب فنانين من بلجيكا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا وإيطاليا والنرويج والسويد والبرتغال وسويسرا.

ووقّع ستة إسرائيليين على الرسالة، مُعترضين على انتهاكات دولتهم، وهم: أفيعاد ألبرت، ميخال سابير، أوهال غريتسر، يوناتان شابيرا، ودانييل رافيتسكي والفنان دافيد أوب.

وأعلنت الفرقة البريطانية The Tuts يوم 24 يناير الجاري رفضها تمثيل بلادها في مسابقة "يوروفيجن" قائلةً في تغريدة على تويتر: طُلب منّا المشاركة في يوروفيجن 2019 لتمثيل بريطانيا ولكن نظراً لإقامتها في إسرائيل، فجوابنا هو لا!

وشُنت حرب "افتراضية" على الفرقة التي تضم ثلاث فتيات، فقال أحد مؤيدي دولة الاحتلال: "لم نكن نعلم بوجودكن حتى.. شكراً لرفضكن.. إنه معروف كبير للمملكة المُتحدة". فيما قال آخر بسُخرية: يا إلهي.. إسرائيل قاومت ثلاثَ حروب كُبرى لكنني لست متأكداً ما إن كانت ستقاوم رفض الفتيات الثلاث!

أقوال جاهزة

شارك غرددورة هذا العام، تكتسي بعداً سياسياً أكثر بكثير من سابقاتها، فالدورة تقام على أراضٍ محتلة، يرعاها نظام فصل عنصري انتهك حقوق الإنسان وقتل الآلاف.

شارك غردالغناء ليس فعلاً سياسياً يقول المدافعون عن "حق" إسرائيل باحتضان المهرجان، متناسين أن إسرائيل هي أكثر من يسيّس كل شيء شاهرةً تهمة معاداة السامية بوجه كل منتقديها..

شارك غردمُسابقة "يوروفيجن" تذهب هذا العام إلى أكثر مسارح الأرض انتهاكاً للكرامة الإنسانية، أرض يرتفع فيها جدار الفصل العنصري الذي حوّل حياة الفلسطينيين إلى جحيم.

توظيف الفن لتلميع وجه الاستعمار

دعت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) ونقابة الصحفيين الفلسطينيين وشبكة المنظمات الثقافية الفلسطينية، أعضاء اتحاد البث الأوروبي والدول المشاركة والمتسابقين والجمهور إلى مقاطعة المُسابقة المُقامة في إسرائيل مُتسائلةً: هل كانت مسابقة "اليوروفيجن" ستعقد في دولة جنوب إفريقيا إبان نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)؟.

واقترحت أن يكون شعار المُسابقة هذا العام: توظيف الفن لتلميع وجه الاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي.. يوروفيجن 2019، لافتة إلى ضرورة المُقاطعة لتجنب التواطؤ مع النظام الذي تتبعه إسرائيل و"التعامل معه وكأنه طبيعي"، وفقاً لما ذُكر في الدعوة المنشورة على موقع حركة مقاطعة إسرائيل.

حركة احتجاجية خارج مقر أس بي أس

وطالب ممثل حركة مقاطعة إسرائيل في استراليا حلمي دباغ، في نوفمبر الماضي، مجلس إدارة قناة أي بي أس SBS الأسترالية بُمقاطعة المهرجان هذا العام  فلا يُمكن للقناة تحسين صورة دولة قائمة على التمييز العنصري، مُضيفاً: لا يمكننا كأستراليين القبول بذلك من أس بي أس التي تُمثلنا.

ووجه رسالة إلى الشعب الأسترالي قائلاً إن "النظام العنصري" يُعد أكثر سوءاً  من نظام الفصل العنصري الذي كان موجوداً في جنوب أفريقيا والذي ناضل نيلسون مانديلا للتخلّص منه.

شروط 

وكان اتحاد الإذاعات الأوروبية قد اشترط على إسرائيل منح تأشيرات دخول لجميع الزوار بغض النظر عن آرائهم السياسية، بعد أن مررت إسرائيل عام 2017 قانوناً يسمح للسلطات برفض دخول مؤيدين لمقاطعة الدولة اليهودية أو مستوطناتها في الضفة الغربية إلى إسرائيل.

وطالب الاتحاد برفع أي قيود دينية على إجراء تمارين موسيقية أيام السبت، وهو يوم الراحة اليهودي الذي يبدأ مساء يوم الجمعة وينتهي مع غروب شمس يوم السبت.

مهرجان هذا العام الذي يقام فوق أراضيٍ محتلة، سيحضر فيه التاريخ بشكل أثقل من جغرافية أوروبا التي ستحمل نفسها لتحل ضيفة على إسرائيل التي أتت بها إلى المهرجان بشكل استثنائي مستقوية على حدود الجغرافيا بحجة إنصاف اليهود بعد ظلمهم من قبل النازية والفاشية في أربعينيات القرن الماضي.

الغناء ليس فعلاً سياسياً يقول المدافعون عن "حق" إسرائيل باحتضان المهرجان، متناسين أن إسرائيل هي أكثر من يسيّس كل شيء شاهرةً تهمة معاداة السامية بوجه كل منتقديها.

فرح السعدي

صحافية أردنية حاصلة على بكالوريوس إعلام من الجامعة الأمريكية في دبي وعلى شهادة في الإنتاج الرقمي ورواية القصص، وشريكة مؤسسة لموقع "بدنا نحكي فن".

التعليقات

المقال التالي