كاميرات لا تعمل، أزرار بلا وظائف وانتخابات شكلية: ألعاب السلطة التي تجعلنا "متشابهين"

كاميرات لا تعمل، أزرار بلا وظائف وانتخابات شكلية: ألعاب السلطة التي تجعلنا "متشابهين"

تتحكّم السلطة سواء كانت ديكتاتوريّة أو ديموقراطيّة بوعينا بالعالم وإدراكنا لما حولنا، والأهمّ أنها ترسم وتحدّد قدرتنا على التغيير وتَرْكِ أثر فيه، إذ ترسم لنا قنوات دقيقةً كي نكون ذوي جدوى، إلا أنّ الكثير من هذه "الصلاحيّات" أو احتمالات التغيير التي تعطينا إياها وهميّة.

حضور السلطة الكليّ يعكس قدرتها على ترك أثر في العالم، ويشعرنا بالمقابل بأنها الوحيدة القادرة على ذلك.

مدافع وكاميرات ورادارات وهميّة

يمكن تلمّس الحضور الوهمي للسلطة في سوريا في المدافع التي كانت تحيط بدمشق بين عامي 2013 و2014، وتصدر أصواتاً فقط، لنشر الذعر في الشوارع والطرقات التي تحوي كاميرات ورادارات تحدّق بنا دون أن تخزّن أي شيء

يمكن تلمّس هذه القدرة في سوريا مثلاً، إذ كانت هناك بين عامي 2013 و2014 مدافع وهميّة محيطة بدمشق تصدر أصواتاً فقط، لنشر الذعر في الفضاءات الخاصة وفي الشوارع والطرقات التي تحوي كاميرات ورادارات تحدّق بنا دون أن تخزّن أي شيء.

ذات الشيء نراه في أجهزة كشف المتفجّرات الوهميّة التي كانت بأيدي العساكر على الحواجز في شوارع العراق وسوريا، والتي تعطل السير بحجّة حماية المواطنين من الخطر، والتي افتضح لاحقاً أنها غير فعّالة ولا تكشف شيء. فنحن فقط أمام أشكال ماديّة للهيمنة، لخلق الشعور بأن كلّ شيء مراقب، وتضمين هذا الشعور داخل وعي الفرد، ليتحوّل إلى إيمان من نوع ما.

كي لا نبدو كروبوتات، تترك السلطة أمامنا وبشكل مكشوف، أجهزةً ماديّة ورمزيّة تخلق لنا وهماً بأننا فاعلون وذوي خيار حرّ، ولنا تأثير ولو بسيط في العالم

أزرار لا تقدّم ولا تؤخّر

لكن، وكي لا نبدو كروبوتات، تترك السلطة أمامنا وبشكل مكشوف، أجهزةً ماديّة ورمزيّة تخلق لنا وهماً بأننا فاعلون وذوي خيار حرّ، ولنا تأثير ولو بسيط في العالم، هذه الأجهزة ذات أثر وهميّ، هي ألعاب تافهة أو Gimmicks، كالأزرار على إشارات المرور، التي نظن أننا لو ضغطناها فستصبح الإشارة حمراء، أو الزر في المصعد الذي من المفترض أنه يغلق الباب، علماً أنه مُبرمجٌ مسبقاً على أن يُغلق بعد زمن محدّد.

ونشير هنا أننا لا نقصد السلطة السياسيّة فقط، بل مجموعة الاستراتيجيات التي تتحكّم بتدفقنا وحركتنا في العالم وكيفية تركنا أثر فيه، والتي تتجلى حسب لوسي إغاري في امتياز وتفوق الميكانيكات الصلبة على السائلة، فالأولى ذكورية، محدّدة الوظائف، لا تسيل للخارج، هي بارزة ومتماسكة ومقننة، ويمكننا القول، أنها كأي ماكينة، تحوي دوماً إضافات وبقايا لا قيمة لها، غير وظيفيّة، يمكن لنا التلاعب بها أو استخدامها دون أن يكون لها أثر فعلّي، لكنها توفّر لنا خياراً ما، أن نلمسها أولا نلمسها، ما يغذيّ وهم القدرة على التغيير.

أقوال جاهزة

شارك غردتفاصيل في حياتنا، كأزرار بلا وظائف وأدوية بلا تأثير، توفّر لنا خياراً ما، أن نلمسها أولا نلمسها، ما يغذيّ وهم القدرة على التغيير

شارك غردرادارات وكاميرات تحدق بنا دون أن تخزن أي شيء، هي أشكال ماديّة للهيمنة، لخلق الشعور بأن كلّ شيء مراقب، وتضمين هذا الشعور داخل وعي الفرد، ليتحوّل إلى إيمان من نوع ما

الـGps، الذي يبقى فعّالاً ولو قمنا بإغلاقه

في مسار هذه "الماكينة"، تحضر الأدوات التي لا أثر لها، والتي تغذّي المتخيل عن التحكم والسيطرة بحيواتنا وبما حولنا، هي تتيح حركات وأفعال (عمليات) لا جديّة، لكنها ذات أثر نفسيّ، كالأدوية الوهميّة، التي تتلاعب بإدراكنا للعالم من حولنا، هي نقاط تعشيق "entanglement" وهميّة تصل بين الذاتي الشخصي والعمومي السياسيّ، والتي نظن أننا اكتشفناها، وقمنا بإبطال ما تخفيه من سياسات.

كحالة الـGps، الذي ولو قمنا بإغلاقه على الهواتف النقالة سيبقى فعّالاً، ويكفي فقط الدخول إلى خرائط غوغل لنرى أنه فعّال، خيارنا بإطفائه أو تشغيله وهميّ، نحن مراقبون حتماً، لكن "إطفاءه" يخلق نوعاً من الرضا الذاتي، والوهم بالاستقلال عن تحديقة كل من يرغب بمعرفة مكاننا، كشركات الإعلان، والسلطة، والحبيبة، والزوجة والفايسبوك وإعلانات أمازون.

منافض السجائر على مقاعد الطائرات

حالة منافض السجائر على مقاعد الطائرات، تبدو كدعابة سمجة بأوجه المدخّنين وغير المدخّنين. هي نقطة الصراع المرئيّة بين القانون وبين الرغبة الشخصيّة، وأثر ماديّ على سلطة القانون وتفوّقه على رغباتنا الحيويّة

تتجلى هذه اللاوظيفيّة أيضاً في آثار تعكس قدرة السلطة على ترتيب العالم من حولنا، ثم حرماننا من خيارات ضمنه، فهي تترك أمامنا أثراً أو غرضاً فقد وظيفته وتسعى في ذات الوقت للحفاظ على مرئيته، كسخريّة مباشرة منا، كحالة منافض السجائر على مقاعد الطائرات، والتي تبدو كدعابة سمجة بأوجه المدخّنين وغير المدخّنين، هي نقطة الصراع المرئيّة بين القانون وبين الرغبة الشخصيّة، وأثر ماديّ على سلطة القانون وتفوّقه على رغباتنا الحيويّة، وضمانه لصحتنا، لا لهدف نبيل، بل لتوفير نقود شركات التأمين على الصحّة، والحفاظ على معدلات إنتاجيّة الفرد.

هذه العمليات الخاليّة من النتيجة، والتي لا تترك أثراً في العالم، لا شخصي ولا واقعي، تُدخل الفرد في حالة من اللاجديّة إن كان واعياً لها، وخصوصاً أنها أحياناً تتطلّب جهداً منه لإنجازها، ليبدو كأنه في لعبة فيديو نتائجها محكومة مسبقاً، هو يمتلك خيارات وهميّة لكنها لن تغير النهايّة، ولا نتحدّث هنا عن رؤية عدميّة للعالم، بل عن مجموعة من تقنيات السيطرة، التي تخلق الحسّ بالفعاليّة، كخيار أن ترفض الكوكيز من موقع ما، أو أن ترفض الرسائل الإعلانيّة.

مثال على العمليات الخاليّة من النتيجة: كأن ترفض الانتماء لحزب البعث مثلاً في سوريا، والذي يبدو منطقياً للمرّة الأولى حين تقوم به في المرحلة الابتدائيّة، ثم ما يلبث أن يتحول هذا الخيار إلى قانون عليك الالتزام به حين تريد العمل أو الدراسة ضمن مؤسّسات الدولة التي لن توظّفك إن لم تكن بعثياً.

رفض الانتماء لحزب البعث

تتضح هذه العمليات أكثر في العالم الماديّ المحيط بنا، كأن ترفض الانتماء لحزب البعث مثلاً في سوريا، والذي يبدو منطقياً للمرّة الأولى حين تقوم به في المرحلة الابتدائيّة، ثم ما يلبث أن يتحول هذا الخيار إلى قانون عليك الالتزام به حين تريد العمل أو الدراسة ضمن مؤسّسات الدولة التي لن توظّفك إن لم تكن بعثياً.

طقوس الانتخابات العربية

كذلك نراه كـ"وسم" شخصيّ أثناء موسم الانتخابات في أي دولة ديكتاتوريّة عربية، حينها إبهام الفرد يكون ملطخاً بالأزرق، -أو لا-، ما يثير الاهتمام أن غياب أو حضور هذه العلامة التي تعكس "خيار" الشخص، ليست إلا سخريّة عميقة من هذا الخيار، كون كل العمليّة الانتخابيّة ملفّقة، لكن لابد من إجراء علنيّ وجهد ما، لا لجعلها مُقنعة، بل مرئيّة بـالنسبة لـلـ"مواطنين"، لجعلهم متشابهين، واستثناء أولئك المختلفين، أي خلق فاصل بين "المؤثّرين" وأولئك العدميين اللاجديين.

عمار المأمون

عمّار المأمون- صحفي مهتم بالشأن الثقافي، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس في الدراسات المسرحية من جامعة دمشق، وماجستير في الدراسات الثقافيّة من جامعة السوربون. مختص في نظريات الأداء والصناعة الثقافيّة، يعمل في عدد من الصحف العربيّة والدوليّة.

التعليقات

المقال التالي