المانيفستو، نصّ ليس كمثله شيء

المانيفستو، نصّ ليس كمثله شيء

حيّر بروفيسور الرياضيات تيد كازينسكي مكتب المباحث الفيدراليّة لمدة 17 عشر عاماً، فبعد أن ترك منصبَه كمدرّس جامعيّ، قام بتنفيذ سلسلة من التفجيرات والأعمال الإرهابيّة التي راح ضحيتها ثلاثة أشخاص وجُرح 23.

وعام 1995، اشترط أنه سيتوقّف عن "نشاطه" لدى نُشر المانيفستو الذي كتبه في "الصحف المرموقة"، حينذاك قامت صحيفتا النيويورك تايمز والواشنطن بوست بنشر "مانيفستو المجتمع الصناعي ومستقبله"، الذي يدعو فيه كازينسكي للثورة، ونسف النظام القائم ومؤسساته الماديّة من أبنية وشركات، لتحرير الإنسان واستعادة كرامته.

بالنظر إلى الثقافة العربية ومحاولات إنتاج مانيفستو قادر على تغيير الثقافة والشكل السياسي إلى جانب إعادة تكوين "العالم" والعلاقة مع الموجودات، يحضر النص القرآني بوصفه المثال الأشد وضوحاً، فهو يؤسس للموجودات وللغيب، كما أنه مواجهة مع الماضي وقطيعة معه

بالنظر إلى الثقافة العربية ومحاولات إنتاج مانيفستو قادر على تغيير الثقافة والشكل السياسي إلى جانب إعادة تكوين "العالم" والعلاقة مع الموجودات، يحضر النص القرآني بوصفه المثال الأشد وضوحاً، فهو يؤسس للموجودات وللغيب، وتتسلل خصائصه إلى كل ما هو قائم. كما أنه مواجهة مع الماضي وقطيعة معه، فهو النص الوحيد الذي يدافع عن نفسه بنفسه، ويقدم نفسه كبرهان على وجوده وصحة ما يحويه، هو الذي لا ريب فيه، وهو مرجعية التحكيم والتقييم التي مازالت سارية حتى الآن.

إيقاعٌ صاخبٌ يبشّر بشكل جديد من الحياة

رغبة الأناركي كازينسكي بانتشار أفكاره للعلن في مواجهة النظام القائم، تتجلّى في إصراره على نشر "المانيفستو" على أنّه رسالته للعالم، واعتبره شكلٍاً أدبياً وسياسيّاً يحدّد نقطة علّام في التاريخ المليء بالأمثلة التي يظهر فيها المنافيستو كـ"نص" يبشّر ببداية مستقبل جديد، كحالة البيان الشيوعي المنشور عام 1848، ومانيفستو المستقبليين الذي نشره الإيطالي فيلبو مارينتي عام 1909، والذي ترسّخ إثره المانيفستو كجنسٍ أدبي وفنيّ إشكاليّ، ذو خصائص جماليّة وآثار واقعيّة.

هناك سحرٌ آسر يحيط بالمانيفستو، وهالة تكسبه جديّة ورهبة، حتى لو لم تنفّذ أي كلمة به، هذه الهالة مرتبطة بالتكوين الداخلي له، والأسلوب الذي يُكتب به إن كان نصّاً، إذ يحوي نقاطاً محدّدة وواضحة، وخطةً منهجيّةً في سبيل الخلاص، كبرنامج جمالي وسياسيّ يكشف عيوب العالم ويحدّد وسيلة إصلاحه، هو حسب ما يصفه ترتسان تزارا، أحد كتاب مانيفستو الدادا:" كاكتشاف آني لدواء ما، يعالج السفلس الأدبي أو السياسيّ أو الفني".

هذا "الدواء" الذي يحمله المانيفستو مرتبط بنقده القاسي لشكل سياسي أو فني ما، هو يهدّد تماسك "الآن" ويرفضه، في ذات الوقت يبشرّ بجماليات جديدة وخطوات واضحة للعمل في سبيل تحقيقها، كما في مانيفستو غانت -2018-، الذي وضعه المسرحي السويسري ميلو راو مُحدداً فيه بدقة آلية إنتاج إي مسرحيّة جديدة.

المانيفستو: قطيعة تاريخيّة وجماليّة

المانيفستو أشبه بصفعة ودعوة للاستيقاظ، وأكثر النقاط أهميّة في تكوينه الشعري-السياسي، تتمثل في الجملة الأولى، فبدونها قد يفقد الكثير من قيمته، لأنها بداية البشارة، وتحذير من خطر ما، ففي المانيفستو الشيوعي نقرأ: "هناك شبحٌ يجول أوروبا – شبح الشيوعية. ضد هذا الشبح اتحدت بشكل رهيب قوى أوروبا القديمة كلّها: البابا والقيصر، مترنيخ وغيزو، الراديكاليون الفرنسيون والبوليس الألماني".

المانيفستو أشبه بصفعة ودعوة للاستيقاظ، وأكثر النقاط أهميّة في تكوينه الشعري-السياسي، تتمثل في الجملة الأولى، التي بدونها قد يفقد الكثير من قيمته، فهي بداية البشارة، وتحذير من خطر ما، ففي مانيفستو كازينسكي نقرأ "كانت الثورة الصناعيّة ونتائجها كارثيةً بالنسبة للجنس البشريّ"، وفي المانيفستو الشيوعي نقرأ: "هناك شبحٌ يجول أوروبا – شبح الشيوعية. ضد هذا الشبح اتحدت بشكل رهيب قوى أوروبا القديمة كلّها: البابا والقيصر، مترنيخ وغيزو، الراديكاليون الفرنسيون والبوليس الألماني".

أما في مانيفستو الدادا الذي كتبه تزارا عام 1918 فنقرأ "الكلمة السحريّة دادا التي أخذت الصحفيين إلى بوّابات عوالم لم يشهدوها من قبل، لا تهمّنا أبداً" أو كما نقرأ في مانفستو السايبورغ-1984- لدونا هارواي: "هذه المقالة هي جهود مبذولة من أجل بناء ساخر من أسطورة سياسيّة وفنيّة تتناول النسويّة والاشتراكيّة والماديّة".

أقوال جاهزة

شارك غردهناك سحرٌ آسر يحيط بالمانيفستو، وهالة تكسبه جديّة ورهبة، حتى لو لم تنفّذ أي كلمة به

شارك غردالمانيفستو إعلان عن الموت، ودعوة للبعث من جديد "الآن وهنا"، وهذا ما نقرأه في مانيفستو السايبورغ الذي يسلّم بأن "الإله مات" كما قال نيتشة، إلا أن هارواي تضيف بأن الآلهة المؤنثة أيضاً ماتت، في سبيل بعث شكل جديد من الحياة، لا يعرف الخلق من طين ولا من خطيئة أولى.

"يا رجال الأدب ويا رجال الفن، لنقف معاً ونقبل التحدّي. يجب أن نقف في صف هذا الفن المنحط ففيه كل آمال المستقبل"، من مانيفستو سورياليي مصر عام 1938

هذه الفواتح أو البدايات التي يتتالى بعدها نصّ المانيفستو تكتسب أهميتها من كاتبها، كون المانيفستو دوماً يصدر من أشخاص فاعلين، تُترجم أعمالهم اللاحقة المانيفستو وتشرحه، فقيمته أدائيّة جديّة، كونه يضع معايير من أجل تنفيذها، في ذات الوقت، هو دعوة للآخرين للإيمان بمحتواه وتشكيل عداوة مع الماضي، وهذا ما يميّز المانيفستو، كونه أثر على قطيعة تاريخيّة وجماليّة، وفي ذات الوقت، أداة لاستمرار هذه القطيعة، وترسيخهاً مادياً وثقافياً، كما نقرأ في مانيفستو "الفن المنحط" الذي كتبه سورياليو مصر أو جماعة الفن والحريّة عام 1938: "يا رجال الأدب ويا رجال الفن، لنقف معاً ونقبل التحدّي. يجب أن نقف في صف هذا الفن المنحط ففيه كل آمال المستقبل، لنعمل لنصرته ضد العصور الوسطى الجديدة التي يحاولون بعثها في قلب أوروبا مرة أخرى." 

البُعد الدرامي للمانيفستو

المثير للاهتمام أن هناك تناقض تحمله بعض المانيفستوهات التي يتداخل فيها الشعريّ مع السياسيّ ففي المنافيستو السورياليّ كتب أندرية بريون عام 1924، "أكثر الأفعال سورياليّة هو أن ينزل أحدهم إلى الشارع مع مسدس، ويطلق النار على الجموع عشوائياً"، لكن لم يجرؤ أحد على تنفيذ ما كتبه الأب الروحيّ للسورياليّة، بالرغم من تاريخ الحركة العنيف.

لكن الأمر مُختلف مع فاليري سولانس، الناشطة النسويّة التي كتبت "مانيفستو للمجتمع من أجل تقطيع الرجال" ونشرته عام 1967 ونقرأ فيه: "كل رجل يعلم في صميمه، أنه ليس إلا خ*** لا قيمة لها"، ومن هذا المنطلق، قامت في العام التالي على نشر البيان بإطلاق النار على أندي وارهول والناقد الفنيّ ماريو أمايا، وبالرغم من أن الكثيرين يزعمون أن السبب وراء إطلاق النار شخصيّ ومرتبط برفضها مهنيّاً، إلا أن هذا الحدث أكسب المانيفستو الذي كتبته قيمة تاريخيّة.

"البداية" التي يدعو لها أي مانيفستو هي بداية للجميع، سواء كانوا من الموقّعين عليه أو من عموم الناس، هو دعوة للإيمان والتلاعب بالمعتقدات، لذلك نراه محمّلاً بالأيديولوجيا، في ذات الوقت يحدّد الشكل الجماليّ لهذه الأيديولوجيا، ما يجعله سياسياً حكماً، كأنه وثيقة مصمّمة للإقناع ثم الفعل.

المانيفستو حيويّ وآني، يتوعّد ويرفُض، يشير ويحدّد، يعلن نهاية ويشير إلى بداية، يفصل بين الجديد والقديم، ويستهدف أشخاصاً محدّدين، وينفيهم مع الجماليات والسياسات التي يمثلونها.

يعيد المانيفستو تعريف الفئات والحدود بين ما هو ممنوع و ما هو مُباح، وهنا يكمن بُعده الدرامي، هو دعوة للصراع، وتغيير نظام إطلاق الأحكام، إذ يقف بموضع المواجهة، فهناك عدو أو نقيض يدعو المانيفستو للوقوف ضده، وكأنه دعوى للتحرر والرفض، وأيضاً رسم سبيل الخلاص، كون الشكل القائم يحوي مشكلة ما، فالمانيفستو يضيء ما كان خفياً، مقموعاً أو مُخبّأً، ويدعو الجميع للمشاركة في استعادة الأشكال المنفيّة، و"ادعاؤه" هذا أساسه النص نفسه، بوصفه حقيقة ما في ظل عالم من أوهام، هو يشرعن لذاته من سطوته نفسها، ولا يحتاج نصوصاً أخرى، وإن وجدت فيه، فهي تسليم بشكل من أشكال الحقيقة التي يتبناها، لتكون جزء من معايير الحكم على ما سيأتي لاحقاً.

"نحن" و"هُم"

يحوي أسلوب المانيفستو نزعة للتصنيف، بين "نحن" و"هُم"، هذه الضمائر التي ترسم الحدود بين جماعات مختلفة، تجعل المانفيستو أقرب لساحة معركة بين المؤمنين به وبين الرافضين له، لذلك المانيفستو حيويّ وآني، يتوعّد ويرفُض، يشير ويحدّد، يعلن نهاية ويشير إلى بداية، يفصل بين الجديد والقديم، ويستهدف أشخاصاً محدّدين، وينفيهم مع الجماليات والسياسات التي يمثلونها، إذ نراه أحياناً إعلاناً عن الموت، ودعوة للبعث من جديد "الآن وهنا"، وهذا ما نقرأه في مانيفستو السايبورغ الذي يسلّم بأن "الإله مات" كما قال نيتشه، إلا أن هارواي تضيف بأن الآلهة المؤنثة أيضاً ماتت، في سبيل بعث شكل جديد من الحياة، لا يعرف الخلق من طين ولا من خطيئة أولى.

عمار المأمون

عمّار المأمون- صحفي مهتم بالشأن الثقافي، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس في الدراسات المسرحية من جامعة دمشق، وماجستير في الدراسات الثقافيّة من جامعة السوربون. مختص في نظريات الأداء والصناعة الثقافيّة، يعمل في عدد من الصحف العربيّة والدوليّة.

التعليقات

المقال التالي