غناء الإِبل "الحُداء": فنّ العرب الأقدم الذي أحبّه رسول الإسلام ومارسه عددٌ من الصحابة

غناء الإِبل "الحُداء": فنّ العرب الأقدم الذي أحبّه رسول الإسلام ومارسه عددٌ من الصحابة

يسير الأعرابي فوق ناقته وحيداً في الفيافي، سائماً من الجو المُمل المحيط به، يتطلع إلى كافة الموجودات القاتمة التي لا تتغير؛ الرمال تمتد أمامه بلا نهاية، هذا جبل ناتئ في أقصى الشرق، وهناك نخلة يميل جذعها كالقوس حتى يكاد جريدها أن يمسَّ الأرض، منظرٌ مُكرَّر شاهده مِراراً، يحاول التسرية عن نفسه فيُحدّث الكائن الوحيد الذي يشاركه مجلسه الصحراوي، أصيل، حمول لكنه شديد البطء.

يرجز في أذن ناقته بكلمات تامات قصيرات، تروق لها فتنتصب أذناها وتنتعش، يشعر بها الرجل حركتها تخفض وتمضي بطريقها أسرع، فيحس بالطرب وتهون عليه وحشته.

وتحتل "الإبل" مكانة عظمى في نفس العربي القديم، تكاد لا يماثلها شيء في ذلك، فهي الرفيقة الأولى في السِلم أو الحرب، وبها تُقاس الثروة والعِز والجاه، بها يُدفع مهر العروس والديَّات ويُفدى الأبناء من الذبح. بجانب الخيل، هي الوسيلة الوحيدة التي يقطع بها العربي المسافات الطويلة بالفيافي، تمر به الأيام لا يتعامل فيها إلا معها، فهي الرفيقة الوحيدة ووسيلة المواصلات الصابرة على كل عناء ومورد الرزق والأخبار وعتاد الحرب الأول، فبلغت في أنفس العرب مكانة لم يبلغها حيوان آخر.

وضربوا بسلوكياتها الأمثال للناس فإن حضوا على الحياد قالوا "لا ناقة لي ولا جمل" وإن رغّبوا في الإسراع على الرزق قالوا "آخرها أقلّها شُربًا"، وهو منحى حافظ عليه القرآن حين اختار "الإبل" دونًا عن باقي المخلوقات، ودعا أهل مكة للنظر إليها والتفكر "كيف خُلقت".

تناغمًا مع حركة الإبل وهي تسير بتؤدة وتهتز جنباتها مع كل خطوة، أتت الكلمات الشعرية من بحر "الرجز" أحادي التفعيلة، سهل الإنشاد، بسيط التكوين حتى سُمي بـ"حِمار الشعراء" لأنه يُمكِّن أي شاعر أن يمتطيه بسهولة، تستحثُّها الكلمات على استكمال السير حتى النهاية، وصفة مضمونة ومُجرَّبة، لطالما نجحت وخَبِرَ مفعولها العرب قديمًا لذا قالوا "فَغَنِّهَا وَهْيَ لَكَ الْفِدَاءُ ... إِنَّ غِنَاءَ الإِبِلِ الْحُدَاءُ" هو فنّ العرب الأول.

يُروَى أن أول من سنَّ الحداء هو جد الرسول مضر بن نزار، الذي لمّا نزل عن بعيره كُسرت يده، فصاح متألمًا بصوته الشجي: "وايداه .. وايداه"، فتجمَّعت الإبل حوله وطاب لها السير معه، ومن هنا بزغت فكرة استعمال الإنشاد لمخاطبة الإبل؛ سواءً في التجميع أو التفريق والحث على السُرعة أو الإبطاء، بعد استبعاد أساليب قسرية كالضرب بالعصا أو اللكز العنيف في البطن، لا تليق بشاعرية العلاقة بين الطرفين.

يقول المسعودي في كتابه "مروج الذهب"، إن الإبل بعدما تجمّعتْ بفضل نداء "مُضر"، أصبحوا يرجزون لإبلهم بكلمات على نفس الوزن مثل "يا هاديا .. يا هاديا"، و"يا يداه .. يا يداه"، أو حتى أشكالاً قد تبدو غير معروفة المعنى ولكنها جليلة التأثير، مثل "هيد.. هيد" أو "دوه .. دوه" أو "هي دو .. هي دو"، وهذه الطريقة في الكلام أسماها العرب "تدوية" أو "الدواهة" ومنها اشتقُت كلمة "حداء" فأُطلقت على كل مَن يوجّه إبله بكلمات مميزة تألفها وتستجيب لها حتى لو كانت غير مفهومة لأذن البشر، لذا يقول الشاعر غيلان بن عقبة "إذاغرق الرواتك (الإبل) في الھوافي / أدن على جوانبھا بـ ھید (أحد أشكال الحداء)". 

اقتصر الحداء على أبيات قصيرة قليلة الكلمات لأن مفعولها "نفسي"

لقب آخر حملته المرويات عن "الحادي" وهو "الركباني / الهجيني"، وإن كان الاختلاف الدقيق بين النشاطين، أن الأول يغني لحيوانه أما الثاني فيغني لنفسه ولِمَن حوله، لذا كان اقتصر الحداء على أبيات قصيرة قليلة الكلمات لأن مفعولها "نفسي"، أما الثاني فتعين عليه التحذلق بالبيان وبديع الكلمات في إنشاد عديد من أبيات موزونة مقفاة لأن مفعولها "طربي".

مع شيوع الاستخدام، قسّمه العرب الأوائل إلى نوعين؛ "حداء الأوب" و"حداء الورد"، الأول يُقال خلال فترة العودة إلى المنازل حيث الأهل والمياه، والثاني فهو لحظة التجمع حول البئر وبدء عملية السقي فيطرب الجميع بأبيات سعيدة بالتحلق حول مصدر الحياة الرئيس.

تطوّر هذا النشاط من مجرد كلمات للتسرية إلى فن شبه شعري لا نزال نتوارثه إلى اليوم، تمكنّا من تحديده بحوره وأوزانه وأساليب كتابته المختلفة، وهو يختلف عن القصائد التي نعرفها في أن جنباته تكون قصيرة وشطري البيت لهما قافية واحدة، مع عدم ضرورة الالتزام بوحدة للقصيدة، إنما كل بيت يمكن أن يحمل معنى مستقلاً، ولا يتم كماله إلا بالاعتماد على صوت حادي جميل ومرتفع يتمكن التعبير عنه حقّ التعبير بالتطويل والمد والتقصير إن لزم الأمر، سعياً لإطراب الإبل.

ويعتبره كثير من المؤرخين أن هذا النشاط أرشد أبناء الجزيرة لمدى تأثير الكلمات الموزونة البديعة على الأنفس، فكان النبتة الأولى لنشأة الشعر العربي وجريانه على ألسنة أهل الحجاز حتى الآن.

أقوال جاهزة

شارك غرديُروَى أن أول من سنَّ الحداء هو جد الرسول مضر بن نزار، الذي لمّا نزل عن بعيره كُسرت يده، فصاح متألمًا بصوته الشجي: "وايداه .. وايداه"، فتجمَّعت الإبل حوله وطاب لها السير معه، ومن هنا بزغت فكرة استعمال الإنشاد لمخاطبة الإبل

شارك غردقسّم العرب الأوائل "الحداء" إلى نوعين؛ "حداء الأوب" و"حداء الورد"، الأول يُقال خلال فترة العودة إلى المنازل حيث الأهل والمياه، والثاني فهو لحظة التجمع حول البئر وبدء عملية السقي فيطرب الجميع بأبيات سعيدة بالتحلق حول مصدر الحياة الرئيس.

حُداة الرسول

علاقة النبي بهذا النشاط حافلة بالمواقف التي تستحق الذِكر، فإن كان جده السابع عشر وضع البذرة، فكان أشهر من جني ثمارها هو حفيده قصي بن كلاب، بعدما حفر بئرًا في مكة للأعراب، فأقبلوا عليها يستسقون منها، وَحَدا بحقه أحدهم قائلاً "نروى على العجول ثم ننطلق ... إن قصیا قد وفى وقد صدق ... بالشبع للحاج وري مغتبق".

علاقة النبي بالحداء حافلة بالمواقف التي تستحق الذِكر، فإن كان جده السابع عشر وضع البذرة، فكان أشهر من جني ثمارها هو حفيده قصي بن كلاب، وعُرف عن الرسول أنه كان يحبُّ هذا النوع من الفن، واتخذ لنفسه 4 حدّائين

وعُرف عن الرسول أنه كان يحبُّ هذا النوع من الفن، واتخذ لنفسه 4 حدّائين، هم: البراء بن مالك، وعامر بن الأكوع، وعبدالله بن رواحة، وعبد حبشي اسمه أَنْجشة.

الثاني سمعه الرسول وهو يحدو خلال خروج لهم إلى خيبر، ويقول "إِن الَذِينَ قَدْ بَغَوا عَلَينَا … إِذَا أَرَادُوا فِتنَةً أَبَيْنَا ... ونَحْنُ عَنْ فَضلِكَ مَا اسْتَغنَينَا" فدعا له بالرحمة، أما الأخيران فهما بطلا رواية حكتها عائشة عن سفر جمعها بالرسول، وكان قد نصّب الأول مُرجزًا لإبل الرجال والثاني للنساء، فلما طلب النبي من عبدالله أن "يُحرك بالقوم" أنشد "وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا" (كما روي أحمد عن قيس) أو "خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِعَنْ سَبِيلِهْ ... قَدْ نَزَّلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهْ" (كما روى أنس)، نتيجة لهذه الكلمات "أعنفت (أسرعت) الإبل في السير"، فطلب النبي التمهل قائلاً "رويدك يا أنجشة رفقا بالقوارير".

وتُظهر لنا كُتب التاريخ اسماً إضافياً هو عبدالله ذو البِجَادين، الذي تولَّى مهمة رعي "إبل الرسول" إلا أنه رغم ذلك نُسبت له واقعة "حداء" كان فيها ينشد للنوق قائلاً:"تعرضي مدارجا وسومي .. تعرض الجوزاء للنجوم .. ھذا أبوالقاسم فاستقیمي".

ويُحكى عن النبي أنه قابل ركباً من بني تميم فطلب من حاديهم أن يغني لأن حاديه "ينام أول الليل ويحدو آخره"، أرادوا التفاخر أمامه بأنهم "أول العرب حداء بالإبل" فحكوا له عن قصة "مضر" وإبله، فضحك وهو يخبرهم في النهاية أنه أيضاً مثلهم "مُضري"، ولا داعٍ للتباهي فالأصل واحد.

الصحابة يحدون

حفظت لنا كُتب التاريخ بعض نماذج كبار الصحابة، وهم يناجون إبلهم ويغنوّن لها، فبينما كان علي بن أبي طالب في طريقه إلى الكوفة، أخذ يحدو إبله قائلاً: (یاحبذا السیر بأرض الكوفة .. أرض سواء سھلة معروفة .. تعرفھا جمالنا المعروفة)، وعندما أراد عبدالله بن عباس التسرية على ناقته المفضلة "رباب" وهو يخرج بها من البصرة، قال لها: (أوبي إلى أھلك یا رباب .. أوبي فقد حان لك الإیاب).

وعندما ذهب خالد بن الوليد إلى الشام لقيادة الجيوش هناك، لم تثنه خطورة المهمة عن الحدو لإبله: (لله دره رافع أنّى اھتدى .. فوز من قراقر إلى سوى .. ِخمساً إذا سار به الجبس بكى .. عند الصباح یحمد القوم السرى .. وتنجلي عنھم غیابات الكرى).

لم يقتصر استخدام "الحداء" على معاني الاشتياق للوطن والأهل وحسب، وإنما يُحكى عن شاعر أموي شهير هو الكميت بن زيد كان يستخدم حداءه لإبله ليبث عبره رسائل غرامية لحبيباته المختبئات خلف الوبر: "إني على العهد لم أنكر مودتكـم ياليت شعري بطول البعد ما فعلوا"

لم يقتصر استخدام "الحداء" على معاني الاشتياق للوطن والأهل وحسب، وإنما يُحكى عن شاعر أموي شهير هو الكميت بن زيد كان يستخدم حداءه لإبله ليبث عبره رسائل غرامية لحبيباته المختبئات خلف الوبر، فكان يسير جوار مخادعهن ويتصنّع الكلام لناقته وإن كان في الحقيقة موجّه للحبيبة "أرسلت من خلال الشق ناظرها ترنو إلــــيّ ودمع العين ينهمل ... إني على العهد لم أنكر مودتكـم ياليت شعري بطول البعد ما فعلوا".

وفي عصر الدولة العباسية، أكثر من اشتهر بـ"الحداء" في ظلها هو "سلام الحادي"، الذي كان يُضرب به المثل في جمال الصوت، ويروى عنه أنه راهن الخليفة المنصور بشأن قدرته على جذب الإبل العطشى حتى وهي تشرب، فجاراه الخليفة وأمر بإظماء بعض الإبل ثم إطلاقها إلى البئر، وبينما هي منهمكة بالشُرب غنّى لها "سلام": (ألا يا بانة الوادي بشاطئ نهر بغداد .. شجاني فيك صياح طروب فوق مياد .. يذكرني ترنمه ترنم رنة الشادي)، فرفعت الإبل رأسها وتخلت عن الماء وظلت تبحث عن صاحب الصوت، فأعجب المنصور بذلك وأمر للحادي بجزية سخية.

الحداء: موروث حيّ في الفن العربي

التراث الشعبي في جنوب مصر مليء بموروثات الإبل، فهي لهم أقرب لشيء مقدس استخدمه النبي في تنقلاته وفي هجرته

يثبت الباحث أحمد الليثي في كتابه "السيرة الهلالية في صعيد"، تلقف المصريون لعادة "الحداء من قديم الزمن، مؤكداً أن التراث الشعبي في جنوب مصر مليء بموروثات الإبل، فهي لهم أقرب لشيء مقدس استخدمه النبي في تنقلاته وفي هجرته، وبه يرمز المصريون إلى فريضة الحج بنقشه على بيوتهم حتى الآن، ويسرد أجزاءً من السيرة الهلالية أفردت دوراً كبيراً لـ"الحادي" وإن أسمته "الجمّال"، فتقول بموقفٍ منها يظهر خلاله مدى تشرب المصريين هذا الفن، والتغني فيه بلهجتهم ومفردات بيئتهم: (ياعم يا جمّال / حِملي عليا مال / ياعم يا جمّال / ياعم يا جمّال حوّد/ حوّد وشيلني من تقيل الأحمال).

من أصوله الصحراوية القديمة، بقي فنّ الحداء وصورة الحادي وترحاله في الثقافة العربي الشعبية، بألوان غنائية متنوعة:

وهنا صباح فخري يغني "يا حادي العيس":

في أوائل التسعينيات شاركت المطربة الراحلة ذكرى الفنان الليبي محمد حسن في حلمه بتسجيل التراث الصحراوي في قوالب أقرب للأغنيات فمنحوها خلفيات موسيقية وطرحوا منها عشرات الإصدارات، أشهرها أغنية "حداء الإبل" والتي حوّلا خلالها أرجوزة إبل لأغنية ذائعة الصيت.

كما كشف فيلم وثائقي بثّته القناة السعودية الثقافية أن أحد أشكال تجديد "الحداء"، مؤخراً، هو إنشادها في الأفراح داخل المملكة لتهنئة العروسين بكلمات مقفاة على النمط الحدائي.

في العام 1991م عرضت دور السينما فيلم أحمد زكي الجديد "الهروب" الذي جسّد فيه شخصية شاب صعيدي، أخرجه عاطف الطيب ووضع موسيقاه مودي الإمام واعتبر أن خير تعبير عن روح الفيلم هو اقتباس جزء من فلكلور شهير لبدوي يحدو بإبله في صحراء جنوب مصر.

وهو ذات المنحى الذي سارت على هداه المخرجة كاملة أبو ذكرى حين اعتمدت في غناء "تتر" مسلسلها "واحة الغروب" عام 2017م على قطعة أخرى من الفلكلور تقمّص فيها المنشد وائل النفشي دور الحادي، ونجح فيه باقتدار.

صحفي مصري، عمل محرراً فنياً في عدد من دور النشر، ويعمل الآن رئيساً لقسم "الديسك" بموقع "اليوم الجديد". متاريك باحث في التاريخ وعلوم اللغة، ويكتب عنهما بانتظام في بعض المنصات العربية.

التعليقات

المقال التالي