من يايوإي كوزاما إلى مي زيادة وسعيد عقل: زيارة لمهرجان بيروت للأفلام الوثائقية عن الفنون

من يايوإي كوزاما إلى مي زيادة وسعيد عقل: زيارة لمهرجان بيروت للأفلام الوثائقية عن الفنون

مجموعة متنوّعة من الأفلام الوثائقية تقدّمها النسخة الرابعة من مهرجان بيروت للأفلام الوثائقيّة عن الفنون هذا العام Beirut Art Film Festival BAFF 2018، حتى نهاية الشهر الجاري.

ستون فيلماً وثائقياً يتمّ عرضها ضمن إطار فعاليات مهرجان بيروت لأفلام الفنون الوثائقيّة هذا العام وهي تتوزّع على فنون العمارة، الرقص، الرسم، الموسيقى، الأدب، المسرح الراقص والتصوير الفوتوغرافي. كما تركّز الأفلام على بعض الموضوعات الأخرى مثل : علم الآثار، البيئة والتراث. ولا تقتصر فعاليات المهرجان لهذا العام على عروض سينما ميتروبوليس صوفيل في بيروت، بل يخصّص المهرجان خمسة وعشرون يوماً من العروض في مدارس وجامعات ومراكز ثقافية في مختلف المناطق اللبنانية.

(جوزفين بيكر: حكاية نهضة، إخراج إيلانا نافارو، 2018)

كان فيلم الافتتاح للمهرجان، وهو يستعرض السيرة الذاتية لأولى نجمات الاستعراض الأمريكيّة من أصولٍ أفريقية جوزفين بيكر. الفتاة الصغيرة من ولاية ميسوري، التي تربّعت على عرش المسارح الاستعراضية في باريس، وتحوّلت إلى نجمة الصفحات الأولى لمجلاتها.

تبدو المراحل الفنيّة الأولى لجوزفين بيكر تتعلّق بتقديم الأسود الإكزوتيكي على المسرح، راحت الجموع تتدافع لمشاهدة عروضها كنوع من الغرائبية التي يقدّمها عالم الاستعراض، من خلال تقديم امرأة سوداء، تمثّل الغريزة الوحشيّة والبدائيّة التي كانت سائدة في نظرة أميركا وأوربا إلى القارّة السوداء. ومهما أرجعت الآراء النقدية بتصوير نجاح بيكر إلى أسلوبها المميّز والحيوي والفكاهي في الرقص، إلا أن متابعة الفيلم تبيّن أن جوزفين بيكر مثّلت على المسرح تلك الصورة النمطيّة للمرأة السوداء الأقرب إلى البريّة والوحشيّة وبالتالي للغريزة الجنسيّة، فمثلاً يرتبط نجاح جوزفين بيكر في المسارح الفرنسيّة مع تقديمها الرقصات الاستعراضية عارية النهدين، تُحيط بها عوالم من القبائل الإفريقية التي تُجبر المرأة على تجسيد الغريزة الجنسيّة الشهوانيّة، النظرة التي عُرفت لاحقاً بال Exotique، بمعنى الغرائبي والمختلف.

 

إلا أنه وفي مرحلة لاحقة من حياتها، يتطوّر وعي بيكر السياسي والإجتماعي وتبدأ مرحلة التزامها بالدفاع عن الحقوق المدنيّة للأمريكيين من أصول أفريقيّة، وصولاً إلى اليوم التاريخي سنة 1963، عندما كانت المرأة الوحيدة التي اعتلت المنبر إلى جانب مارتن لوثر كينغ، خلال يوم المسيرة إلى واشنطن، ومن ذلك التاريخ وضعت شهرتها في خدمة نضالها السياسي، وذلك حتى آخر حياتها، مسيرةٌ لنجمةٍ، ارتقت من كونها راقصة استعراضيّة إلى مصاف المناضلة في تاريخ حركة الحقوق المدنيّة المدافعة عن الأمريكيين من أصول إفريقية.

أقوال جاهزة

شارك غرد"وخلقنا من الماء كلّ شيء حي" من هذه الآية القرآنية في سورة الأنبياء، يستلهم المخرجان بول كوشرانس وكريم صباغ عنوان فيلمهما الوثائقي الذي جرى تصويره في العام 2015، على إثر انفجار أزمة النفايات.

شارك غردالمشاركات اللبنانية هذا العام في مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية عن الفنون: (نيماير للأبد، 2018) يتناول بموضوعته المصير المأساوي لمشروع من أبرز المشاريع الثقافيّة في المنطقة، وهو معرض رشيد كرامي الدولي في مدينة طرابلس.

شارك غرد جورج نصر ومي زيادة وسعيد عقل، وابراهيم معلوف في الموسيقى، شخصيات كرمها مهرجان الأفلام الوثائقية للفنون هذا العام

فيلم (موريس بيجارت: روح الرقص، إخراج هنري دو جيرلاش، 2017)

وهو عن المسيرة الفنية الغنيّة للراقص ومصمّم الرقص الفرنسي موريس بيجارت (1927 - 2007 )، يترافق إنتاج هذا الفيلم مع الذكرى العاشرة لرحيل هذا الفنان، الذي بدأ نشاطه في الأربعينات، ثم حظي بالنجاح في الخمسينات مع عرض الباليه : عصفور النار، موسيقى إيغور سترافنسكي، 1955.

الأهمية الاستثنائية التي يمثّلها موريس بيجارت في تاريخ فن الرقص، كونه الفنان الذي يجسّد الانتقال من مرحلة رقص الباليه الكلاسيكي إلى الرقص المسرحي الذي سيتكوّن لاحقاً بوضوح أكبر مع فنانين لاحقين متأثرين بتجربته، ويطلق عليه " العروض الكيروغرافية"، هذا المنهج في تصميم الرقص المسرحي هو الأساس الذي بُنيت عليه مدرسة الرقص الخاصّة في بيجار في بروكسل - بلجيكا، المسمّاة مدرسة Mudra. أطول وأنجح عروض بيجارت تمّت في تلك المرحلة، فمثلاً بالمقدار الذي غيّرت وأثّرت في مقطوعة (إيغور سترافنسكي 1882 - 1971) الموسيقيّة ( طقوس الربيع ) في الموسيقى الكلاسيكية للقرن العشرين، بمقدار ما كان العرض الراقص الذي حقّقه بيجارت عن هذه المقطوعة عام 1960 إعلاناً لما أُطلق عليه لاحقاً، باليه القرن العشرين، أو الرقص المعاصر في تلك الفترة، وكذلك الأمر مع مقطوعة البوليرو، للمؤلف (موريس رافيل 1875 - 1937 ).

بعد هذه النجاحات يقرّر موريس بيجارت أن يكتشف آفاقاً ثقافية جديدة تُغني أفكاره المسرحية وتصاميمه الحركية، فيرحل إلى الهند، وهناك يعمل على تحقيق عروض مسرحية راقصة تجمع فن الباليه الكلاسيكي إلى جانب الرقص الهندي التقليدي، وكذلك الأمر في اليابان، حيث يعمل على تحقيق عروضٍ مستوحاةٍ من الحركة الجسديّة في المسرح الياباني، وكذلك الأمر مع الثقافة المصريّة.

شهدت أعوام السبعينات عروض بيجارت التي حقّقها في إيران، مستفيداً من الدعم الذي قدّمته له في حينها زوجة شاه إيران الملكة فرح بهلوي. في تلك الفترة يحقّق بيجارت عرضين الأول بعنوان (روضة الورد، 1973 )، وهو عنوان لواحد من أمّهات الكتب في الأدب الفارسي والذي ألّفه سعد الشيرازي القرن السابع الهجري، والعرض الثاني بعنوان ( فرح ) أي على اسم زوجة الشاه الإيراني آنذاك. في كلا العرضين صمّم بيجارت حركاته المسرحية على الموسيقى التقليدية الإيرانية بالتعاون مع موسيقيين وفنانين إيرانيين.

لخلافات إدارية يترك موريس بيجارت العمل في بروكسل بلجيكا، وبدلاً من التوجّه إلى فرنسا التي بقيت علاقة بيجارت بها إشكالية، يقرّر الإنتقال إلى مدينة صغيرة وهي لوزان - سويسرا.هناك يؤسّس مركز بيجارت للرقص، والذي يتابع من خلاله تجاربه المُجدِّدة في رقص الباليه والرقص المعاصر، مستقطباً طلاباً وفنانين من كافة أنحاء العالم، من جنسيات وثقافات مختلفة إلى هذا المركز الذي بقي يعمل فيه حتى وفاته.

لا حياة دون ماء

تحت هذا العنوان كرّس المهرجان هذا العام مجموعةً من العروض الفيلميّة، يصرّح القائمون على المهرجان خلال المؤتمر الصحفي لإنطلاقته: "أن مسألة التردّي المريع للبيئة، ولموارد البلاد الطبيعيّة، تردّي المياه والتربة تحديداً، يُثير شديد القلق".

"وخلقنا من الماء كلّ شيء حي" من هذه الآية القرآنية في سورة الأنبياء، يستلهم المخرجان بول كوشرانس وكريم صباغ عنوان فيلمهما الوثائقي الذي جرى تصويره في العام 2015، على إثر انفجار أزمة النفايات. يسلّط الفيلم الضوء على الواقع الخطير للتردّي البيئي، على حالة لبنان البيئيّة ومواردها المائيّة؛ وكيف أنه إزاء انعدام الاهتمام الحكومي بالهموم البيئيّة، بدأ الجمهور يحشد الطاقات لحماية هذه الثروة العامة المشتركة.

هذا الوثائقي من 40 دقيقة يُظهر كيف أن السياسة والطائفيّة، بالتواطؤ مع القطاع الاقتصادي ومؤسسات التنمية؛ أنتجت نموذجاً من الإدارة؛ أو بالأحرى من انعدام الإدارة، للموارد المائية في لبنان. يضمّ الفيلم مجموعة من المقابلات مع المختصّين وحتى من المنتفعين من هذا الإستغلال غير الواعي للموارد المائية، ويستخلص الفيلم استحالة الإستمرار على المدى الطويل في الاستعمال غير المنظّم من قبل القطاع الخاص والحكومي للموارد المائيّة للبلاد.

تريلر فيلم وخلقنا من الماء:

وضمن إطار فعاليات تظاهرة ( لا حياة بدون ماء ) التي نظّمها المهرجان بالتعاون مع السفارة السويسرية، يتم عرض الفيلم القصير (آما Ama ) إخراج ماري غوتيه، فيلم قصير من ست دقائق، يقدم رقصة كريوغرافية تؤدّى تحت مساحةٍ مائيّةٍ كبيرة، تُبدي جماليات حركة الجسد تحت الماء، واحتمالات الأداء الحركي في شروط المساحة المائيّة، كل ذلك بتقنيات تصوير عالية الدقة والحرفيّة، تجعل من الفيلم متعةً بصريّةً في الإيقاع وفي الأداء الراقص تحت الماء. 

المشاركات اللبنانية هذا العام

(نيماير للأبد، 2018)، هو فيلم من إخراج اللبناني نيكولاس خوري الذي قام بتحقيق الفيلم بناءً على طلب من القائمين على المهرجان ليتمّ عرضه هذا العام، وليتناول بموضوعته المصير المأساوي لمشروع من أبرز المشاريع الثقافيّة في المنطقة، وهو معرض رشيد كرامي الدولي في مدينة طرابلس.

في الفترة الشهابية في لبنان، وانطلاقاً من سياسة التوزيع العادل للتنمية على المناطق اللبنانيّة، اتخذت الدولة اللبنانيّة حينها القرار بإنشاء معرض طرابلس الدولي على مساحة تبلغ مليون متر مربع، وبمساحة مئة ألف متر مربع من الإنشاءات. لقد تم إستدعاء أبرز مهندسي العالم في حينها البرازيلي أوسكار نيماير، والذي يحمل عنوان الفيلم إسمه.

(أوسكار نيماير 1907 - 2012)، يعتبر واحداً من المهندسين الذين لعبوا دوراً في إرساء معالم العمارة الحديثة، هو المهندس لمدينة برازيليا الحديثة التي تحوّلت عاصمة للبرازيل في أعوام الستينات. كما حقّق الكثير من المشاريع الهامّة في أميركا وإسبانيا، خصوصاً تصاميمه لمتاحف الفنون الحديثة في عدد من مدن العالم. ويقول نيماير في الفيلم بأن مشروع معرض طرابلس الدولي كان واحداَ من أهمّ ستة مشاريع حقّقها في حياته.

قبل سنة من إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في 1975 كان المشروع قد تمّ إنجازه في قسمه الأكبر، إلا أن الحرب اللبنانية حوّلت المكان إلى وظيفة أخرى، فقد استُعمل كمُعتقل من قبل القوى المسلّحة آنذاك. كما أن الفيلم يُثبت أن عمليات إعدام ميدانيّة تمّت هناك من خلال العثور على العديد من آثار الرصاص في بعض الجدران وعلى الأرضيات، لقد تحوّل المعرض الدولي لطرابلس إلى مركز اعتقالٍ، حكايةٌ مناسبةٌ برمزيتها عن أثر الحرب الأهلية.

تجول كاميرا المخرج نيكولاس خوري برفقة راقص كوريوغراف، يؤدي رقصاً تعبيراً في الأماكن الخاليّة والمهجورة من مساحات المعرض، وهي : المسرح الدائري المغلق، المسرح اللولبي المكشوف، قسم المعارض الدولي، الجناح اللبناني الخاص بلبنان والذي صمّمه نيماير من وحي الأقواس الهلاليّة في العمارة الطرابلسيّة، كل ذلك نراه مكتملاً على مستوى البناء لكنه غير منجز بالكامل للإستعمال. يحاول الفيلم أن يحثّ المسؤولين والمعنيين على الإستفادة من مدينة المعارض المجمّدة هذه التي يأكلها النسيان، وتغرق في غياهب الذكريات المريرة؛ وهي لم تبلغ أبداً الهدف الذي أُقيمت من أجله.

التجارب الفنيّة العربيّة

يكرّم مهرجان الأفلام الوثائقية للفنون هذا العام جورج نصر، أحد السينمائيين المؤسّسين في السينما اللبنانية، وذلك بعرض فيلمين عن هذه الشخصيّة الفنيّة (الفنان في لبنان، 1960)، وفيلم (عن بعض مما هو ناصر، 2017) من إخراج بديع مسعد، وأنطوان واكيم. ومن الشخصيات الفنية العربية الأخرى التي تقدّم أفلام عن تجربتها، في الأدب كل من مي زيادة وسعيد عقل، وابراهيم معلوف في الموسيقى.

الوثائقيات المتميزة من إنتاجات هذا العام

أيقونة حركة البانك المتمرّدة

من الإنتاجات العالمية الوثائقية المتميزة لهذا العام والتي شاركت في المهرجان، فيلم بعنوان (ويستوود : الناشطة وأيقونة البانك، إخراج لورنا تيكر، 2018)، وهو عن سيرة حياة فيفيان ويستوود، الفتاة التي قَدِمت من الشمال البريطاني إلى لندن، لتكون واحدة من جماهير فرقة Six Pistols لموسيقى البانك، ومن ثمّ إحدى الناشطات في هذه الحركة التي ظهرت في الستينات في لندن، والتي رفعت شعارات التمرد على التماثيل الثقافية الراسخة في الثقافة البريطانية من الملكية إلى النظام الرأسمالي.

تقول فيفيان عن هذه المرحلة: "في حين كنا نعتقد أننا ننتقد الثقافة السائدة، تحوّلت حركتنا هي بنفسها إلى أيقونة في الثقافة الرائجة، أشعر وكأن بريطانيا كانت تروّج لحركتنا لكي تُظهر للعالم رحابةَ صدر الديمقراطيّة السياسيّة فيها".

الفنان الذي يستوحي من التراب

يتابع فيلم (Terres, Bacelo، كريستيان تران، 2018) وقائع المعرض الفني الذي حقّقه الفنان الإسباني ميغل بارسيلو في المكتبة الوطنيّة في باريس. يستلهم الفنان أعماله من رسومات الكهوف الأولى، فنزور معه مغارةً مكتشفةً في فرنسا حين نطلع على ولعه بالرسوم التي تركها الإنسان هناك منذ العصر الحجري عن الحيوانات.

من الأرض إذاً، ومن أسلوب الجرافيتي Graffiti، يستوحي بارسيللو أعماله وأسلوبه. وهذا ما طبّقه في معرضه المتميز في المكتبة الوطنيّة باريس، التي طلى واجهتها الزجاجيّة الداخلية العملاقة بالتراب الممزوج بالماء ليجعل منها موحية بمغارات الكهوف الحجريّة، حيث الكتل الطينيّة الكبيرة تحيط بالمتلقّي بمساحات واسعة، وعلى الجدار الطيني المتكوّن من ذلك، خدش بارسيللو بأدوات حجريّة السطح الترابي برسوم ونقوش متعدّدة، أوحت بعوالم رسومات الإنسان الأولى المجروفة على الصخور.

ومن الجدير ذكره أن الفنان بارسيللو عمل على إنتاج لوحات أمام الجمهور بالحبر الذي ينمحي ولا يدوم على القماش، كان يرسم الأشكال الكبيرة على لوحات قماش معروضة أمام الجماهير، ثم يتوقف عن الرسم ليتابعها كيف تؤول إلى الزوال بحضور فرقة موسيقية والمهتمّين من الحضور، فيلم ناجح يتابع مصادر إلهام الفنان بارسيللو، ويغوص في التقنيات التي يستعملها لتحقيق أعماله.

كذلك الحال مع فيلم (كوزاما، فنانة اللامتناهي، إخراج هيثر لينز، 2018)، الذي يعرفنا على فنون اليابانية يايوإي كوزاما، التي تميّزت بقدرتها على ابتكار العوالم الجمالية البصرية المينمالية، التي تكرر فيها الأشكال والمنمنات بغاية التلاعب بإحساس المتلقّي بالمساحة والفضاء.

على الصعيد الشخصي، عانت الفنانة من التقاليد والأعراف اليابانية في التعامل مع المرأة، مما صعّب عليها امتهان الفن الذي كانت ترغبه بشدّة، وتطوّر الأمر إلى اضطرابات عصبية ونفسية تؤدي بها إلى محاولة الإنتحار، وتنتقل إلى الولايات المتحدة لتتابع إنتاج فنونها هناك، لتصبح واحدة من أكثر الفنانات مبيعاً على مستوى السوق الفني العالمي، ومن أكثرهن إبهاراً في العوالم الخاصة البصرية والتشكيلية التي تخلقها في المساحة والفضاء.

التعليقات

المقال التالي