أن تعيشَ في المخيّم وتبثّ الفرح!

أن تعيشَ في المخيّم وتبثّ الفرح!

حين ترى لوحة ملوّنة أحياناً، يخطر في ذهنك الفرح؛ إنّها قدرة الرّسامين في جعل كلّ شيءٍ يتلوّن بين اليدين. وهذه أيضاً قدرة الرسام الفلسطينيّ "علي عبد العال" في لوحاته الفنية التي يختار ألوانها المفرحةَ لتناقضَ الحزن.

تخرج من ألوان اللوحات المائية شخصيات آتية من الأزقّة، ولكنّها تنسجم مع بعضها بعضاً، وتتآلف لتكوّن في النهاية نظرتها إلى الحياة؛ شخصيات مشرّدة وحالمة بالسّعادة؛ ففي لوحة الانتظار تجلسُ فتاةٌ في منتصف اللوحة حافية، وتنظرُ بطريقة عفوية، مع بروز حادّ لالتواءات ثوبها التي تعكس حالة ارتياح في نفس الوقت. إنها تنتظر شيئاً ما، لا تخبرنا اللوحة عنه، لكنها بنظرتها تلك توحي أن المستقبل آتٍ، وبابتسامتها العفوية تخبرنا أنه جميل.

للّون البنفسجي حصّته الكبيرة في أعمال الفنان؛ ففي إحدى لوحاته، يتّضح العناق الدافئ بين رجلٍ وامرأة في انعكاس جميل للون البنفسجيّ الذي يجعله الفنان لوناً طاغياً في كلّ اللوحات. في هذه اللوحة يستعيد شوقه للوطن من خلال العناق، وكأنّ هذا العناق هو الأمل، وهو الحنين الذي يخبئه في قلبه لعلّه يتمكّن يوماً ما من عناق وطنه.

وفي لوحة أخرى، نرى طبيعة مخيّم نهر البارد التي انعكست في أعمال الفنان وصارت واضحة؛ وخاصة حضور النهر، ففي لوحة ما، بعنوان "هدوء"، يرسم الفنان فتاتين تجلسان على حجَر قرب النهر، مع حضورٍ للمدرسة الواقعية في الفنّ، حيث الرسومات تسترجع زمن سيزان وتأملاته اللونية في الطبيعة. 

تستوحي الرسوماتُ أيضاً القصص المتناقلة عن فلسطين، وعن جيل النكبة الأوّل، حيث الروايات التي تحكي عنها وعن طبيعتها قد نقلت عبر اللون، وعبر الأثواب التي تلبسها الفتيات في الرسومات، حيث الفساتين الجميلة والتراثية أحياناً.

أقوال جاهزة

شارك غرداجتهد فنانون فلسطينيون كثيرون في رسم الأرض، وفي الدخول إلى عمق ألوانها ورموزها، ولكن الملفت في لوحات عبد العال هو أن تلك الرموز تندمج مع رموز المخيم؛ فهذه الرموز المختلطة هي خليطٌ من عناصر الوجود الفلسطيني الذي يعيش في حضوره المشتّت بين وجودين.

شارك غردإنها حياة أخرى اتَّخذت من المخيم والوطن مكاناً وزماناً خاصّاً، ضمّتهما اللوحات حتى أصبحا مكاناً واحداً ذا أبعادٍ تجمع الحكايا والقصص والمستقبل معاً. في لوحة ما نجد عجوزين يجلسان وينظران نظرات متفائلة؛ إنهم جيل النكبة حيث يجعلهما الفنّان محورَ الحكاية الأصيلة، وبوصلةَ الأمل.

وفي لوحات أخرى، يحضر المزارع الفلسطيني كرمزٍ للتعلّق في الأرض. وهنا يستعيد الفنّان قصصَ الماضي كطريقة توثيقٍ للماضي، كي يعلق في الذاكرة واللون. يستمرّ اللون وتحيا به الذاكرة؛ هكذا يحاول الفنان القول في لوحاته. إنها مرايا أخرى للغياب، وجعلُه طريقةَ عبور إلى مكانٍ عاش فقط في حنايا الحلم.

اجتهد فنانون فلسطينيون كثيرون في رسم الأرض، وفي الدخول إلى عمق ألوانها ورموزها، ولكن الملفت في لوحات عبد العال هو أن تلك الرموز تندمج مع رموز المخيم؛ فهذه الرموز المختلطة هي خليطٌ من عناصر الوجود الفلسطيني الذي يعيش في حضوره المشتّت بين وجودين.

المكان الذي يشعّ في وجوده، وتجعله الألوان يتحدّث عن أقصى أهدافه، يتجلى في العناق الرّوحي الذي تعكسه أغلب اللوحات؛ إنها لوحات العناق الإنساني والمكاني، حيث يتشكّل الوجود من حناياه.

تلعب الألوان اللعبة ذاتها، حيث تتجلّى بانعكساتها البراقة وكأن المكان هو بؤرة لونية تعكس الوجود بأسره. إنه حكاية يملؤها الأمل، والألوان هنا تعاكس الواقع وتناقضه، وتريد أن يكون لها واقع آخر، بالرّغم من الألم الذي تتحمّله اللوحة، وتحمله بين زواياها.

إنها حياة أخرى اتَّخذت من المخيم والوطن مكاناً وزماناً خاصّاً، ضمّتهما اللوحات حتى أصبحا مكاناً واحداً ذا أبعادٍ تجمع الحكايا والقصص والمستقبل معاً. في لوحة ما نجد عجوزين يجلسان وينظران نظرات متفائلة؛ إنهم جيل النكبة حيث يجعلهما الفنّان محورَ الحكاية الأصيلة، وبوصلةَ الأمل.

وفي بعض اللوحات، يغامر الفنّان بعيداً نحو المدينة، لكنّها مدينة متخيلة هذه المرّة تأخذ أشكالها اللامتناهية من الصور والحكايات، وتؤثّث ذاتها من طبيعة المخيم، وكأنه يحاول أن ينمو ويكبر ليسكنَ أخيراً في لوحات الفنان عبد العال مكاناً له وجوده الخاصّ في الذاكرة.

ولا ننسى هنا أن نذكر أن بعض الفنانين في المخيم يبقون في الهامش، وتغامر لوحاتهم في مكانها المحدود، فيندر أن تجد حضورها في الخارج باستثناء بعض الحالات القليلة؛ لذلك علينا التنبّه إلى وجود ألوان حيّة تناضل يومياً لتعكس الفرحَ على جدران المدارس، وفي الأزقّة، ولكنّها لابدّ أن لها معنى أيضاً، حين ترتكب خطيئة الخروج إلى الضوء.

كاتبة ورسامة فلسطينية.

التعليقات

المقال التالي