نحو استغلال اختلاف الفقهاء حول أكل الحيوانات لصالح التوازن البيئي والرفق بالحيوان

نحو استغلال اختلاف الفقهاء حول أكل الحيوانات لصالح التوازن البيئي والرفق بالحيوان

اختلافُ الفقهاء والتنوّع المدهش في الأوجه التي تحملها النصوصُ الدينيّة أو الآراءُ، في كتب الفقه العتيدة، يطال الكثير من الأشياء التي قد تبدو لنا متفق عليها أو مُسلّم بها.

ومن هذه الأشياء التي قد نتفاجأ بالاختلاف عليها هي حلّيّة وحرمانيّة ما نأكله، وهي الضرورة والممارسة اليوميّة، بالإضافة لكونها قضية تشغل الكثيرين باختلاف المكان والظروف؛ كمُسْلِمِي الخارج الذين يتعرّضون لأطباق غريبة عن ثقافاتهم لاعتبارات دينيّة أو بيئيّة أو غير ذلك.

والقضية تُثار في الداخل أيضاً بين الحين والآخر، على خلفيّة الغشِّ التجاري أو التجاوزات المتمثّلة في بيعِ لحوم الحمير والكلاب في المطاعم، وكثيراً ما تُستحضر حالة الاشمئزاز في مجتمعاتنا من الأكلات الغريبة عنا، مثل شوربة الضفادع وأكل الصراصير والديدان، حتى أن هناك أطباق لرؤوس الثعابين.

ويُصاحب حالة الاشمئزاز تلك يقين واطمئنان تجاه الموقف الفقهيّ باعتباره يُحرّم تلك الأكلات التي تُثير الغثيان، مع عبارة "الحمد لله على نعمة الإسلام"، لكن هل هذا اليقين نابع من وضوح الموقف الفقهيّ تجاه القضية حقّاً أم أن الحسمَ ظاهريّ ومستمدّ من سطوة الشائع؟

أكل الفئران والحشرات مباح في الشريعة الإسلامية

يمكننا تقسيم الآراء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام رئيسيّة بالتدرّج من الجواز إلى التحريم، ولعل هذا الموقف الأكثر مفاجأة للكثيرين، والذي عبّر عنه الشيخ عبد الحميد الأطرش رئيسُ لجنة الفتوى سابقاً في مؤسّسة الأزهر الشريف وأثار جدلاً واسعاً؛ فقد صرّح بجواز أكل القرود والذباب والفيل والقطط والكلاب وغيرها قائلاً إن: "أكل هذه الأشياء كلّها جائز، استناداً لقوله تعالى والذي تمسّك به الإمام مالك (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

هذه الأشياء التي نصّت عليها الآية تمسّك بها الإمامُ مالك وقال الحاجات دي بس الي متتاكلش، غيره من الفقهاء قال كلّ ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، إنما الإمام مالك فيه قاعدة فقهيّة عنده تقول "ليس عند ابن مالك يُعاب أكل الحية والكلاب"، وتابع الشيخ عبد الحميد الأطرش قائلاً أن الإسلام دين يُسر، إذا استطابته نفسك كل، ولخّص الحكم الفقهي قائلاً: كلّ شيء عدا المذكور في الآية إن أردتَ أكله فهو حلال، وذلك استناداً إلى مذهب الإمام مالك.

الرأي الأكثر شيوعا وإشكالياته

بالإضافة للمحرّمات المذكورة في الآية، يُحرّم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، استناداً إلى الروايات المنسوبة للنبي عليه الصلاة والسلام "كلّ ذي ناب من السباع فأكلُه حرامٌ"، "كلّ ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير"، "حرّم رسولُ الله لحوم الحُمر الإنسيّة ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير"، "حرّم رسولُ الله يومَ خيبر كل ذي مخلب من الطير ولحوم الحُمر الأهليّة والخُلْسَة والمُجَثَّمَة" والمُجَثَّمَة: أن ينصب الطير فيرمى، والخلسة أن يدرك الرجل الذئب أو السبع فيأخذ فريسته، فتموت في يده قبل أن يذكيها.

غير أن ذلك لم يحسم أكل حيوانات مثل الأرنب أو الضبّ، وهناك من أجاز أكل الضباع استناداً إلى روايات أخرى وتبارير مختلفة، والمفاجأة أن أكله يبدو رائجاً بالفعل. بالإضافة إلى الحمير والبغال والجياد باعتبارها ذات حوافر وليست ذات أنياب أو مخالب، وهو ما اختلف حوله رجال الدين، والغريب أن كِلا الفريقين استند إلى نفس الرواية في دعم موقفه بين التحريمِ والجوازِ، وكان الاختلاف حول تأويل الرواية وكذلك حول تعدّدها بما يقدّم استنتاجات مختلفة، ومعظم ما يتناول تلك القضية هي نفس الرواية يوم خيبر.

في صحيح البخاري عن أنس بن مالك في معركة خيبر في السنة الخامسة، وكان ذلك بعد شهرين من حصار حصون خيبر ونفاد الطعام، يقول أنس "جاءَ إلى رسول الله من قال له: يا رسول الله أُكِلَت الحُمُر –أي ذبحوها وأكلوها- فسكت النبيُّ، ثم أوتى الثانية: يا رسول الله أكلت الحُمُر، فسكت النبيُّ، ثم أوتى الثالثة: يا رسول الله أُفْنِيَت الحُمُر، فأمر النبيُّ من أصحابه من يقوم في الناس منادياً: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر الأهليّة، قال أنس: فأكفأت القدور وإنها لتفورُ باللحم".

الشيخ محمد متولى الشعراوي أجاز أكل الجياد والبغال والحمير، قائلاً : "إن الخيل والبغال كادت تفنى فحرّمها رسول الله علشان هي أدوات قتال وهي مطلوبة للحمل ولكذا وكذا، فإذا كانت العلّة في ذلك خلاص، ولسه في ناس بتاكلها دلوقتي.

على الجانب الآخر هناك شيوخ يرفضون ذلك بشدّة، استناداً إلى الرواية المذكورة عن أنس بن مالك "أن النبي بعث في يوم خيبر منادياً ينادي: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس". أمّا مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ فأفادَ إن الحمير الإنسية حرامٌ لأنها نَجِسة أما الحمير الوحشية فحلالٌ أكلها وأضاف أن النبيَّ كان يأكل الحمار الوحشي.

آخرون شطحوا في تحريمِ لحومِ الحمير باعتبارها نَجِسة وتقطع الصلاة وأنها تنهق عند رؤية الشيطان وأنه يسكن أجسامها، وعليه فتناول لحومها يجعل الإنسان عُرضةً للمسّ أو على الأقل للغضبِ وسوءِ الخلق، واستند هذا الرأي إلى قول الله تعالى (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً).

أقوال جاهزة

شارك غردقد نتفاجأ بالاختلاف على حلية وحرمانية ما نأكله، وهي الضرورة والممارسة اليومية، بالإضافة لكونها قضية تشغل الكثيرون باختلاف المكان والظروف؛ كمسلمو الخارج الذين يتعرضون لأطباق غريبة على ثقافاتهم لاعتبارات دينية أو بيئة أو غير ذلك.

شارك غردكان العرب يحرمون الحليب على الإناث ويشربه ذكورهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه وكان للرجال دون النساء حيث اعتبروا، من باب تبرير التمييز بالخرافة، أن تناول تلك الأشياء شؤما على النساء

آراء أكثر تحريما

بالإضافة للآية القرآنيّة التي حرّمت المَيْتَة والدمَ المسفوحَ والخنزيرَ وما أٌهِلّ به لغير الله، وما أفادت به الروايات بتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، والحمير الأهليّة، هناك رجال دين يضيفون للقائمة ما يأكل الجيفَ كالغراب، والجلّالة وفق الروايات، وهي الحيوانات التي تعيش على القمامة أو النجاسات وهي في الأصل طيّبة، كالدجاج والماعز يجوز أكلها ولكن إن كان أكثر ما تأكله من القمامة يُحرّم ذلك، وما كان مستخبثاً شرعاً، كذلك الحيوانات التي أمر الشرعُ بقتلها مثل الحيّة والعقرب وما شابه، وما نهى الشرع عن قتله مثل الضفدع والنحل وما شابه. أما الكائنات التي لا تنتمي لتلك التصنيفات فيُحرّم ما به ضرر لقوله (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وقول النبيِّ (لا ضرر ولا ضرار).

العنصرية العربية وتحريم الألبان على النساء

من الآيات التي يمكننا الوقوف عندها في مسألة الطعام هي (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) وقال المفسّرون كان العرب يحرّمون الحليب على الإناث ويشربه ذكورهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه وكان للرجال دون النساء، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء، أي أنهم كانوا يؤثرون بالألبان والأجنّة ذكورهم وكانت محرّمة على الإناث إلا إذا كانت الأجنّة ميتة فيمكن لهنّ المشاركة في أكلها.

وكما يتضح فلتمييز الذكور على حساب الإناث خاصّة بالنظر لقلّة الموارد، كان لابد من وجود خرافات تبرّر ذلك، وقد اعتبروا تناول تلك الأشياء شؤماً على النساء، ولعلَّ ذلك التمييز قُدِّم وقتها على أنه في مصلحة الإناث مثلما يحدث في عصرنا لكن من دون دراسات علميّة مفبركة أو آراء دينيّة متحيّزة، فقد كانت سلطة القبيلة وحدها تفي بالغرض، ويمكن تخيّل الآباء والأمهات ينصحون الفتيات بالابتعاد عن تلك الأشياء بدعوى الشؤم أو قلّة الخصوبة أو ما شابه، ولا تزال كثير من الأسر تُبقي على عادة تخصيص الذكور بطعام أفضل أو نصيب أكبر من اللحوم. ومن الرائع والمُهمّ أيضاً أن نجد آيةً كتلك، تنزل للمساواة بين الجنسين فيما يخصّ الطعام وتتوعّد لأصحاب الأعراف التي تحرم النساء.

اللافت أن تلك الآراء الثلاثة يمثّل كلّ واحدٍ منها منهجاً في التشريع لا يخصّ قضيّة حلّيّة وحرمانيّة الطعام فقط بل يمكن تطبيقه وبالتنقّل بين الحلال والحرام، على معظم قضايا فقه المعاملات بشكل عام، فهناك من يضع النصَّ القرآني فوق كل نصّ ويعتبره المساحة التي يجب حَصْر التشريع والاختلافات في مجالها، وهناك من يرى بإلزاميّة اعتماد الروايات أو الأحاديث في التشريع باعتبارها المكمّلة للقرآن رغم ما قد تنطوي عليه من تضارب، ولكن مساحة الاختلاف هنا تكون أكثر اتساعاً لتشمل الاختلاف حول صحّة الروايات وتنقيحها أو تأويلها، ناهيك عن الخرافات التي قد تُدسّ أثناء ذلك، لتبرير الموقف من الأمر أو النهي أو الكراهية والاستحباب، وهناك أيضاً من يضيف إلى الاثنين اجتهادات أخرى مستوحاة منها، بغرض التقييد والتحريم، أو ربما اجتهادات أخرى مستوحاة لكنها أكثر رحابة واستقلاليّة، تنظر لاعتبارات قانونيّة أو عصريّة أو تجديديّة.

يجب على المشرّعين أن ينظروا للمستجدات المادية والثقافية في ضوء التحديات البيئية والمعلومات الغذائية والحراك الإنساني لمزيد من الرفق بالحيوان وغيرها من الأمور التي يجب أن يتم رعايتها في خطاب ديني أكثر عملية ومسؤولية وإنسانية.

كما من اللافت أيضاً أن نجد قضيّة حيويّة كتلك يُختلف عليها كل هذا الاختلاف بين رجال الدين، ثم نجد تعصّباً كبيراً بخصوص قضايا وأحكام أخرى أقلّ تأثيراً لمجرّد احتضان الأعراف لها، خاصّة التي تخصّ المرأة، نفس الأعراف التي ميّزت بين الرجال والنساء في الطعام والشراب.

لعل قضية الطعام وارتباطه بقتل الحيوانات أكثر ما يُفضّل البعض التقييد فيه عن الإباحة، ولذلك تبريرات كثيرة، منها أن ثورات هذا العصر وتقدّمه في المواصلات والزراعة والصناعة، جعلت الإنسان المعاصر أقلّ اعتماداً واضطراراً لقتل الحيوانات من أجل البقاء، فضلاً عن الوعي البيئي والاهتمام بقضية انقراض بعض الفصائل أو ما يُكتشف كل يوم من مخاطر صحيّة وأوضاع بيئيّة من شأنها إعادة النظر في بعض السلوكيات أو تبني قضايا جديدة، فإذا علمنا ارتباط إنقراض النحل باختفاء العديد من الفاكهة والأثمار، ألا يدفع ذلك بضرورة حمايته ولو من باب المصلحة. وبالتالي يجب على المشرّعين أن ينظروا للمستجدّات الماديّة والثقافيّة في ضوء التحديات البيئيّة والمعلومات الغذائيّة والحراك الإنساني لمزيد من الرفق بالحيوان وغيرها من الأمور التي يجب أن يتمّ رعايتها في خطاب ديني أكثر عمليّة ومسؤوليّة وإنسانيّة.

التعليقات

المقال التالي