الشلغم، اللبلابي، والبليلة: حل فصل الشتاء، ما هي الأطعمة التي تقدمها عربات مدننا العربية؟

الشلغم، اللبلابي، والبليلة: حل فصل الشتاء، ما هي الأطعمة التي تقدمها عربات مدننا العربية؟

لكل فصل من فصول السنة طقوسه وتقاليده على مختلف الأصعدة، ومجموعة من الأطعمة والمشروبات التي ترتبط به ولا تكتمل أيام الفصل من دونها. للصيف أطعمة تساعد على الاحتفاظ برطوبة وبرودة الجسد، وللشتاء مأكولات تمنح المزيد من الدفء والطاقة.

ورغم برودة فصل الشتاء وتدني درجات الحرارة في معظم أيامه، وما يرافقها من أمطار وثلوج، إلا أن شوارع العديد من المدن العربية تمتلئ بالعربات والباعة الجوالين الذين يعرضون أطعمة ومشروبات تقليدية وشعبية تناسب هذا الفصل، ويقبل عليها المارّة نظراً لبيعها بأسعار ملائمة نسبياً، لتتحول تلك العربات إلى ما يشبه المطاعم المتنقلة والتي تصبح جزءاً لا يتجزأ من المشهد اليومي في تلك المدن ومن ذاكرة البلاد الحية.

مصر

"بليلة وذرة وحمص الشام" هي صيحات مشهورة في شوارع المدن المصرية، حيث يحاول الباعة الجوالون جذب من الزبائن بعيداً عن أبواب المطاعم والمقاهي، مستغلين أسعارهم المنافسة إلى حد ما.

وتعد أطباق "البليلة" وأكواب "حمص الشام" من أشهر المأكولات التي يمكن تناولها على ضفاف نهر النيل، ومقاومة البرد والحصول على بعض الدفء من سخونتها، وأيضاً الاستمتاع بروائحها الزكية والأبخرة المنبعثة منها في ظلام الليالي الشتائية.

تصنع البليلة من القمح الممزوج باللبن الساخن والذي يضاف إليه السكر والزبيب، ولها مذاق حلو، وتعد من الحلويات المصرية المعروفة منذ عشرات السنين، وينادي عليها الباعة بالقول "تعال الحلو يا بيه". أما حمص الشام أو كما يسميه المصريون "الحلبسة" فيدخل في تحضيره الحمص المطهو مع مزيج من التوابل ويمكن تناوله كمشروب له طعم حار قليلاً.

تشتهر شوارع المدن المصرية أيضاً بالعربات التي تبيع البطاطا المشوية، والتي يفضل المصريون تناولها مع الملح واللبن إن كانت مالحة، أو على العكس، مزينة بالشوكولا والفواكه والمكسرات إن كانت حلوة، ويطلقون عليها نداء "معسلة يا بطاطا".

وللذرة المشوية (الذرة المشوي كما تلفظ في مصر) كذلك مكانتها في الشارع المصري حيث تكاد لا تخلو مدينة من الباعة الذين يشترون قناديل الذرة بشكلها الخام ويعملون على شوائها في الهواء الطلق باستخدام شوايات صغيرة، لتجتذب رائحتها الزكية ودفؤها المارة من كل اتجاه.

أقوال جاهزة

شارك غردعربات تتحول إلى ما يشبه المطاعم المتنقلة وتصبح جزءاً لا يتجزأ من المشهد اليومي في المدن العربية ومن ذاكرة البلاد الحية

شارك غرديجتمع العراقيون في فصل الشتاء حول عربات تقدم أكلة "الشلغم"، ولا يكتفون بطبق واحد من هذا الصنف المحبب إلى قلوبهم، والمليء بالسعرات الحرارية الضرورية لتدفئة أجسادهم.

سوريا

 

تشترك شوارع المدن السورية مع المصرية بانتشار عربات بيع الذرة المشوية ويطلق عليها اسم "العرانيس" ومفردها "عرنوس"، مضافاً إليها الذرة المسلوقة، والتي تطورت آلية تقديمها في السنوات الأخيرة، حيث أضاف الباعة خياراً جديداً للزبائن، مع إمكانية الحصول على حبات الذرة المسلوقة في صحن مضافاً إليها بعض المنكهات كالتوابل والزبدة والمايونيز، لتصبح "الذرة المخلوطة" واحدة من الوجبات المفضّلة لدى المارة في شوارع عدد من المدن السورية.

لا يقتصر استهلاك السحلب على سوريا فقط بل تشتهر به بلاد الشام بشكل عام، حيث يطلق عليه في فلسطين مثلاً اسم "مشروب الشتاء".

إلى جانب عربات سلق أو شوي الذرة، لا تصعب ملاحظة عربات صغيرة وكبيرة تبيع السحلب وهو من المشروبات الشتوية السورية التقليدية والتراثية والتي تمنح مكوناتها الكثير من الدفء. السحلب عبارة عن سائل كثيف يصنع من الحليب والسكر وماء الزهر ومسحوق السحلب الذي يستخرج من جذر نبات السحلب، وترش حبيبات القرفة على سطحه لدى تقديمه في أكواب زجاجية أو بلاستيكية.

ولا يقتصر استهلاك السحلب على سوريا فقط بل تشتهر به بلاد الشام بشكل عام، حيث يطلق عليه في فلسطين مثلاً اسم "مشروب الشتاء".

بشكل مشابه تنتشر عربات بيع الحبوب في أكواب صغيرة، والحبوب هي من أنواع الحلويات الشتوية والتي تصنع من مزيج من الحبوب المسلوقة كالحمص والقمح والفاصولياء وتضاف إليها توابل أهمها اليانسون والشمرة وأيضاً جوز الهند، مع السكر.

مأكولات شعبية شتوية أخرى في سوريا تتضمن الفول النابت والذي يعتبر من أهم الطقوس السورية في فصل الشتاء وأكثرها انتشاراً. يُحضر الفول النابت من حبوب نبات الفول بعد نقعها ليوم كامل ومن ثم سلقها لمدة معينة تتطلب خبرة كي لا تكون الحبوب الناتجة قاسية أو طرية أكثر من المطلوب، وتضاف إليها التوابل كالكمون والملح وعصير الليمون والسماق وبعض الفلفل الحار حسب الرغبة.

يمكن تناول الفول النابت في أطباق صغيرة، أو شرب بعض من الماء المرافق له أثناء عملية السلق والذي يتميز بطعم مالح وحامض محبب لكثيرين. أيضاً لهذا الماء خواص مميزة، فلونه يجب أن يكون بنياً فاتحاً حيث يدل اللون الغامق على عدم تحضير الفول بالطريقة المثالية.

تونس والمغرب

يعتبر طبق "اللبلابي" من أشهر الأكلات الشتوية في تونس وأكثرها شعبية، نظراً لانخفاض تكلفة تحضيره ولذة طعمه وفي الوقت نفسه الحرارة التي يبثها في جسد من يتناوله.

يصنع اللبلابي من الحمص الذي ينقع ويسلق ليصبح طرياً، وتضاف إليه قطع من الخبز القديم ومن ثم الكمون والثوم وزيت الزيتون والبيض، والبهارات حسب الرغبة.

ومثل الأطعمة السورية وغيرها، يتطلب إعداد اللبلابي خبرة كافية لاختيار نوع الحمص الملائم ومعرفة الفترة الزمنية اللازمة لسلقه. وتقدم هذه الأكلة في أطباق خزفية تشتهر بها تونس، وتكون قادرة على حفظ الحرارة ليبقى الطبق ساخناً أطول فترة ممكنة.

ومن الحكايات المتداولة عن هذا الطبق انتشار صناعته وتناوله أيام الاحتلال الفرنسي نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي كان يمر بها معظم السكان، فاعتادوا الاحتفاظ بالخبز غير الطازج وعدم رميه لإعادة استخدامه مرة أخرى، ولذلك يعتبر كثيرون من أهل تونس "اللبلابي" جزءاً من تراثهم الغذائي.

وفي الجارة القريبة المغرب، يعتبر حساء الحلزون من الأطباق الشتوية المحببة للسكان، حيث يسلق الحلزون بعد تنظيفه وتضاف إليه التوابل كالزعتر والزنجبيل وقشر الرمان، لتغلى مع الحلزون مدة لا تقل عن الساعتين. ويندر تحضير هذا الطبق الذي يسمى باللهجة المحلية "غلالة" أو "ببوش" داخل المنازل حيث يفّضل المغاربة تناوله من العربات الجوالة التي يكثر الإقبال عليها في فصل الشتاء.

إلى جانب حساء الحلزون، تشتهر المدن المغربية بالعربات التي تبيع حساء "البيصارة"، ويتكون من الفول المهروس والذي يطهى في الماء مع زيت الزيتون والتوابل حتى يذوب ويتحول إلى مزيج سميك ينشر الدف في الجسم، ولا يستهلك الكثير من النقود. ومن التوابل والأعشاب أيضاً يحضر مشروب "الخدنجال" الساخن والذي يتميز بخواصه الطاردة للبرد وطعمه الفريد.

الأردن

مع أولى أيام فصل الشتاء في الأردن يشرع الباعة الجوالون بتقديم أطباق الذرة المشوية والمسلوقة والفول النابت وكذلك مشروب السحلب بشكل مشابه لسوريا، إضافة لحلويات الهريسة والقراقيش والكريزة. 

ينادي الباعة على المارة "هريسة هرايس" ويقدمون لهم هذه الحلويات المصنوعة من السميد واللبن والزبدة والسكر والتي تزين بالفستق السوادني وتقدم بورق أبيض شفاف. أصناف حلوة أخرى تقدم كالقراقيش المقلية والمصنوعة من الطحين والزيت والسمسم، والكريزة المصنوعة من السميد والسكر وجوز الهند. تتميز هذه الحلويات بقدرتها على منح الدفء نتيجة احتوائها على كميات من السكر في مكوناتها.

يستمتع الأردنيون أيضاً بتناول الفستق السوداني الذي يحمّصه الباعة بشكل يدوي في الطريق باستخدام منقل صغير يصدر رائحة زكية. ويباع هذا الفستق للمارة ساخناً، مقشراً أو دون قشر.

إضافة لذلك، يهتم الأردنيون بشكل خاص بالمأكولات الشتوية التي يدخل العدس في تكوينها نظراً لقيمته الغذائية العالية. ويمكن أثناء جولة ما في الطريق شراء حساء العدس الأصفر الساخن والذي يباع "على الماشي" ضمن أكواب لدى باعة القهوة والعصائر. تقول أمثال تتحدث عن مكانة العدس في المطبخ العربي بشكل عام "باع الفرس بطبخة عدس"، و"العدس لحمة الفقير".

العراق

يجتمع العراقيون في فصل الشتاء حول عربات تقدم أكلة "الشلغم"، ولا يكتفون بطبق واحد من هذا الصنف المحبب إلى قلوبهم، والمليء بالسعرات الحرارية الضرورية لتدفئة أجسادهم.

يصنع الشلغم من سلق حبات الشلغم (أي اللفت) بعد تقطيعها، ومن ثم إضافة الدبس وربما التمر والذي يعطي الطعم الحلو المميز لهذا الطبق، ويقدم ساخناً في أطباق صغيرة.

عربات أخرى تجمع العراقيين وهي التي تبيع "اللبلبي" المكون من حبات الحمص المسلوقة الهشة مع الليمون والملح والبهار والفلفل الأسود، وشوربة العدس الساخنة، وأيضاً الباقلاء (الفول) المسلوقة أو التي تقدم مع الخبز والبيض المقلي. تتصاعد من هذه العربات الأبخرة، وتتسبب أحياناً ببعض الازدحامات المرورية نتيجة الإقبال عليها، وتبقى بالنسبة للعراقيين في الوقت ذاته موروثاً شعبياً لا غنى عنه.

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات

المقال التالي