معرض القاهرة الدولي في حُلة أكثر أناقة و"عصرنة"

معرض القاهرة الدولي في حُلة أكثر أناقة و"عصرنة"

تحدًّ كبير ستكون وزارة الثقافة المصرية على موعد معه فور انطلاق معرض القاهرة الدولي للكتاب، يوم الأربعاء، بعدما قررَتْ التخلي عن مقره التقليدي بأرض المعارض في مدينة نصر، ليظهر في حُلة أكثر أناقة و"عصرنة" بمنطقة التجمع الخامس، البعيدة عن التكتلات السكنية للعاصمة القاهرة.

تزامن هذا الانتقال مع حلول الذكرى الذهبية (الخمسين) لإقامة المعرض، خلال هذه الأعوام المنصرمة اعتاد المصريون، طيلة 35 عاماً، على ارتياد منطقة مدينة نصر لزيارة أرض المعارض، وهي منطقة قريبة نسبيًا من جميع خطوط المواصلات، كما أنه تم افتتاح محطة مترو أنفاق بالقرب منها، أمور ضمنت تدفقًا كبيرًا من الحضور على المكان، لدرجة اعتُبر معها أحد أعلى معارض الكتاب في العالم زيارة (قارب عدد الزوار الـ5 ملايين فرد في «معرض 2018»).

وبهذا يكون هذا المقر الثالث لعُرس مصر الثقافي بعد أن استضافته أرض المعارض بالجزيرة دوراته الأولى من 1969 وحتى 1983، ثم انتقل بعدها إلى مقره بمدينة نصر بدءاً من العام 1984م وحتى هذه السنة.

لطالما عانت الدورات السابقة من مشاكل جمّة في التنظيم، فصالات العرض ليست صالحة لحماية الكتب وإنما هي مجرد خيم بلاستيكية سهلة الانهيار في لحظات العواصف أو الأمطار الغزيرة، كما أن أماكن الخدمات العامة كالحمّامات والمطاعم غير مُهيأة لخدمة كل الأعداد التي تفدُ للمكان، علاوة على عدم وجود أي خدمة استعلامات يمكن عبرها معرفة أسماء الكتب وناشريها وأماكن وجودها، بجانب انتشار القمامة وضعف إضاءة الصالات وغيرها من الأمور التي ما كان لمعرض دولي بهذا الحجم أن يفتقدها، لذا كان قرار الانتقال لمكان آخر لا بديل عنه.

تُقام هذه الدورة بمشاركة 35 دولة و1273 ناشرا للكتب، ومن المتوقع أن يشهد أكثر من 600 حفل توقيع للكتب يشارك بها عدد من كبار كتّاب الوطن العربي مثل أمير تاج السر وإبراهيم نصر الله وإبراهيم الكوني وعبده خال وهشام مطر، وأكثر من 2500 ناقد أدبي.

وأعلنت وزارة الثقافة، أن المقر الجديد تبلغ مساحته أكثر من 45 ألف متر (أقل من مساحة المقر السابق التي بلغت 700 ألف متر)، وبدلاً من تقسيم المعرض إلى عددٍ كبيرٍ من الصالات، فإن التوزيع الجديد اكتفى بتحديد 4 قاعات فقط واحدة للكتب الدينية والتراثية وأخرى للناشرين العرب، فيما تم تخصيص الاثنتين الأخرتين لدور النشر المصرية وكُتب الأطفال.

قام رصيف22 بزيارة إلى مقر المعرض الجديد قبل أيام من افتتاحه، حيث اطلع على كواليس الإنشاءات التي يجري وضع اللمسات الأخيرة عليها قبل أيامٍ معدودة من الافتتاح.
صحيح أن المكان بعيد، استغرق الذهاب إليه أكثر من ساعة بسيارة خاصة، لكنه شديد النظافة والترتيب، الأسوار عالية وبواباته حصينة يحرسها أفراد أمن مُدربون جيداً تتحقق من هوية كل مَن يدخل تابعون لشركة "فالكون" المفضلة للحكومة المصرية فهي التي تولت تأمين الرئيس السيسي قبيل إعلان ترشحه للرئاسة عام 2014، ويُعتمد عليها حتى الآن لحماية أبواب الجامعات وخطوط المترو، وفعاليات كُبرى نظمتها الدولة مؤخرًا مثل مؤتمر "مصر تستطيع" ومعرض "إيديكس" للصناعات الدفاعية.

بالداخل، نكتشف أن نظام تسليم الكتب مختلف تمامًا عن الماضي، فبينما كان يتم الاعتماد على العمالة اليدوية في حمل "الكراتين" من عربات النقل إلى الصالات، هذه المرة تقف أوناش شحن صغيرة تنقل كافة الحمولة بلا مشقة ولا تكلفة على الناشرين.

أقوال جاهزة

شارك غردتُقام الدورة الـ50 لمعرض الكتاب بمشاركة 35 دولة و1273 ناشرا للكتب، ومن المتوقع أن يشهد أكثر من 600 حفل توقيع للكتب لعدد من كبار كتّاب الوطن العربي مثل أمير تاج السر وإبراهيم نصر الله وإبراهيم الكوني وعبده خال وهشام مطر، وأكثر من 2500 ناقد أدبي.

على نفس التصميم الذي بُني عليه معرض الشارقة أتت الصالات الجديدة لمعرض القاهرة "التجمعي"، حجم كل صالة عرض بالغ الاتساع، منظمة جيدًا وموزعة على جميع دور النشر التي حجزت وفقًا للمساحة التي طلبتها، الإضاءة جيدة جداً، فالكشافات العملاقة موزعة بشكل دقيق يكفل توزع الضوء في أرجاء الصالة، وفي السقف تم تعليق يافطات عملاقة كدعاية لدور النشر التي حجزت مساحة أكبر من 110 أمتار. 

كما تم اعتماد نظام جديد يُطبق لأول مرة وهو تخصيص مساحة واحدة لأي دار نشر، مع منعها من تسويق كُتب غيرها، وبالتالي فإن القارئ هذه المرة سيكون على موعدٍ مع مكانٍ مُحدد يجد فيه بغيته من الكتب من ناشرها مباشرة، لا مبعثرة هنا وهناك على المكتبات ومختلف الناشرين في جنبات المعرض كالماضي.

بخلاف الدورات السابقة أيضًا، فتم تحديد أيام معينة قبل الافتتاح للناشرين بعضها لتوصيل الكُتب لأجنحتهم وأخرى لترتيبها على الأرفف. أما عن حالة الأجنحة فهي بالقطع أفضل بمئات المرات مما كانت عليه بالسابق سواءً في قوة الجدران والأرفف أو المساحة والتهوية، بعدما تم الاستغناء عن "الألوميتال" الخفيف الذي كانت تُصمم منه الأجنحة قديمًا، مع وجود عددٍ كافٍ من الحمامات وأبواب الطوارئ، وتخصيص أماكن منفصلة لاحتساء المشروبات واستخدام الإنترنت.

هل يفتتح السيسي المعرض؟ أكد أحد المنظمين داخل الصالات لرصيف22، أن الرئيس السيسي سيفتتح هذا المعرض بنفسه، مرجحاً أنه قد يحضر في أحد الأيام السابقة لافتتاحه الرسمي، وهو ما رجحه أيضاً مصدر أمني رفض ذِكر اسمه. وبذلك سيكون هذا هو الظهور الأول للسيسي في الحدث الثقافي الأبرز في مصر، بعدما غاب عن حضوره في المرات الأربعة التي جرى بها تنظيم المعرض منذ وصوله لحُكم مصر، وإن كان خبر حضوره لم يُعلن رسميًا حتى لحظة كتابة سطور هذا التقرير.

نسخة ذهبية

يقول الدكتور شوكت المصري المشرف العام على فعاليات معرض الكتاب، لرصيف22، إن المعرض السابق وخدماته المتدنية "مشهد مؤسف" وكان إصلاحه سيكبد الحكومة 24 مليون جنيه لبناء قاعات لحدث لا يستغرق سوى أسبوعين، لذا كان القرار بالتخلي عن المقر القديم والانتقال لآخر جديد.

ويضيف: "كان البديل أمامنا هو مقر الأوبرا أو مركز المؤتمرات، وكلاهما لا يتسع لحدث عالمي يحضره الملايين سنوياً، لذا كان أفضل خيار لنا هو مركز مصر للمعارض بالتجمع الخامس، وهو وإن ابتعد عن سكان القاهرة نسبياً، وبمسافة لا تستغرق 20 دقيقة من مدينة نصر، إلا أنه اقترب كثيراً من سكان المحافظات، والذين كانوا يتجشمون عناءً بالغاً لاجتياز شوارع العاصمة المزدحمة وصولاً للمعرض".

وأتبع بأنه "تم توفير عدد كبير من خطوط النقل العام التي تنطلق من أكبر ميادين القاهرة ويتراوح سعرها من 3 لـ8 جنيهات، وستضمن للمسافرين خدمة مريحة ورخيصة للذهاب والعودة".

وهو الرأي الذي يخالفه فيه سامح فايز عضو لجنة الشباب بالمعرض، معتبراً أن سعر التذكرة يُمثل تحدياً كبيراً للدورة الحالية، فأسرة متوسطة الحجم من 4 أفراد، تحتاج تقريباً لـ100 جنيه ذهابا وعودة لمنزلها، وهذا قبل أن نتحدث عن أسعار الكتب الغالية، ما يجعل تكلفة زيارة المعرض كبيرة فعلاً على قطاعات واسعة جدًا من المصريين، الذين مازال دخل عائلهم لا يحقق سقف الكفاية الأدنى، وسنرى تأثير ذلك فور بدء أيام الافتتاح.

مواعيد مع الكبار

يؤكد "المصري" أن المعرض يطرح أنشطته للمرة الأولى في مجلة إلكترونية على "فيسبوك"، وذلك إلى جانب مجلة المعرض التي تخرج مطبوعة وهي إشراف الكاتب الصحفي أسامة الرحيمي، وقناة المعرض على اليوتيوب.كما ستُتاح لأول مرة قائمة بالكتب المطروحة بالأجنحة لتيسير الوصول إليها، مضيفًا أنه تأكد حضور أكثر من 400 كاتب من أنحاء العالم لفعاليات المعرض.

يقول الروائي والناشر أدهم العبودي؛ المُشارك بتنظيم برنامج "ملتقى الشباب" لرصيف22، أنه شعر باستقلالية كبيرة في عمله، ولهذا استطاع صنع توليفة من أبرز وجوه الكتابة التي حققت حضورا في مصر، وهم على موعد مع قرائهم بالمعرض، وسيتناولون موضوعات شديدة الأهمية كالأدب الأكثر مبيعًا، وأدب الرعب، وشعر العامية، والأدب الساخر، وأدب التصوف والتاريخ والنفس.

فيما يؤكد سامح فايز عضو لجنة الشباب بالمعرض لرصيف22، أنه سيستضيف أغلب المبادرات الشبابية المؤثرة في الوسط الثقافي المصري والتي فاز بعضها بجوائز المعرض العام الماضي، كما سيتيح دماء جديدة من شباب المبدعين، علاوة على تنظيم حفلات توقيع مجمعة في جناح مخصص لذلك.

غياب سور الأزبكية

يرى "العبودي" أن مشكلة السور ظلت دائماً مع تزوير الكتب، بما يُضرُّ بصناعة الكتاب عموماً وحق الناشر والمؤلف، والسور لم يكن ممنوعاً من الأساس ولكن جرى خلاف بين الباعة والحكومة على اشتراطات وجودهم، ولا يتوقع العبودي مع ذلك أن غيابه سيضر بأعداد رواد المعرض.

فيما يؤكد "المصري" أن هناك عدداً من البائعين الكبار في سور الأزبكية سيشاركون بمعروضات "غير مزورة"، وأيضًا ستشارك كبرى المؤسسات الصحفية بـ"سور أزبكية جديد" يعرض الكتب بأسعار زهيدة، وأعمال شديدة القيمة، كما تقدم الهيئة العامة للكتاب وقصور الثقافة سلاسلها بأسعار في متناول القراء ومدعومة من الدولة، وكلها لروائع الأدب والفكر ولأكبر الكتاب العالميين.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي