قصة شاب موريتاني وابن آوى... كيف يكون الفرق بين مسلم "يقترب من القداسة" وآخر "بربري"؟

قصة شاب موريتاني وابن آوى... كيف يكون الفرق بين مسلم "يقترب من القداسة" وآخر "بربري"؟

خلال ليل "بلدة بادان"، شرق شنقيط، إلى حيث قدمت من أجل زيارة الخزانات الإسلامية المدفونة بين رمال التلال التي تبتلع قرى بكاملها بهدوء، لكن بتصميم، كان سائقنا عبد الرحمن يطلق سجاد الصلاة فوق التراب إلى الخارج بباحة الدار حيث نقيم، وكنت أنا في غرفة صغيرة فوق فراش بسيط جداً.

كانت السماء الزرقاء الرمادية تلتمع على بشرته السوداء بينما يُصقل البدر المكتمل الألوان، فكان جسمه يبدو بنفسجياً. كان عبد الرحمن ينحني في هدوء، ويجثو، وينزل برأسه نحو الأرض، كما لو أنه يستلهم حركات العالم ويتبع الإيقاعات التاريخية للكواكب: إنه يصلي؛ وكانت أنوار النجوم الميتة تصلنا وسط حرارة الصحراء الليلية.

انتابني إحساس بأنني أشهد منظراً بدائياً متفرجاً على إيماءة قد تكون معاصرة لأول انفعال مقدس للبشر. وسألت عبد الرحمن عن الإسلام خلال مسيرنا غداة ذلك اليوم، فكان وهو مندهش من اهتمام غربي أبيض بالإسلام يطعن في كل إحالة على الكتاب المقدس كلما طرحتها.

كنت قد انتهيت من قراءة القرآن والقلم في يدي وكنت ما أزال أحفظ حرفياً بعض الآيات؛ لكن إيمان الرجل لم يكن يحتمل الإحالة على الكتاب المقدس لمناقشة سلامة أسس بعض الأطروحات الإسلامية. كان الإسلام بالنسبة إليه جيداً ومتسامحاً وكريماً ومسالماً. وأما الجهاد؟ والجهاد الموصى به ضد الكفار؟ والفتاوى الصادرة ضد كاتب بعينه؟ والإرهاب الحديث؟ كان ذلك بالنسبة له من فعل المجانين بالتأكيد؛ أما المسلمون فأكيد لا...

وكلما استخرجت الآيات التي تواجه فكرته، لم يكن يحب أن يرى غير المسلم يقرأ القرآن ويحيل على هذه الصورة أو تلك ليقول له إنه محق، وإن هناك نفس القدر من النصوص في الكتاب ذاته تعطي الحق للمقاتل المسلح صاحب عصابة الرأس الخضراء الخاصة بالمضحين من أجل القضية، ولإرهاب عضو من حزب الله المدرع بالمتفجرات، وللخميني وهو يحكم بالموت على سلمان رشدي وللانتحاريين وهم يهوون بالطائرات المدنية على أبراج مانهاتن، ولأقران بن لادن وهم يقطعون رؤوس الرهائن من المدنيين... كنت أقترب من ملامسة القذف بحق المقدسات... فعدنا للصمت متأملين المشاهد التي أتلفتها نيران الشمس الحارقة.

ابن آوى وجودي

وعدت بعد ساعات من الصمت، ضمن نفس مشهد صحراء لا تتغير، إلى القرآن وإلى موضوع الجنة بالخصوص. هل يؤمن عبد الرحمن بهذه الجغرافيا الغرائبية في تفاصيلها أم يرى فيها تعبيراً رمزياً؟ أنهار اللبن والخمور والحور العين والأرائك وفرش الحرير والديباج والأنغام السماوية والجنان العجيبة؟ يوضح الرجل فعلاً أن الأمر كذلك... وجهنم؟ كذلك الأمر هي كما توصف... وعنه هو ذاته الذي لا يعيش بعيداً عن القداسة، لطيفاً ورقيقاً وكريماً ومؤثراً وديعاً وهادئاً في سلام مع نفسه وبالتالي مع الآخرين ومع العالم، هل سيعرف يوماً إذن تلك الملذات؟ أرجو ذلك... تمنيتها له بصدق وأنا أحتفظ في داخلي يقيناً أنه يخدع نفسه ويُخدع وأنه للأسف لن يعرف أياً من ذلك أبداً...

وضح لي بعد وقت من الصمت أنه قبل أن يدخل الجنة عليه أن يمر بالحساب وأن حياة التقوى ربما لن تكفر له ذنباً من شأنه أن يكلفه هناء حياة الخلد... أجريمة هي؟ أقتل نفس؟ أذنب قاتل هو، كما يسميه المسيحيون؟ أجل أمر من قبيل ذلك: يتعلق الأمر بابن آوى سحقه يوماً تحت عجلات سيارته... كان "عبدو" يسير بسرعة فائقة ولم يحترم تحديدات السرعة على طرقات الصحراء، حيث لا تصادف سيارة إلا على مدى عشرة كيلومترات، فلم يلمح شيئاً قبل أن يبرز الحيوان في الظلمة ليحتضر بعد لحظتين تحت إطار عربته.

فلو كان احترم قانون السير لما اقترف هذا المساس بالمحرمات: قتل حيوان دون ضرورة المعيشة. ثم إن القرآن لم يقل بشيء من قبيل ذلك، حسب ما يبدو لي... إذ لا يمكننا أن نكون مسؤولين عن كل ما يقع! لكن "عبد الرحمن" يؤمن أننا مسؤولون عن كل شيء: إن الله يتجلى في التفاصيل وفي هذه القصة تأكيد لوجوب الخضوع للقانون وللقواعد وللنظام لأن كل خرق مهما صغر يقرّب المرء من الجحيم، إن لم يكن يقوده إليه مباشرة...

أقوال جاهزة

شارك غردالفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري يعقد مقارنة معبّرة بين شاب موريتاني مسلم يحمل ثقل ابن آوى قتله عن طريق الخطأ وبين انتحاريي 11 سبتمبر الذين يحتفون بكونهم أبادوا أكبر عدد من الأبرياء

شارك غردالفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري يكتب عن عبد الرحمن الموريتاني وانتحاري أبراج مانهاتن، ويقول: "كتاب مقدس واحد يؤيد هذين الإنسانين المتناقضين: بينما يقترب الأول من القداسة يجسد الآخرون البربرية"

لازم ابن آوى هذا ليالي عبد الرحمن طويلاً وحرمه من النوم أكثر من مرة، فقد كان يتردد عليه في الحلم وهو يمنعه من دخول الجنة. وحين كان يتحدث عنه كان الانفعال يعاوده. أما أبوه، ذلك الرجل ذو الوجه الثمانيني والجندي السابق خلال الحرب العالمية الأولى، فقد زايد قائلاً: بالطبع إنه لم يحترم القانون وبالتالي يفترض أن يُسأل عن الأمر بعد موته. وبانتظار ذلك اليوم، يحاول "عبد الرحمن" في أدق تفاصيل حياته أن يكفر عمّا يمكنه التكفير عنه. فابن آوى ينتظره على أبواب الجنة. لم أكن لأبخل بأي شيء لكي يتخلى هذا الشاب عن ذلك ويحرر الروح من ذاك الإنسان المستقيم النزيه...

أما أن يكون هذا المغتبط الطامح للجنة يتقاسم نفس الدين مع ربابنة الحادي عشر من سبتمبر فيبدو أمراً غريباً! فالأول يحمل ثقل ابن آوى قتل مصادفة بينما ينعم الآخرون بكونهم أبادوا أكبر عدد من الأبرياء، والأول يعتقد أن الجنة ستكون صعبة المنال لأنه أحال حيواناً شريراً إلى جيفة في حين يخال الآخرون أن الغبطة ستكون من نصيبهم لأنهم أحالوا إلى غبار حياة آلاف الأفراد من بينهم مسلمون... ومع ذلك نجد أن كتاباً مقدساً واحداً يؤيد هذين الإنسانين اللذين يعيشان كلاهما على النقيض من الإنسانية: بينما يقترب الأول من القداسة يجسد الآخرون البربرية.

(النص من "كتاب نفي اللاهوت"، ترجمة: مبارك العروسي، منشورات الجمل)

فيلسوف فرنسي معاصر.

التعليقات

المقال التالي