"ضَرب ناقوسي في ديري، فتحركت الصلبان": النفحة المسيحية في الغناء الإسلامي الصوفي

"ضَرب ناقوسي في ديري، فتحركت الصلبان": النفحة المسيحية في الغناء الإسلامي الصوفي

ضرب ناقوسي في ديري (يعني في قلبي) تحركت الصلبان

فهز الجسمان، ولساكن القلب أكلمه كلمة.. كلمة ورا كلمة ورا كلمة.

ولراهب الدير أكلمه كلمة.. كلمني كلمة على كل لسان".

سألت عليه القديمة (يعني كلمة لا إله إلا الله، الله محبة، الله في قلبي محبة). سألت عليك المحبة، صبح جسمي بالحب ثانية.

قال لي: اسمع يا شاطر وافهم الرموز اللي فيها المعنى والكلام. قلت له: إيه، قال لي: موسى وعيسى المسيح والأنبياء كلهم يهدو إلى طريق الرحمن.

ما سبق هو مطلع قصيدة "الله محبة"، التي كتبها -بلغة فصيحة مختلطة بالعامية المصرية- وغناها المنشد الصوفي الشيخ أحمد التوني، الشهير بـ"ساقي الأرواح".

القصيدة مليئة بتعابير مسيحية عقائدية، رغم أن من يرددها مسلم متصوف، أي أننا هنا لسنا أمام غناء علماني، يستطيع الاقتراض من أي ثقافة، كما فعلت أم كلثوم مثلا، وهي امرأة مسلمة، حين غنت: قالوا أحَبَّ القَسُّ سلاَّمةً/ وهْو التَّقِيُّ الوَرِعُ الطاهِرُ:

قالوا احب القس سلامة لأم كلثوم

قالوا أحب القس سلّامة لأم كلثوم : أجواء مقام الصبا الحزين تُولّدُ ، مرة أخرى ، عبر بطء و استرسال اللحن المبني في انطلاقه على تتالٍ محدد من الأصوات الموسيقيةأشرت في النشرة السابقة ، التي تأتي في سياق عدة نشرات أركز فيها على مقام الصبا ، الذي عُرف بملاءمته لأجواء الحزن والألم ، أن الأمر يتعلق بعوامل محددة ، يستلزم الأمر تأمينها لكي يولَِد مقام الصبا تلك الأجواء ، ومنها : بطء اللحن ، أو أن يكون مرسلاً بدون إيقاع ، مع البدء بإبراز أصوات محددة في سلم مقام الصبا الموسيقي ، تُنفذ بتتالٍ محدد ، سرعان ما تشيع أجواء الحزن ، و كنت عرضتُ للدلالة على ذلك مشهداً من ارتجال لي على آلة القانون ، كنت قدمته على المسرح الكبير في دار الأوبرا بالقاهرة عام 1993 ، جاء على مقام الصبا ، واستخدمتُ فيه تقنية عزف خاصة بي ، تبرز البعد الحزين للمقام ، مع سيطرة عاملي البطء والاسترسال ، إضافة على التركيز ومن البداية ، على إطلاق تتالٍ معينٍ للأصوات الموسيقية المشكلة لمقام الصبا ، يساعد مباشرة على إشاعة أجواء الحزن التي عُرف بها المقام.أتوقف اليوم عند نموذج غنائي على مقام الصبا ، يغلب عليه الحزن أيضاً ، ويتم فيه البدء بالتتالي ذاته من الأصوات ، التي كنت بدأت بها عزفي المرتجل على القانون ، على أن أتابع في النشرات التالية ، مع نماذج غنائية تشع منهما الحيوية ، وحتى المرح ، و لكنها تستخدم مداخل مختلفة للحن ، بما يؤكد كما قلت في نشرتي السابقة أن المقامات الموسيقية العربية قابلة لتوليد أجواء عاطفية كثيرة، انطلاقاً من عوامل ، تتعلق بمدى حيوية الجملة اللحنية أو بطئها ، و بتسلسل الأصوات الموسيقية المشكلة للجمل اللحنية ، إضافة إلى عوامل عديدة أخرى ، تشكل غنى الموسيقى العربية وثرائها ، ولها أحاديث أخرى!أعرض اليوم إذاً إلى قصيدة كتبها علي أحمد باكثير ، ولحنها رياض السنباطي ، وغنتها أم كلثوم في سياق فيلم سلامة عام 1945 هي : قالوا أحب القس سلاّمةالنص :قالوا أحب القسُّ سلامة * وهو التقي الورع الطاهرُكأنما لم يدرِ طعم الهوى * والحبِّ إلا الرجلُ الفاجرُيا قومِ إني بشرٌ مثلكم * وفاطري ربكم الفاطرُلي كبدٌ تهفو كأكبادكم * ولي فؤادٌ مثلكم شاعرُاللحنجاء اللحن على مقام الصبا ، على درجة الري ، وبدأ بمقدمة موسيقية بطيئة ومرسلة ، و نلاحظ مباشرة أن المقدمة تبدأ بجملة لحنية على مقام الصبا ، تعتمد تتالياً محدداً للأصوات الموسيقية ، هو التتالي ذاته ، الذي كنت بدأت فيه عزفي على القانون ، مضمون النشرة السابقة ، ولو بجملة لحنية أخرى ، كما نلاحظ أن الغناء أيضاً يبدأ بالطريقة ذاتها . طبعاً لابد من الإشارة إلى أن هذا التتالي يأتي في سياق جمل لحنية مختلفة ، ولكنها توظِّفُ التتالي ذاته من الأصوات.عندما يصل الغناء إلى : يا قوم إني بشر مثلكم ، تتحول أجواء اللحن ، لكي تعبر عن أجواء استعطافية ، ما يتطلب الانتقال إلى مقام البيات على درجة الري ، لتكرر أم كلثوم البيت ذاته ، للتعبير عن عاطفة أخرى تالية للاستعطاف ، وهي الاستنكار ، من خلال الانتقال إلى مقام الراست ، على درجة الصول ، و في تصاعد للحن مشحون بجرعة استنكارية واضحة لموقف قوم القس منه ، إذ أن القصيدة جاءت في الفيلم ، لتعبر عن لسان حال القس ، الذي أحب سلامة ، ليعود الغناء إلى مقام الصبا ، عند : لي كبدٌ تهفو كأكبادكم ، ليختتم اللحن على مقام الصبا كما بدأ.هذه هي أجواء مقام الصبا الحزين ، في نموذجين متقاربين ، وهناك نماذج كثيرة أخرى ، منها مثلاً أغنية سماح لمحمد قنديل من ألحان أحمد صدقي ، ولكن الوقت حان الآن للانتقال إلى أجواء اخرى ، في النشرات التالية ، بعيدة كل البعد ، عن هذه الأجواء الحزينة ، يسيطر عليها الفرح ، وحتى المرح ، وعلى مقام الصبا!تجدر الإشارة إلى أن السيدة أم كلثوم أخطأت في تحريك حرف الباء في كلمة الحب ، إذ أدتها بالضم : الحبُّ ، والصحيح أن تأتي بالكسر : والحبِّ حيث تكون معطوفة على الهوى ، أو بالفتحة : والحبَّ وتكون معطوفة على طعمَ .

Publiée par ‎Dr. Saadalla Agha AlKalaa الدكتور سعد الله آغا القلعة‎ sur Jeudi 3 août 2017

 

قصيدة التوني كانت محط اهتمام الباحثة بجامعة غرناطة الإسبانية، رينيه حنا حتر Renee Hanna Hattar، فأعدت دراسة بعنوان: "الموسيقى والحوار بين الأديان: التأثيرات المسيحية في الموسيقى العربية الإسلامية - Music and Interfaith Dialogue: Christian Influences in Arabic Islamic Music"، مستشهدة بتلك الأنشودة، على دور الموسيقى في التقريب والحوار بين الثقافات والأديان.

حب إلهي إسلامي على الطريقة المسيحية

في أنشودة التوني الصوفية، نشاهد المفردات والمعاني المسيحية وسيلة للتعبير عن الحب الإلهي، بحسب تعليقات التوني نفسه أثناء غنائه (نلحظ ذلك في العبارات المكتوبة بين أقواس)، فلأنه مسلم ويغني لجمهور مسلم متصوف، أشار إلى أن "الدير" يعني "قلب" و"من يعيش في القلب (الدير)، هو الإنسان المحب الذي يعيش في داخله (راهب الدير).

التفسير من وجهة النظر الإسلامية، وفقا للتوني، هو أن الحب في قلوبنا مرتبط مباشرة بالله، حيث يعيشان معا في قلب المؤمن. والناقوس هو ضربات هذا القلب، التي تحركه للغناء بالمحبة، وبالتالي يتحرك جسمه بالكامل (الصلبان).

ويواصل التوني، ويقول إنه رغب التحدث بكلمة مع الراهب (الشخص الذي يعيش في قلبه). فسأل عنه "الكلمة القديمة"، ويفسرها بأنها المحبة "فالله هو المحبة". بطريقة غير متناقضة، فإن كلمات هذه القصيدة مشحونة جدا بقيمة أو معنى أن تكون مسلماً وتغني غناءً دينياً، مستخدما مفردات دينية مسيحية بحتة، فلا الناقوس ولا الدير ولا الراهب لهم علاقة بالإسلام.

ولكن من الواضح أن هذه الكلمات بمعناها متأثرة بأصلها المسيحي العقائدي؛ فإذا غناها شخص آخر دون التفسيرات التي يقدمها التوني، ستفهم بالضرورة على معناها المسيحي الظاهر.

وترى حتر أن ما هو ملحوظ في هذه الأنشودة وشبيهاتها، هو أن الفنانين يجدون دوماً قيمة وجمالاً مشتركين داخل النص الشعري والموسيقي، تدفعهم في المقام الأول إلى غنائها؛ بدافع من قيمة الحب الإلهي، الذي يحرك القلب والجسد، والذي تنقله جميع الأديان، وكل الأنبياء، فالحب الإلهي هو جوهر رسالاتهم جميعاً.

الاتجاه إلى دمج الغناء الصوفي الإسلامي، بالغناء المسيحي الديني أصبح شائعاً في مصر الآن، فالتوني ليس الوحيد في مصر من منشدي التصوف، الذي تأثر بالمسيحية في غنائه، فهناك كثيرون فعلوا نفس الأمر. فعلى سبيل المثال نجد فرقة "رسالة سلام"، التي تتألف من عناصر مسيحية مسلمة، تقدم هذا المزج:

التأثير المسيحي قديم

أوضحت حتر أن للأمر جذوراً قديمة؛ فالموسيقى في الإسلام بالأساس تأثرت كثيراً بالموسيقى المسيحية الكنسية، لافتة إلى أن الموسيقى في الإسلام عليها خلاف شديد، بين من يحرمها ويحللها، ولكن المتصوفة على وجه الخصوص أقروها، وبعضهم اعتبرها وسيلة للتعبد، كما في المسيحية.

في المسيحية، كانت الموسيقى دائماً هامة جداً، ويعود استخدامها إلى "العهد القديم". ويدعو بولس الرسول المسيحيين إلى الغناء في مناسبات عديدة،

كما هو الحال في رسالته إلى أهل كولوسي: "لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى، وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضا، بمزامير وتسابيح وأغانٍ روحية، بنعمة مترنمين في قلوبكم للرب". وبناءً على ذلك، بدأ العديد من الكهنة، بما في ذلك بعض آباء الكنيسة، مثل القديس إفريم السوري (307 - 373) وسانت يوحنا الدمشقي، بتأليف الترانيم في أبيات شعرية.

وفي الإنشاد الصوفي الإسلامي، من الصعب عدم ملاحظة تأثير الرهبان المسيحيين، الذين احتكوا بالمسلمين الذين هاجروا إلى إثيوبيا في عهد النبي، ومن ثم من احتكوا بهم في مكة، كبلال ابن رباح "الحبشي"، الذي اختاره النبي خصيصا لمهمة الآذان لحلاوة صوته، تقول رينيه حتر.

ولفتت حتر إلى أن النبي كانت له جاريتان مسيحيتان، من القيان، وهما سيرين بنت شمعون، ومارية بنت شمعون، اللتان أهداهما المقوقس (عظيم أقباط مصر) للنبي. وقيل إنهما كانتا تجيدان الغناء، وأحب النبي مارية وتزوجها، بحسب كتاب "القيان والغناء في العصر الجاهلي" لناصر الدين الأسد. 

أقوال جاهزة

شارك غرديعترف العديد من الموسيقيين بالتبادل بين الآرامية والبيزنطية والفارسية والعربية. هذا الاتجاه يدعم فكرة أن المقامات الموسيقية العربية تستند بالأساس إلى الموسيقى السريانية، التي بدورها تستند إلى الألحان البابلية القديمة.

شارك غرد"قال لي: موسى وعيسى المسيح والأنبياء كلهم يهدو إلى طريق الرحمن": الغناء الصوفي ومفرداته الإنسانية في التعبير عن الحب الإلهي

الموسيقى المسيحية في الثقافة العربية الإسلامية

الموسيقى البيزنطية والموسيقى السريانية، هما النوعان الرئيسيان من الموسيقى المسيحية، اللتان أثرتا على الموسيقى العربية بشكل عام، والموسيقى الدينية الصوفية على وجه الخصوص، بحسب رينيه حتر.

انتقلت تلك الموسيقى إلى العرب، من مسيحي المنطقة، ومن خلال الرحلات التجارية أو الحروب والفتوحات، أو من خلال المعاملات بين العرب من جهة، والمسيحيين من شعوب الشرق الأوسط من جهة أخرى.

جاءت الموسيقى البيزنطية إلى المنطقة العربية، من خلال الإغريق، مع فتوحات الإسكندر الأكبر لدول البحر الأبيض المتوسط، التي بدأت في 333 قبل الميلاد، واستمرت في التطور، حتى أصبحت هي نفسها موسيقى الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية.

وبعد الإسلام بدأت دورة مثيرة للاهتمام تتطور في الثقافة العربية، حيث تأثر علماء الموسيقى العربية بالموسيقى الكنسية بشكل غير مباشر، عن طريق ترجماتهم عن العلوم الموسيقية اليونانية والفارسية، ومن هؤلاء كان الفرابي والكندي وابن سينا.

ولكن الشخص الذي أدخل تغييرات واضحة في تطوير الموسيقى العربية، والذي تأثر بالموسيقى البيزنطية بشكل كبير، كان صفي الدين الأرموي، في القرن الثالث عشر الميلادي.

الموسيقى السريانية وثقافة السومريين والأكاديين

أما المسار الآخر للتأثير المسيحي على الموسيقى العربية، فكان عن طريق الموسيقى السريانية، التي ترجع أصولها إلى موسيقى وثقافة السومريين والأكاديين (2334 ق.م). لا يُعرف الكثير عن الموسيقى السريانية، لأنها نقلت شفويا، لكنها أثرت بدورها في الصلوات والهتافات الليتورجية للكنيسة المسيحية في أنطاكية والعراق وإيران، ومن ثم تأثرت بها الثقافة العربية، خاصة بعد الفتح العربي.

يعترف العديد من الموسيقيين بالتبادل بين الآرامية والبيزنطية والفارسية والعربية. هذا الاتجاه يدعم فكرة أن المقامات الموسيقية العربية تستند بالأساس إلى الموسيقى السريانية، التي بدورها تستند إلى الألحان البابلية القديمة.

هناك أيضاً آراء أخرى تدعم وجود صلة بين البابليين والموسيقى العبرية القديمة، التي أخذها المسيحيون الأوائل من اليهود، وكان لهم هذا التأثير خلال الفترة التي عاشوا فيها في بابل بعد أسرهم، بحسب كتاب "الموسيقى السورية عبر التاريخ" لـكبرئيل أسعد. كذلك فإن الممالك العربية الشمالية المسيحية، من الغساسنة (220-638) في الشام، واللخميين في العراق، تطورت كمراكز فنية وثقافية هامة جداً.

وفي القصور الملكية في كلا المملكتين، تجمع الشعراء والمغنون للترفيه عن الحكام، ووصلت شهرة شعرائهم ومطربيهم إلى شبه الجزيرة العربية، والعديد من المناطق الأخرى، عبر الطرق التجارية.

خلال القرون الأولى للإسلام، وبعد الفتوحات، في القرنين السادس والسابع، جلب المسلمون عدداً كبيراً من الأسرى أراضي الإمبراطورية الرومانية البيزنطية والفارسية، إلى مدن الحجاز، وكان من بين هؤلاء الأسرى موسيقيون ومغنون.

وقد أدت هذه العلاقات المتبادلة بالاتصال بين العرب والقادمين من أراضي بيزنطة وفارس، إلى انعكاس لتلك التأثيرات الموسيقية على الشعر العربي. وحدث نفس الشيء في المدن التي دخلها المسلمون، حيث بدأت الموسيقى تصبح جزءاً من الثقافة الإسلامية الفعلية، المترابطة مع ثقافات المنطقة والثقافات المجاورة، وبشكل خاص السريانية والبيزنطية والفارسية.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي