شعريات الاختفاء والتلاشي

شعريات الاختفاء والتلاشي

عام 1958 وقف أكثر من ثلاثة ألاف شخص على باب صالة "إيريس كلير" في باريس، منتظرين افتتاح معرض الفنان الفرنسي إيف كلاين المعنون بـ(تخصيص الحساسيّة في الحالة الماديّة الصرفة نحو حساسيّة صوريّة ثابتة-الفراغ).

ما إن دخل الجمهور، حتى استقبلوا بالطعام والمشاريب الاعتيادية التي نراها في أي افتتاح، هام المتفرجون في الصالة المطلية بالأبيض كلياً، باحثين عن العمل الفنيّ، عن "الموجودات" التي انتظروا وتأنقوا لمشاهدتها، لكن لم يجدوا شيئاً، سوى جدران مطليّة بالأبيض لا تحوي أي شيء.

بالرغم من التأويلات الكثيرة والمحاضرات التي ألقاها كلاين ليشرح تجربته، وسعيه لتحرير المنتج الفنيّ من ماديته منتقداً مفاهيم الذوق وطقس التلقّي، إلا أن الحقيقة، أن هناك تواطؤاً واضحاً بين كلاين وبين القائمين على المعرض، هو حدث استعراضي، وامتياز للفنان الذي اخترع لوناً، وحاول اللعب مع الجمهور.

لكن هناك خاصيّة تحويها تجربة كلاين وتنقدها، وهي نفي القدرة على الانتقال-anti-transmissibility، أي أن مُنتجات/موضوعات هذا المعرض، عصيّة على النّقل أو الاستنساخ أو التبادل، هي متخيلات غير ملموسة، هي حقيقة لا وجود لها، يمكن فقط معرفتها دون إدراكها.

ضد الانتقال

مع التطور التكنولوجيّ وشروط العصر، أًصبح انتقال العمل الفني من الفنان إلى المتلقي سياسياً، ومرتبطاً بالقناة أو الوسيلة التي تجعله مرئياً

تؤثر القدرة على الانتقال على محتوى العمل الفنيّ، بوصفه جهداً يمارس في سبيل إيصال حسّ جماليّ أو معرفة ما عبر وسيط، ومع التطور التكنولوجيّ وشروط العصر، أًصبح انتقال العمل الفني من الفنان إلى المتلقي سياسياً، ومرتبطاً بالقناة أو الوسيلة التي تجعله مرئياً.

بالتالي، صناعة حدث فنيّ لا يمكن نقله أو يتلاشى بمجرد الانتهاء منه، يحرر الفن من كيفية تلقيه، سواء كان الفرد يشاهد العشاء الأخير أو صورة لها على الهاتف المحمول، ليتحول التلقي في هذه الحالة إلى إحساس شخصيّ بلا طقس للتلقي ومحكوم بخصائص الشاشة.

الأهم أن هذا الاختفاء أو التلاشي، مرتبط أحياناً بقوى خارجيّة، تزيل العمل الفنيّ، أو قوى داخلية تجعل من هذا العمل النفي أشبه بقنبلة موقوتة، بانتظار الانفجار، لتتحول إلى لا شيء، وتغيب عن الوجود، كما في مكعب الثلج الذي عرضه الأمريكي بول كوس، والذي يحاول أن يسجل صوته وهو يذوب مع الزمن.

هذا التلاشيّ يعيد بعضاً من أصالة العمل الفنيّ، فهو ليس غرضاً هشاً فحسب، بل حدثٌ ضمن العالم لا يمكن تكراره، كونه يخضع لقوانين الفضاء العام وأعرافه.

وهنا تأتي التساؤلات عن الاختفاء، بوصفه جهداً سياسياً، سواء من قبل الدولة، كما في أعمال الغرافيتي وفن الشارع الـ"ممنوعة" قانوناً، ويتم إخفاؤها وتجريم صناعها والأهم أنه لا يمكن نقلها أو امتلاكها كونها في الفضاء العام، ما يجعلها أشد نقديّة من لوحة في معرض أو مزاد، أما الأعمال التي تفخخ نفسها كما في حالة بانكسي - وهي ليست الأولى من نوعها ولا الأشد فرادة- لا تندرج ضمن ذات المنطق، هو فقط خلق "غرضاً" فنياً جديداً، ونقل نقطة النهاية من "العمل" إلى مكان جديد، فعوضاً عن أن تكون في مرسمه، أصبحت في المزاد.

ضد الانتهاء

تهدد خاصية اللانتهاء في العمل الفنيّ تاريخانيّته، كما تنفي سلطة الفنان الذي يحاول تكوين موضوعة ذات بداية ونهاية، هي تحرر العمل الفنيّ من وصفه كـ"غرض" جاعلة إياه "عمليّة" لا تنتهيّ، ولا تبشّر أو ترسم أفق التوقع بالكمال، فالعمل الفنيّ حينها لا "يتم" أو"يوقّع عليه"، هو مستمر خارج سلطة المتخيل الخاص بالفنان وبالمتلقي والناقد، وخصوصاً أن ماديته لا تتجلى إلا باختفائه التدريجي أو استمراره.

هذه الديناميكيّة التي يتلاعب العمل الفنيّ فيها بصناعته الداخليّة، تجعله بمواجهة السلطة في بعض السياقات، كونه يتحرر من سطوة المتحف والفنان، ليصبح موضوعة للصراع المباشر والجدل حول حق الظهور وعلاقته مع السلطة السياسيّة، ليتحول الحدث الفنيّ إلى مساحة لاختبار الاحتمالات الكامنة ومدى توافرها، كاشفاً آليات المنع والحرمان، فـ"النهاية" هنا حين تفرض بالقوّة، تُحدد الحكايات اللاحقة، وتُدخل العمل الفنيّ ضمن التاريخ، وتزيح الاهتمام من "مضمونه" إلى الشروط التي أدت إلى تغيره أو اختفائه. 

وهنا تكمن شعرية اللانهاية كون العمل الفنيّ يصبح عصياً على الإحاطة به، ومُتغير دوماً ولا ندري من المشاركين به، إذ يزح الاهتمام إلى الكيفيّة والطريقة التي وظّفت في سبيل اختفائه، كما في "سبيكرات الحرية" في دمشق التي كانت تبث موسيقا ضد النظام السوريّ، ولا "تتلاشى" إلا عندما نشاهد رجال الأمن والسلطة يقومون بإزالتها، وهنا تكمن "العمليّة" التي تكوّن الحدث الفنيّ عبر الاستفادة من خصائص الفضاء العام الرمزيّة والماديّة والقوى البشريّة التي تتحكم به.

أقوال جاهزة

شارك غردهناك خاصيّة فريدة لتجربة الفنان كلاين، وهي نفي القدرة على الانتقال-anti-transmissibility، أي أن مُنتجات/ موضوعاته، عصيّة على النّقل أو الاستنساخ أو التبادل، هي متخيلات غير ملموسة، هي حقيقة لا وجود لها، يمكن فقط معرفتها دون إدراكها

شارك غردتكسر بعض الأعمال الإيقاع الجمعيّ لمكان ما، كما فعلت فنانة الأداء ديبرا دو روبيرتس حينما جلست أسفل لوحة "أصل العالم" الشهيرة، وقامت بساطة بتقليد ما نراه في الصورة، كاشفة عن فرجها للملأ، مغيرة من إيقاع المتحف، ليعلو التصفيق، و تطرح التساؤلات الذاتيّة عن إباحة العريّ داخل الإطار المذهّب المعلّق على الجدار، و منعه على مسافة متر أو أكثر منه.

فصنّاع هذا الحدث هم أولئك "المرئيين" الذين يقومون بنفي "الموسيقا" وجعلها تتلاشى، خصوصاً أنها تكشف عن احتمالات خفيّة، كالرقص على الإيقاع، أو الصفير مع الأغنيّة أو التظاهر، ليتحول الموضوع الفنيّ (أغنيّة تُبثّ من مكان مجهول) إلى محرك لكشف ما هو متاح وممنوع، لا لأسباب رومانسيّة وجماليّة، بل لأسباب سياسية ملموسة.

ضد الإيقاع

يقسّم العالم -أو قسّم العالم- بسبب سطوة الرأسماليّة إلى إيقاعين، الأول طبيعي، لا متناهٍ، لا سيادة فيه، والآخر بشريّ، أزمنته مضبوطة تتوزع بين وقت الراحة والعمل والترفيه والاستهلاك وتلقي العمل الفنيّ، هذا الإيقاع المضبوط مسبقاً، يُهدد العمل الفني الذي "خصصت" له مساحة للظهور، مساحة مؤطّرة مكانياً وزمنٌ مضبوط للمشاهدة أو القراءة أو غيرها.

لكن إثر الهيمنة الرمزيّة والسياسيّة -الصناعة الثقافيّة- اختلط التلقي الفنيّ مع الهيمنة الرمزيّة، وفقد الزمن الفنيّ أصالته عن غيره من الأوقات، بل وأصبح الزمن الفنيّ جزءاً من "تدفق" العالم الرأسماليّ وإيقاعه، لا وسيلة لحرفه، وتحول اللعب الفنيّ المقنّن إلى مساحة يتاح فيها ما لا يتاح في غيرها، وهذا ما يحول الجهد الفنيّ التقليديّ كما في الموسيقى، إلى جزء من البنية بأكملها، هو ليس خطأ ولا يقوم على الارتجال، بل مساحة مضبوطة للعب.

هنا يأتي الحدث الفنيّ بوصفه انقطاعاً في هذا الإيقاع ودعوة للفوضى، انحرافاً وتغييراً، أو خطأ غير محسوب، إما يُحررنا ويحيلنا إلى زمن مُغاير، أو يغير الزمن السابق ويكشف "بنيته"، متيحاً لنا وللموضوعة الفنيّة أن تتحرر من سطوة الماضي ومعلميه وتوقعات المستقبل.

وكأن العمل الفنيّ يمتلك طاقة تحررنا من زمن الاستعراض والزمن الاقتصاديّ وإيقاعهما، نحو زمن أشد أصالة، زمن متحرر من الإنتاج والحفاظ على الحياة، ليصبح الحدث الفنيّ أو العمل الفنيّ مفتاحاً نحو عوالم شعريّة.

لكن، لا يوجد عمل أو حدث فنيّ يحمل كل هذه الخصائص مجتمعة، لكن هناك بعض الأعمال التي تعكس بعض الخصائص والتي تكسر الإيقاع الجمعيّ لمكان ما، كما فعلت فنانة الأداء ديبرا دو روبيرتس حينما جلست أسفل لوحة "أصل العالم" الشهيرة، وقامت ببساطة بتقليد ما نراه في الصورة، كاشفة عن فرجها للملأ، مغيرة من إيقاع المتحف، ليعلو التصفيق، وتطرح التساؤلات الذاتيّة عن إباحة العريّ داخل الإطار المذهّب المعلّق على الجدار، ومنعه على مسافة متر أو أكثر منه.

ضد الإعلان

بعد تلاشي هالة العمل الفنيّ وغياب الأصالة بسبب القدرة على الاستنساخ، يجد الجهد الفني نفسه بمواجهة الإعلان، ذاك الذي يستفيد من كل التقنيات الفنيّة لكنه ذو تأثير دقيق ومدروس، إما أن تشتري السلعة أو تغير أفكارك.

هذه المواجهة مع الإعلان، المتكرر، الخفي والظاهر، والحاضر في كل مكان -حرفياً في كل مكان-، هددت أشكال الظهور من جهة والأثر الفنيّ من جهة أخرى، خصوصاً أنّ الإعلان خاضع للإيقاع السابق، يستهدف أوقات الفراغ ومساحات الراحة واللعب، في سبيل تجهيز الفرد إما للعمل أو الاستهلاك، ولخلق وعي زائف بالعالم من حوله.

كما يوظف التاريخ الفنيّ ذاته في سبيل الشرعنة الذاتية -ودخل أيضاً في تاريخ الفن كما في البوب أرت-، وما يحصل أن بعض التجارب الفنيّة كما في معرض إيف كلاين الخالي، تدفع الفرد لاختبار الهالة الاصطناعيّة، إذ يهدر المعرض "وقت" المشاهدين وجهدهم، ويجعل الطقوس الفنيّة فارغة وساخرة، كأنهم ينتظرون أمام بناء تجاريّ لشراء ثياب باهظة الثمن.

فإيف كلاين فكك أفق التوقع، وحول جهد الجمهور إلى سخريّة من الإعلان وأثره الماديّ، وجعل الهدف من معرضه عدمياً، لا شيء سوى جدران بيضاء، فلا بضاعة أو فن لاستهلاكهما.

عمار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي