إنها ليست ابتسامات بلهاء تماماً، هي تشبه أكثر فعلة آينشتاين

إنها ليست ابتسامات بلهاء تماماً، هي تشبه أكثر فعلة آينشتاين

لا يمكن اعتبار ياسر مروة إنساناً عادياً، هو الناجي من الموت مرّتين، مرةً بحكم القدر، ومرّةً أخرى بفعل الإرادة والحب الذي أحاطته به عائلة، أصدقاء وحبيبة "هي كلّ أحلامه".

خارج إلى الحياة من صقيع برّاد الجثث، يشعر بدفئه الإنساني كل من يمدّ له يده اليمنى ليسلّم عليه، فيمّد هو اليسرى، السليمة، ويشدّ.

في 17 شباط 1987 اغتيل جدّ ياسر، المفكّر حسين مروة، على كورنيش المزرعة، ركض صبي الـ17 عاماً (يا للصدفة في تطابق الأرقام، كأنها تريد أن تقول شيئاً ما!) ليرى ماذا حدث، فنال نصيبه من رصاصة أصابته في الرأس، حطمت جزءاً من جمجمته، وتناثرت معها قدراته على النطق، القراءة والكتابة، فتحوّلت حياته الجديدة إلى شغلٍ شاغلٍ لترميم الذاكرة، تجلّى عبر نصوصٍ ورسومٍ وأغانٍ للأطفال، مسرح ودواوين شعر آخرها "ابتسامات بلهاء مرّت في محطة شتوتغارت"، الصادر هذا العام، عن دار النهضة.

أطلق ياسر مسرحيته "أمتطي غيمة" عام 2013 (أخرجها له أخوه ربيع مروة) كجزء من علاج يُعيد فيه ترتيب قدرته على الاستيعاب والتمييز بين الحقيقة والتمثيل، إذ يقوم تمرينه الأساسي على تصوير مشاهد من الحياة اليوميّة العاديّة، ثم إعادة رؤيتها وفهمها. لكنه ما لبث أن تحوّل من "مريض" إلى شخصية فوق خشبة، تعرض بدون تمثيل، ولكن بأداء فني معاصر، بيوغرافيا عن الولادة، المدرسة، الحزب، الاغتيال، الإصابة، رحلة الاستشفاء وما تلاها، أي إلى اليوم.

أقوال جاهزة

شارك غردأصابته رصاصة في الرأس، حطمت جزءاً من جمجمته، وتناثرت معها قدراته على النطق والقراءة والكتابة، فتحوّلت حياته الجديدة إلى شغلٍ شاغلٍ لترميم الذاكرة عبر نصوصٍ ورسومٍ وأغانٍ : عن ياسر مروة ومشروعه الإبداعي

شارك غردكتاب ياسر مروة يجمع بين دفتيه أوراقاً من رحلته الكوزموبوليتية التي باشر بتأليفها ما إن وطئت قدماه بلاط بيته، فخرج نصّه الأول: "عتبة"

بعد بيروت، جابت المسرحية على امتداد خمس سنوات متواصلة مدناً مختلفة من العالم، في: ألمانيا، إيطاليا، الأردن، فلسطين، السويد، سوريا، سويسرا، اليابان وغيرها… فجاء هذا الكتاب ليجمع بين دفتيه أوراقاً من هذه الرحلة الكوزموبوليتية وعنها، باشر الكاتب بتأليفها ما إن وطئت قدماه بلاط بيته، فخرج نصّه الأول: "عتبة". 

ربما كقارئة أتناول الكتاب للمتعة، دون أن أدّعي أني أملك أدوات النقد الأدبي كلّها، ولا النية فيه أصلاً، لا أرى هنا كل النصوص أبياتاً حرّة، بل تخلّلها سرد - سردات في بعض الأماكن، مثل النص الثالث الذي يحمل تماماً عنوان الكتاب، "أفلام بيروت" (ص. 16) و"المخطوفون" (ص. 34)... أيضاً، أتت بعض النصوص كمزيج بين الشعر والسيرة، مثل "سياج أمستردام" (ص. 56).

طوال الطريق - الطرقات، في البلاد القريبة والبعيدة، كانت الكاميرا الرفيقة الدائمة للشاعر، المسرحي والراوي، وربما أحياناً الوحيدة، فذكر وكرّر مفردات وعبارات من الحقل المعجمي للتصوير: الصور، أصور، فيديو الكاميرا في تليفوني، كاميرتي، عرضت تصوير المشهد بشكل "فلو"، عيناي، أراقب… طبعاً، ولا شك، هنا غنى أيضاً بكلمات ذات صلة مع ثيمة "السفر".

حسناً، وأخيراً وليس آخراً، إنها ليست ابتسامات بلهاء تماماً، هي تشبه أكثر فعلة آينشتاين، عندما مدّ لسانه ليسخر من هذا العالم، فهل كان آينشتاين أبلهاً؟

رنا قاروط

كاتبة ومترجمة ورسامة، لها عشرات المقالات حول التربية والمجتمع والعمارة.

التعليقات

المقال التالي