فيلم "البرج".. "النكبة" كما يرويها مخرجٌ نرويجي

فيلم "البرج".. "النكبة" كما يرويها مخرجٌ نرويجي

يحتفل الشعب الفلسطيني والعربي في كل سنة باليوم المصادف لتاريخ بداية "النكبة" الفلسطينية أي 15 ماي/أيار، وهو اليوم الذي تمّ اختياره لإعادة إحياء هذه الذكرى التي تمّ من خلالها قتل وتهجير وتشريد الآلاف من الفلسطينيين، وترويعهم من ديارهم وأرضهم، حيث أُسست على أنقاضها دولة الاحتلال، أو ما بات يعرف بـ"إسرائيل"؛ وهذا بداية من سنة 1948. ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم حاول الشعب الفلسطيني وبمؤازرة العديد من أنصار فكرة تحرير الأراضي الفلسطينية تنظيم العديد من المقاومات، من أجل دحر المحتلّ، لكنهم عبثاً حاولوا، ولم يعد لهم سوى التاريخ المذكور ليحتفلوا به كلّ سنة، لكنّ الذكرى تمرّ دون طعم، وكأنّهم مرغمون على الاحتفال، لتدوينه في سجلّ النشاطات السنوية، حيث إنهم ليسوا مجبرين على أن يحسّوا بالآلام والترويع والتهجير الذي أحس به أجدادهم الأوائل.

من هنا تحولت "النكبة" إلى "نكبات"، بداية بالتهجير من الأرض، التناسي، ثمّ التملّص من مسؤوليات الماضي، والتشبّث بالحاضر، والحلم بالمستقبل بعيداً عن ملحمة الالتصاق بالأرض.

وجدتُ نفسي مرغماً على كتابة هذه المقدمة التاريخية، للإحاطة بالفيلم الذي نتحدّث عنه، والتنبيه على ضرورة تقديم التاريخ أو النزيف العربي  واستظهاره للـ"الآخر"، من خلال قوالب فنية، ليترك الأثر المرجو منه، ويفعل ما لا تفعله المقررات المدرسية، أو رؤساء الأحزاب والنشرات التلفزيونية في خطاباتها المباشرة، فما بالك إن كان هذا القالب في شكل فيلم سينمائي، يعني أكثر الفنون تأثيراً، وأكثر من هذا كلّه، أن يكون مخرجه غيرَ عربيّ، وهذا ما حدث مع فيلم المخرج النرويجي ماتس جرود في فيلمه "البرج" 2018، المنتج من طرف كلّ من النرويج/السويد/فرنسا، وقد شارك في المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي بدورته الـ40، والذي جرت فعالياته من 20 إلى 29 نوفمبر 2018.

 

العملُ هو فيلم رسوم متحركة، من نوع الرسوم الإيقافية (stop motion)، الذي يعتمد في صناعته على استعمال شخصيات حقيقية لكنها مصنوعة من مواد مختلفة، أغلبها من الطين أو الورق، تتحرّك في فضاء حقيقي، سواء كانت هذه الأحداث تجري في داخل البيوت وما تحتويه من أثاث، أو في الخارج وما يحيطها من ديكورات مختلفة، وهي تقنية من بين التقنيات الأربع المعروفة في الرسوم المتحركة.

جرح من الجليل إلى البراجنة

تدور أحداث الفيلم (90 دقيقة) حسب ما جاء في ملخّصه في مدينة بيروت بلبنان، وفي الوقت الحاضر، حيث يعيش الطفل الفلسطيني "وردي" الذي بلغ من العمر أحد عشر عاماً مع عائلته كلّها في مخيم اللاجئين حيث ولد.

كان جدّه المحبوب "سيدي" من بين الأوائل الذين استقرّوا في هذا المخيّم، بعد أن تمّ تشريده من منزله سنة 1948، ولقد قام هذا الجدّ الكبير بتقديم مفتاح بيته الذي كان يحتفظ به لأكثر من سبعة عقود من الزمن، بعد طردِه من الجليل، إلى حفيده العزيز عليه،  "وردي" الذي يمثّل الجيل الرابع من الأسرة والنكبة، وعندما تسلّم هذا الطفلُ المفتاح أحسّ بأنّ جدّه فقد الأمل في العودة إلى أرضه وبيته في الجليل. ومن هنا بدأ يبحث عن طريق كي يجد الأمل المفقود لجدّه ويعيده له.

أقوال جاهزة

شارك غردمن هنا تحولت "النكبة" إلى "نكبات"، بداية بالتهجير من الأرض، التناسي، ثمّ التملّص من مسؤوليات الماضي، والتشبّث بالحاضر، والحلم بالمستقبل بعيداً عن ملحمة الالتصاق بالأرض.

شارك غردومن الناحية الشكلية للفيلم، فقد شكّل ماتس بناءه السرديّ عن طريق الطوابق، إذ تختبئ في كلّ طابق حياة فيها الكثير من الذكريات الحلوة والمرّة، تسير وفق خيط "النكبة" الذي يربط الحاضر بالماضي.

كانت بداية الفيلم مؤلمة، وهذا حين كان "سيدي" يُعاين عند الطبيبة، حيث قالت له بأنها ستدوّن له دواء كي يخفّف عنه الآلام، لكنّه رفض بسبب غلاء الدواء، ولكيلا ينفق ما لديه من مال، ويحتفظ به لحفيده "وردي".

وبينما هو في المستشفى وصل أحدُ جرحى الانتفاضة الفلسطينية، -إشارة زمنية من المخرج- وهذا إحياء ليوم "النكبة"، حيث كان هذا الجريح بين الحياة والموت، وبحاجة ماسة إلى دماء، لينتقل بعدها إلى مشهد آخر، وهو خروج "وردي" من المدرسة، وكأنّ المخرج يُحاول أن يربط بين من هو مقبل على الحياة، وبين من هو مدبر عنها، ليدخل بعدها إلى حيّ برج البراجنة، حيث تتشابك بيوت اللاجئين الفلسطينيين، بشوارع ضيقة، طرقات قصيرة، محلات متلاصقة وصغيرة، وفوضى عمرانية كبيرة، لتكون البداية مع مدخل برج عائلة "سيدي".

 

هذا البرج ذو الطوابق العديدة، إذ يتمّ بناء طابق مع كلّ جيل، خصوصاً وأنه ليس هناك أيّ مساحات للبناء والتوسّع، وقد وقف "سيدي" الذي التقى بحفيده "وردي"، وبدأ التواصل بينهما، والحديث عن الماضي، إذ كان السبب هو شجرة الجوافة الحمراء التي قال عنها بأنّ بذورها هو قد جاء بها من الجليل. ومن هنا ينطلق بنا المخرج إلى الماضي، حيث كانت عائلة "سيدي" في الجليل تعيش حياة فرح ورضا، تأكل ممّا تزرع من جوافة وغيرها، برفقة كلبتهم "لوسي" التي وبعد الترحيل بقيت هناك، لينتقل بعدها إلى المخيمات التي كانت عبارة عن خيمٍ نُصبت هنا وهناك مع بداية النكبة.

وبعد فترةٍ، بدأ البناء عن طريق الطوب، ومن جيلٍ لآخر تعالت البنايات، وأصبحت على ما هي عليه، رغم أن أساساتها لا تحمل كلّ هذا العلوّ.

بعدها صعد "سيدي" إلى غرفته بأعلى البرج، وبعد أن قدّم "المفتاح" لحفيده "وردي"، بدأ الأخير يتنقل من طابق لآخر، حيث تحكي له كلّ عائلة ما حدث لها. وقد كانت البداية مع جدّه "لطفي" الذي يظهر من ملامحه بأنّه يائس وفاقدٌ للأمل، لكنّه بدأ يسرد له حكايته مع المقاومة، ومحاولاته المتكرّرة من أجل العودة إلى بلده فلسطين، عن طريق المقاومة المسلحة. بعدها تمّ أسرُه على يد جيش الاحتلال، ومن هنا تتوارد الحكايات، وكلّ حكاية تروي تاريخاً من النضال والآلام والأحداث.

 

ومن بين أهمّ التواريخ التي مرّ بها الفيلم هي حرب 1997، وحرب 1973، وحرب 1982، وحصار اللاجئين الفلسطينيين إبان الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1986، ناهيك عن العديد من الأحداث الأخرى التي مرّ بها الفلسطينيون في لبنان.

 سينما الطريق/ سينما الطوابق

سينما الطريق هو مصطلح يطلق على الأفلام التي تجري أحداثها الرئيسية على الطريق، يعني الأحداث تجري بشكلٍ أفقي، أما في فيلم "البرج" فتسير الأحداث بشكلٍ عموديّ، يمكن أن نطلق عليها "سينما الطوابق"، خاصة وأنهما تؤديان نفس المفهوم والمغزى. ولقد استطاع المخرج ماتس جرود في هذا الفيلم أن يقّدم لنا فيلماً سلساً، يقدّم المعلومة دون أن يقمع البعدَ الفنّي، بمعنى أنه وصل إلى القيمة السينمائية والقيمة التاريخية في نفس الوقت، دون أن يورّط نفسه في تلك الخطابات التي تجعل المتلقي ينظر لها بريبة، خاصة وأن الفيلم سيتمّ توجيهه بالأساس إلى مشاهد غربي لا يعرف إلا القليل عن "النكبة"؛ وهذا القليل معظمه غير حقيقي.

هذا من الناحية الموضوعية، أما من الناحية الشكلية للفيلم فقد شكّل ماتس بناءه السرديّ عن طريق الطوابق، إذ تختبئ في كلّ طابق حياة فيها الكثير من الذكريات الحلوة والمرّة، تسير وفق خيط "النكبة" الذي يربط الحاضر بالماضي.

ولا يكتفي بالطوابق ليقدّم حكايتها عن طريق الرسوم المتحركة الإيقافية، بل يربطها بصور فوتوغرافية حقيقية لتلك العائلات، أو فيديوهات من الأرشيف، وهي خاصية أراد من خلالها المخرج ألا يجعل المشاهد يغرق في الخيال، بل يرجعه من حين لآخر إلى الواقع؛ واقع الأحداث والأشياء التي تجري على الأرض، لا في ذهن وخيال المخرج أو صاحب السيناريو كي يرفّه بها عن الجمهور. ناهيك عن التنبيهات التي كان يقدّمها من حين لآخر، كي يزرع شيئاً من الحزن، لأنه من الصعب أن تزول مشاهد الحزن من الذاكرة، وأقسى تلك المشاهد رصاصة القناص التي استقرّت في جسد طفل صغير كان يلعب بين أطلال المخيّم حين تعرّض للقصف.

كما استطاع المخرج أن يقدّم باقة مختلفة من المشاهد التي تخلق نوعاً من المقارنة، سواء من الناحية الجمالية، أو الروحية؛ من بينهما مشهد وفاة "سيدي"، حيث قام سربٌ من الحمام، وطار به إلى الجليل، وهذا المشهد لا يفهم بظاهره، بل بباطنه، حيث أن روحه ذهبت إلى هناك، بعد أن أسر جسده في هذا المخيم. كما أن هناك مشهداً قاسياً جدّاً، حُمل فيه جدُّه الأسير في قفص حديديّ عن طريق طائرة هيليكوبتر، حيث كان يتمّ أخذه إلى فلسطين المحتلة، ناهيك عن عديد المشاهد الأخرى.

كما أحسن المخرج في عملية التحكّم بالمشاعر الفيزيائية للدمى، من خلال عكس الأفعال والنفسيات والمراحل العمرية على وجوههم، مثل اليأس والندم والحسرة والحزن وغيره من العواطف الأخرى، وهذا أمر لابدّ من الإشارة إليه، وهو من بين أقوى الأشياء التي صنعت جمالية وتميّز هذا الفيلم.

ناقد سينمائي وصحفي جزائري.

التعليقات

المقال التالي