بلا عنوان، أفكارٌ لا تكتمل أبداً: 39 فناناً في "أشكال ألوان" بمناسبة سنويتها الـ25

بلا عنوان، أفكارٌ لا تكتمل أبداً: 39 فناناً في "أشكال ألوان" بمناسبة سنويتها الـ25
بيروت أعجوبة، جوانا توما وخليل جريج

المعرض الجماعي الذي تقيمه مؤسّسة "أشكال ألوان" بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيسها في العام 1993.

يضمّ أعمالاً متنوعة الوسائط الفنية لـ39 فنانة وفناناً من بلدان مختلفة منها لبنان، فلسطين، سورية، الأردن، الكويت، مصر، العراق، وفرنسا.

تتنوّع عناصر استلهام الأعمال الفنيّة بين المشاركين، من عالم الكتابة والنصّ نجد مشاركة للشاعرة والكاتبة إيتيل عدنان بعملين أحدهما بعنوان بعلبك، والآخر بلا عنوان.

تستخدم إتيل عدنان اللوبوريلو وهي كتيّبات مطويّة كالأكورديون، ترسم عليها الفنانة خطوطاً وألواناً تجمع بين الكلمة – الشعر، والأشكال – اللون. وهي تعتبر هذين العملين بمثابة دراسات في التشكيل واللون، توظّف فيهما الفنانة الشعر العربي من حيث معنى الكلمات ومن حيث جمالياتها التشكيليّة، فتبدو الرسومات منمنمات زخرفية تمتزج فيها الأشكال بالأحرف.

المفكّرة اليومية كعمل فني

سلسلة (المفكّرة، 2018)، تجربة يقدّم فيها ربيع مروة أوراق مفكّرته اليومية في لوحات مؤطرة خلف زجاج، لتُعرض كلوحات متجاورة صغيرة. هنا يحوّل الفنان أوراقاً تحمل أفكاراً، رسوماً أو مسودات أفكار إلى أعمالٍ جماليّة. هكذا يتحوّل الحميمي الذاتي المبثوث في أوراق مذكّرات خاصّة إلى عملٍ مكشوف لنظر العامّة.

يتابع المتلقي في أوراق المفكّرة هذه، أشكالاً هندسيّة ترمز إلى فكرة ما، يشاهد كلمات الغاية منها الإشارة إلى ذكرى، أو الإعداد لفكرة في طور التشكّل. تتعدّد الغايات الوظيفيّة من أوراق المفكّرة التي يشاركها الفنان مروة جمهور المعرض، لكنه وحده من يفهم رموزها وإشاراتها، أما المتلقّي فإنه أمام كلمات وأشكال مرسومة على الورق تُحيل إلى أفكار لا تكتمل أبداً، إنها ناقصة حتماً، لكنها تثير الرغبة بحلّ الأحاجي بالنسبة للمتلقي.

رسومات أثناء السفر

بينما يجعل ربيع مروة من أوراق المفكّرة عملاً فنياً، يقدم أوسكار موريو في عمله "الرحلة، 2018"، مجموعة من الأعمال المرسومة بقلم حبر، رصاص وغرافيت وفحم على أوراق تعوّد الفنان الرسم عليها أثناء السفر.

من أعمال أوسكار موريو

هذه التسالي اليدويّة في أوقات التنقّل داخل الطائرة تصبح لوحات بسيطة الخامات، صغيرة الحجم لأنها محكومة بحجم الأوراق ذات القياس الصغير، وليتمكّن أوسكار من عرض طرفي الورقة المرسوم عليها، يعلّق الأوراق على الحائط ليس بالطريقة الأفقية بل العامودية، وهكذا يضطر المتلقّي للدخول بين اللوحة والأخرى لكي يتمكن من رؤية طرفي الرسم المتقابلين.

الخريطة كعمل فني

أربعة من الفنانين يقدّمون أعمالاً مستلهمة من الخرائط. "كل جامد يذوب في الهواء، 2000" عمل لطوني شكر، يوظّف خريطة لمدينة بيروت رسمها نائب قنصل الدنمارك في العام 1876 ليهديها للسطان العثماني عبد الحميد الثاني.

يوضّح الفنان المنهج أو أسلوب المقاربة الفنيّة لهذه الخريطة– الوثيقة: من جهة إنه يهدف لمعالجة الخريطة كواحدة من أدوات فرض السلطة السياسيّة على النطاق الجغرافي عبر تسويغ المجال العمراني، ومن جهة أخرى يحلّل نموذج الإسقاط العمودي المعتمد في رسم الخرائط الذي يفترض وجود الناظر في موضع لا نهائي، ينظر منه إلى ما هو أدناه، يكتب طوني شكر: "تُقرأ الخرائط كما تقرأ النصوص، جذر واحد لفعلين متباينين كلّ التباين؟ أم أنه الفعل نفسه؟"

تقدّم أيضاً لمياء جريج مجموعة من الرسومات تحمل عنوان "النهر، 2015 – 2017"، تستوحي فيها خرائط منطقة النهر، بغية تأمل تعدّدية الأهالي من النازحين الذين سكنوا منطقة النهر تدريجياً.

وعملها الآخر بعنوان "الأوزاعي خارطة تحوّل ، 2017" تستند إلى خرائط أصدرتها مديريّة الشؤون الجغرافيّة التابعة للجيش اللبناني منذ الخمسينيات وحتى الآن، تكتب الفنانة: "تقترح هذه الأعمال قراءة بصريّة شخصيّة وشاعريّة للتحوّلات التي شهدتها منطقة الأوزاعي على مرّ السنوات، منذ أن كانت ساحلاً رملياً غير مأهول وصولاً إلى تحوّلها إلى منطقة كثيفة العمران عامرة بالسكان".

العمل الأخير المتعلق بالخرائط لصبا عناب، رسم يتتبع حدود فلسطين حسب خرائط غوغل.

صورة فيزيائية – بصرية

يستلهم لورنس أبو حمدان في عمله (أينما ذهبت ماري، 2018) من مجال مختلف تماماً، وهو مجال الدراسات الفيزيائيّة – البصريّة. قامت مجموعة من علماء الكومبيوتر من معهد ماساشوستس للتقنيات بدراسات فيزيائيّة بصريّة على انتقال الصوت في الهواء، وعلاقته بالأجسام المحيطة به، ومن خلال استخدام كاميرات فائقة الدقة، حاولوا تصوير مجموعة من الأشياء الماديّة والتحوّلات التي تطرأ عليها حين تعريضها للأصوات، فالصوت ذبذبة فيزيائيّة في المكان، وهي تؤثّر بالأجسام المحيطة بها. الصورة التي اختارها لورانس أبو حمدان هي لقطة ثابتة من شريط فيديو سجلته كاميرات معهد ماساشوستس تثبت التغيّرات الحاصلة على كيس بطاطا تبثّ أمامه أغنية (كان لماري حمل صغير)، التي استوحاها أبو حمدان كعنوان لعمله الفني – البصري – الفيزيائي.

من أعمال إتيل عدنان

الأنوار الكاشفة وكاميرات المراقبة

بفحم وباستيل على ورق يرسم هايغ آيفازيان لوحة تجسّد البرجكتورات الضخمة التي تضيء ملاعب كرة القدم، والتي يرى الفنان أنها من الممكن أن تضيء على المحتجزين أو اللاجئين حين تصبح الملاعب مكان احتجازهم. تقارب لوحته بين الأنوار الكاشفة وبين كاميرات المراقبة، وعبر أسلوب الرسم يحاول الإيحاء بطنين الشحنات الكهربائية التي تنير البرجكتورات.

يعرّف بروشور المعرض بتجربة هايغ أيفازيان بكونه فناناً: "يستعين بمختلف الوسائط للتعمق في الأنماط التي تسلكها الإيديولوجية بغية السيطرة على الناس والأجسام والعمارة، وكيفية التأثير عليها وتحريكها، ويستقرئ في أعماله الفنية آليات التسلّط والتسيّد".

حول اللامرئي والمفقود

في لوحتي "فراش، 2016" و"طائرة 1+2، 2014"، للفنانة تمارا السامرائي، حيث تبدو الأشكال بحضور شبحي، يحتجب خلف طبقات هوائيّة لونيّة. اللوحتان تدريبات على تجسيد أشكال وأشياء داخل اللوحة تؤول إلى حضور لا مرئي.

من الأنوار الكاشفة نتتقل إلى الأشكال الزائلة، أو التي في طور التلاشي، كما هي الحال في لوحتي "فراش، 2016" و"طائرة 1+2، 2014"، للفنانة تمارا السامرائي، حيث تبدو الأشكال بحضور شبحي، يحتجب خلف طبقات هوائيّة لونيّة. لقد اهتمّ الفيلسوف الفرنسي كليمون روسي بدراسة "اللامرئي" في الفن، ويمكن اعتبار لوحتي الفنانة تمارا السامرائي تدريبات على تجسيد أشكال وأشياء داخل اللوحة تؤول إلى حضور لا مرئي.

في مجال المرئي و اللامرئي، الحاضر والغائب، المجسّد والناقص، نطالع العمل المتميّز للفنانة منير الصلح بعنوان "دراسات حول المفقود، 2015 -2018"، تطبّق منيرة الصلح موضوعة عملها الفنّي أي "الفقد" على حال تلقّي الجمهور لعملها الفني.

أي أن "الفقد" يصبح جزءاً من تكوين اللوحة التي تحوي مساحة سوداء كبيرة، بينما تتركّز رسومٌ لوجوهِ شخصيات مجهولة خائفة، ومتداخلة الأعضاء والحضور الجسدي في زاوية أو في عمق اللوحة. هكذا توحي لوحتا الفنانة الصلح بأنهما ناقصتان. ما يريده المتلقي من اللوحة بصرياً مفقود، وتضيف إلى كلّ لوحة سمّاعة هيدفون، لكن حين يضعها المتلقّي للإنصات، فإنه يصطدم بـ"الفقد" أيضاً، لا أصوات مسجّلة في السمّاعات التي لم يتم وصلها أصلاً بأي جهاز. الفقد البصري والسمعي هما تجربة المتلقي أمام هذا العمل الفني.

أقوال جاهزة

شارك غردسلسلة (المفكّرة، 2018)، تجربة يقدّم فيها ربيع مروة أوراق مفكّرته اليومية في لوحات مؤطرة خلف زجاج، هكذا يتحوّل الحميمي الذاتي المبثوث في أوراق مذكّرات خاصّة إلى عملٍ مكشوف لنظر العامّة.

شارك غردتستخدم إتيل عدنان اللوبوريلو وهي كتيّبات مطويّة كالأكورديون، ترسم عليها الفنانة خطوطاً وألواناً تجمع بين الكلمة – الشعر، والأشكال – اللون.

غبار ومخاوف أخرى

بتقنيات الطباعة، تنقل صورة الفنّان علي شري تمثالاً للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد من موضعه على تلّ في اللاذقية، إلى قلب الصحراء.

تمتد رمال الصحراء في الصورة، قياس 90 * 160 سم على كامل المساحة، وفي الأفق، في عمق الصورة، ومن بين سحاب الغبار يلمح الناظر حضوراً سرابياً للتمثال. يريد علي شري تجريب التمثال النصبي في محيط غير المحيط الموجود فيه في الواقع، ليختبر حضوره في قلب الصحراء، يكتب عن عمله الذي يحمل عنوان (الغبار ومخاوف أخرى، 2013): "سحب الغبار تبتلع التمثال، بالكاد بإمكاننا أن نرى ملامح هذا النُصب وسط هذا المشهد القفر. إذ يتضاءل التمثال أمام جلالة الصحراء، فيغدو شبحاً من الماضي".

الأعمال الفوتوغرافية

كيف تحولت صور فوتوغرافيّة التقطها المصور عبد الله فرج في فترة الستينيات بناءً على طلب الحكومة اللبنانيّة لتصوير مدينة بيروت، إلى إبان الحرب الأهليّة اللبنانيّة محروق كتعبير عن دمار الحرب الأهليّة اللبنانيّة

في مجال الصورة الفوتوغرافيّة يطالعنا عملان متميزان الأوّل "في الوقت بين صيدا وصور، 2010" لدانيال جنادري، عملٌ يتلاعب ببنيان الصورة البصري والزماني، ويلعب على التناقض بين طبيعة الصورة القائمة على السكون، وبين طبيعة اللقطة القائمة على الحركة. إلتقاط أي صورة مع الحركة يُسفر عن صورة ضبابية يصعب التعرّف عليها. يرغب دانيال: "بأن يثبت هشاشة مفهوم الصورة، وفشلها في نقل العالم الممثل على نحو دقيق".

العمل المتميز الثاني على مستوى الصورة، "بيروت الأعجوبة، 1998 – 2006"، لجوانا حاجي توما وخليل جريج. تعود حكاية هذا العمل إلى صور فوتوغرافيّة التقطها المصور عبد الله فرج في فترة الستينيات بناءً على طلب الحكومة اللبنانيّة لتصوير مدينة بيروت لأجل بطاقات بريديّة حكوميّة تعكس أبرز معالم بيروت الاقتصاديّة والتجاريّة، لكن، وإبان الحرب الأهليّة اللبنانيّة، قام عبد الله فرج بحرق نيغاتيف الصور وقام بعرضها كتعبير عن الدمار الذي نال من المواقع المصوّرة بسبب القصف وقتال الشوارع، هذا النيغاتيف المحروق عولج بصرياً وطُبع على ألمنيوم.

بيروت أعجوبة، جوانا توما وخليل جريج

أثر الاحتراق على النيغاتيف يبتكر ألواناً وتشوّهات في الأبنية المصوّرة يعطي جماليّة بصريّة خاصّة، تتداخل الألوان وكأن إنارة الصور تصبح داخليّة، توحي بأنوار كهربائيّة تنير المدينة، تتوزّع الألوان بتشكيلات تبدو ناعمة، لكنها تحيل شعورياً إلى الاحتراق واللهيب. هذه التقنية البصرية تُظهر معالم مدينة بيروت كأنها مُنارة بشمعة داخلية، كأنها مُنارة بالكهرباء من داخل الصورة، وتُبقي على اللهيب كحالة رمزية تلتهم أبنية المدينة بصرياً.

أيضاً تحضر مدينة بيروت في عمل ثان للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج، "ثلاثيات ساحة الشهداء بيروت، 2018"، عمل فني مستنبط من عوالم الحفر والاستخراج، حيث تقدّم عينات من التربة استُخرجت من مواقع الحفر والبناء في ساحة الشهداء وسط بيروت، هذه الحجارة المستخرجة تقدّم في هذا العمل الفني على كونها منحوتات في ثلاثيات تُبرز الركام المستتر والتحوّلات التي تطرأ على المدن المطمورة والعوالم التحتيّة. 

حفر ساحة الشهداء، جوانا توما وخليل جريج

سبعة ألواح زجاجيّة مربّعة طبع عليها الفنان أحمد غصين سبع صور متسلسلة لحركات الفلاح وهو يحرث الأرض بالمعول، من رَفْعِ المعول إلى الأعلى حتى سقوطه إلى الأرض بين التراب. تتوالى في هذا العمل النحتي الألواح الزجاجيّة، كما تتوالى الرسوم المصوّرة في السينما، لكنها تجسّد هنا كعمل نحتي، يحققه الفنان بتقنية متميّزة، العمل بعنوان "سبع حركات، 2017".

عملان نحتيان آخران يشاركان في المعرض، "أعمدة ، 2018"، لمروان رشماوي يقدّم فيها عمودين ينتصبان في صالة المعرض من الحديد وكتل إسمنتيّة توحي الفراغات بينها بكونها متراكبة فوق بعضها البعض بطريقة تشكيليّة. يكتب الفنان في تقديم عمله الفني: الأعمدة هي أشبه بحجر الزاوية أو الأساس الذي تستند إليه الإيديولوجيا والأديان، أي القاعدة التي تقوم عليها. يعالج " أعمدة 2018 " صيرورات التفسّخ والتحلّل، إذ تلفظ تلك الأعمدة ما في جوفها أمام الأعين، كحيوان شُقّت أحشاؤه.

العمل النحتي الثاني "حقائب، 2018" لريان تابت، عبارة عن 3 حقائب يد مصبوبة من الإسمنت، يطرح حضورها على المتلقي أسئلة حول العلاقة بين الأشياء، وبين المواد التي تُصنع منها الأشياء، فالحقائب التي عادة ما تكون جلدية أو قماشيّة، تصبح في المعرض مصبوبة بخرسانة تمنحها حضوراً وتأثيراً مختلفاً، بين الشيء الحاضر في الذهن، أي حقيبة، وبين الكتلة الإسمنتيّة الحاضرة أمام العين، هي تجربة التلقّي مع حقائب ريان تابت، الذي يقول: "تشير هذه المنحوتات إلى حقائب موضبة ومعدّة لرحيل وشيك".

حقائب، ريان تابت

"أشكال ألوان" هي جمعية لبنانية للفنون التشكيلية، تأسّست العام 1993 بمبادرة من مجموعة فنانين وكتّاب وناشطين غير رسميين، بهدف المساهمة في تسهيل الإنتاج الفني في المنطقة. تشتمل برامج الجمعية على «أشغال داخلية»، وهو منتدى عابر للمجالات والممارسات الثقافية يعقد مرّة كل سنتين إلى ثلاث سنوات، و«برنامج فضاء أشغال داخلية» وهو برنامج دراسي مجّاني سنوي ينخرط فيه الفنانون الناشئون، وبرنامج «أشغال ڤيديو» السنوي لإنتاج وعروض الڤيديو.

التعليقات

المقال التالي