"قبلات مؤجلة": حكاية 6 فنون عن الهجرة والارتحال

"قبلات مؤجلة": حكاية 6 فنون عن الهجرة والارتحال

"ستة فنانون، ينتجون في أنواع فنية مختلفة، يروون حكايات هجرتهم من سورية، وحكايات لجوئهم في بلدان الجوار، ومن ثم الوصول إلى دول عدة في أوربا منها: ألمانيا، وفرنسا. يتذكّرون أوقاتهم العصيبة، ذكريات ماضيهم، والتجارب الذهنية والنفسية التي عاينوها، والتي تساهم بفعالية في إنتاجهم لفنونهم".

هكذا يُقدّم بيان فيلم "قبلات مؤجلة"، للمخرج الأرمني نيغول بيزجيان، الحكايات التي يضمّها الفيلم الذي عُرض للمرة الأولى منذ أيّام في سينما صوفيل بيروت.

عند سؤاله عن سبب اختياره كل الشخصيات في الفيلم من الفنّانين، قال نيغول: "لقد عملت فيلماً سابقاً عن اللاجئين السوريين في المخيمات، في الفيلم الحالي أردت أن أعمل على شريحة مختلفة عن تلك التي عملت عليها في فيلمي الأول، لقد أردت الحديث عن حكايات الهجرة السورية، وقرّرت أن الأعمال الفنية لشخصيات الفيلم مادّة مناسبة لتشغل الحيز السينمائي البصري من الفيلم".

تتعدّد المدن في فيلم عن الهجرة السورية، تتداخل الأمكنة بين ما يُروى على لسان الشخصيات، وبين ما نشاهده بالصورة السينمائية.

فارتان في بيروت - برج حمود يبحث عن الأحياء الأرمنية في حلب. أيهم يعيش في برلين لكنه يروي عن دير الزور، كذلك أبو غابي يروي من باريس عن بيروت، ويارا حاصباني وديالا برصلي ترويان أيضاً من باريس لكن عن دمشق والكويت، وعمار عبد ربه يداخل بين حلب، بيروت، وباريس.

لكل شخصيّة من الشخصيات ما يمكن أن نطلق عليه حكاية شخصية ذاتية فيما يسرده، حكاية في رحلة الهجرة، حكاية في علاقته مع فنه، وحكاية في علاقته مع أهله أو أصدقاء ماضيه. هذا على مستوى السرد، أما على مستوى الشريط البصري للفيلم فقد وصل المخرج إلى مراده، عبر الانتقال بين أنواع مختلفة من الفنون: سينما، مسرح، موسيقا، رقص، رسم وغرافيك، والصورة الفوتوغرافية.

هذه الفنون الستة هي التي تشكّل أقسام الفيلم، وعبر الانتقال بينها تتشكّل متعة المتلقي أولاً في التعرّف على حكايات الشخصيات، ثانياً في التنقّل بين مدينة وأخرى، وثالثاً والذي يبدو أكثر تميّزاً هو الارتحال بين نوع فني وآخر بخصوصيّته، عوالمه، وأساليب الإبتكار والإنتاج فيه.

من المفروض أن الشخصية الأولى تمثّل حكاية المخرج نفسه، لكنه يختار مخرجاً آخر ( فارتان ميغورديتشيان) كي يؤدي دوره. المخرج يصوّر مخرجاً آخر يمثّله في الفيلم. تتداخل الأماكن في الفيلم، وتتمرأى المدن الواحدة بالأخرى، وهذا أمْيَز ما يتحقّق مع الشخصيّة الأولى، شخصية المخرج الأرمني الذي وصلت عائلته إلى حلب هرباً من المجازر الأرمنية واستقرّت هناك.

اليوم هو يقيم في منطقة برج حمود بيروت ذات الأغلبية الأرمنية. هكذا تتداخل الأمكنة بين هجرتين، هجرة الأرمن هرباً من المجازر، وهجرة السوريين من الحرب إلى بيروت.

كاميرا الفيلم تدور مع الشخصية الأولى في أماكن وزوايا برج حمود بحثاً عن حلب. في مدينة غير تلك التي وُلد وترعرع فيها يبحث نيغول عن ذكريات الطفولة والمراهقة.

تغوص الكاميرا في سينمات منطقة برج حمّود في أطراف بيروت: صالات السينما التجارية، بوسترات الأفلام التي كانت تُرسم باليد في أوقات سابقة، وكراسي الصالات المهجورة، كلها تشكّل ما يُشبه المرآة المكسورة، التي يحاول أن يرى المخرج عبرها طفولة ومراهقة حلب في واقع برج حمّود - لبنان.

أهميّة خاصّة يكتسبها القسم الأول من الفيلم وهي التوثيق. يحاول مخرج الفيلم عبر الكاميرا المحمولة أن يوثّق الأماكن الأولى التي وصلتها الهجرة الأرمنية في بيروت.

يطلعنا على صور لمخيم سنجاك في برج حمود، أحد أهمّ تمركز للجوء الأرمن إلى بيروت بعد المجزرة، ثم يبيّن ما حلّ به الآن، فهم لم يعد موجوداً، فقد جُرف المخيّم الأول بالكامل وتحوّل إلى مساحة مستعدّة لاستقبال المراكز التجارية والأبنية الحديثة دون رعاية لخصوصية الإرث الثقافي للمنطقة وماضيها التاريخي.

أيهم آغا، مسرحي: "أصبحتُ شخصاً لا أريد ان أكونه"

"بسرعة، تبدّلت مدينة دير الزور، أصبح مرأى الجثث يومي في الشوارع، وبالإمكان رؤية طائرات الهيلوكبتر تحلّق باستمرار فوق المدينة"، هكذا يحكي الممثل والمخرج المسرحي أيهم مجد آغا عن التغيير الذي عاشته مدينة مولده، دير الزور شرق سورية.

في العام 2012، كان الممثل أيهم آغا في دمشق، مشاركاً في عرض مسرحي "فيك تتطلّع بالكاميرا"، (إخراج عمر أبو سعدة)، لكن الأوضاع الأمنيّة والأحداث التي شهدتها العاصمة السورية دمشق، جعلت من استمرار البروفات لتحقيق العرض أمراً مستحيلاً، وهنا نتابع حكاية لعرض مسرحي يحاول كي يتحقّق أن يُكمل بروفاته متنقّلاً بين مدينة وأخرى، تنتقل الفرقة إلى سيؤول - كورية الجنوبية لإكمال البروفات، ومن ثم تحاول الفرقة المسرحيّة نقل أعمالها إلى القاهرة، إلا أن النظام المصري راح يشدّد على وجود السوريين، فترحل الفرقة مجدّداً بكامل أفرادها، بإكسسواراتها المسرحية، بالأزياء والديكورات إلى بيروت.

يروي أيهم: "لما رجعت ع الشام، كنت مشتاق لحبيبتي، باللحظة اللي بدنا ننام فيها مع بعض صار أول انفجار بالشام، أنا ما وقفت، كان بدّي كمل، هي خافت، صارت تصرخ: أنت مجنون، بلا إحساس، هون خفت أني صرت شخص تاني ما بدّي كونه/ فقررت بلحظتها اترك الشام، طلعت ع بيروت عن طريق الجبل ...".

حينها شعر أيهم بأنه أصبح "شخصاً لا يريد أن يكونه" بالنسبة له، مرّت هذه الحكاية كأنها لحظة تنويرية ، لقد قرّر الهجرة وتَرْك دمشق، وبدأت رحلة هجرته، عَبَر الجبال متخفيّاً إلى لبنان، ووصلت به رحلة الهروب إلى برلين، التي نشأ ارتباطه فيها لعلاقة زواج ومن ثم إنجاب طفلة. أوقفت الزوجية والأبوّة رحلة التنقّل المستمرة في حياة أيهم آغا كما يقول.

بعد الأبوّة والزوجية ورحلة الهجرة والتنقل، ما يزال أيهم آغا يحاول أن يعمل ويحقّق العروض المسرحية. تسعة عروض حقّقها في برلين مع مسرح مكسيم غوركي. نشاهد في الفيلم على الشاشة مشاهد من عرضه المسرحي في برلين بعنوان "الوضع، 2015"، تروي المسرحية حكاية درس في اللغة الألمانية يجتمع فيه عدد من اللاجئين في برلين، لكنهم من ثقافات مختلفة، ستة شخصيات منهم الروسي، السوري، فلسطيني من 48، البولندي، تؤدّى من ممثلين متنوعي الجنسيات.

يقول أيهم الآغا عن مسرحياته: "يتمركز عملي حول ثقافة اللاجئ بالخارج، ثقافة مطرودة من مكانها، تكتشف ثقافات جديدة، وعليها الإحتكاك بها"، يعمل أيهم حالياً على محاكاة نصوص كتّاب من مثل: "هاينر مولر، توماس مان، وحنة آرنت".

أقوال جاهزة

شارك غردفيلم يتبع أنواع الارتحال من خلال الانتقال بين أنواع مختلفة من الفنون: سينما، مسرح، موسيقا، رقص، رسم وغرافيك، والصورة الفوتوغرافية

شارك غرد"الجسد قادر أن يتواصل، قادر أن يعبّر. أمنيتي أن يتمكن الجميع، الأطفال والكبار، بالتعبير بجسدهم عما يرغبون. أرغب أن أنقل هذه المهارة إلى الآخرين. مهارة التعبير بالجسد".

أبو غابي، مغنّي وموسيقي: أغان الحب والشوق العابرة للحدود

تحضر الموسيقى والغناء في الفيلم عبر حكاية شخصية أبو غابي. أيضاً، حكايته تمثل الهجرة والانتقال من مكان إلى آخر، كما رأينا في القسم الأول حين حضرت الهجرة الأرمنية،

تحضر الهجرة الفلسطينية في قسم أبو غابي من الفيلم. عائلته وصلت إلى مخيم اليرموك في دمشق هرباً من القمع الإسرائيلي.

ولد في دمشق ويعتبرها مكانه الخاص، مع بدأ الأحداث في العام 2011، انتقل إلى بيروت حيث يبيّن بأنها كانت رحلة ثقافية غنية، حيث تفاجأ بنوعية رجال الأمن ورجال الشرطة، ودخل الإستديوهات الموسيقية للمرة الأولى وحقق ألبومه الموسيقي الأول بعنوان (حجاز حرب) عنوان يجمع فيه مصطلحاً من الأوزان الموسيقية، حجاز، ومصطلحاً عن التجربة الاجتماعية التي تعيشها بلاده، الحرب.

أبو غابي، موسيقي ومغنّي أيضاً، يجمع في موسيقاه بين الألوان اللحنية للجاز، وبين تقاسيم العود، مع أداء غني يتّسم بمميزات الاعتماد على الطبقات الطربيّة في الموسيقى الشرقية. يتعرّف المتلقّي في الفيلم على أغنيتين من أغانيه. الموسيقي العازف لا يكثر من الكلام مع المخرج، بل يفضّل أن يُسمع الكاميرا أغانيه التي تعبّر عنه بدقّة.

الأغنية الأولى "حبيني ولا تتخوّتي"، يروي الفنان كيف استلهم الأغنية، كان في علاقة حب لكن حبيبته اضطرت للرحيل عبر البحر، كان عليه إنتظار 10 أيام حتى يسمع خبر نجاتها من الغرق.

من هذه التجربة استلهم الموسيقي - المغنّي أغنيته، الكلمات فيها تخبر عن استحالة حبّ اللاجئ واللاجئة، لتبدّل البلدان والأماكن بين الحين والآخر، استحالة الحب بين الهاربين من الحرب عبر البحر، مهما كانت لقاءاتهم عميقة لأن حدود البلدان التي تفصل بينهم حازمة بتحقيق الفراق: "يا محلا حب اللاجئين، تعبنا دبحنا الحنين، أنتي ببلد وأنا ببلد، الله يجمعنا بخيمتي".

الأغنية الثانية "يا ريتنا" استلهمها أبو غابي من قصيدة للشاعر فادي جومر، الكلمات تروي عن الحنين إلى الأماكن، تداخل الشوق بين الرحلات، عن رغبة التنقل والخوف منه: "لأمشي بيّن ع المدى، لا بيت لا طرقات، ريحة سفر بالجو، عبق أغاني وشوق، بحب السفر وبخاف م الطرقات، ياريت فينا نروح متل الشوق، يا ريت مابدنا طريق، ياريتنا كلمات".

أما عن الأسلوب الموسيقي وتأثره برحلة الهجرة، يقول أبو غابي: "كل ما أنتجه هنا في باريس يحمل طابعاً حزيناً. مهما حاولت التنويع في الأنواع الموسيقية، أشعر أن ميزة موحدة تربط بين أغانيي، إنه الحزن".

كما الفنانون الستة، تابع أبو غابي إقامة الحفلات الموسيقية والغناء، قدّم حفلاً مشتركاً مع فرقة فرنسية (Metro Nation)، حيث ترافق فيه الأداء الغنائي العربي مع آلات موسيقية مثل الساكسفون، الغيتار الكهربائي، بموسيقى تجريبية.

يارا الحاصباني: "أتمنى أن يتمكّن الجميع من التعبير بالجسد"

ذلك الدور الذي لعبه والدها منذ طفولتها، شجعها أن تبرع كراقصة وكريوغراف. هذه العلاقة الاستنثائية بينها وبين والدها هي الحكاية الذاتية في قسم الفيلم المخصّص ليارا الحاصباني.

لقد استمرّ بتشجيعها على الرقص حتى دخلت قسم الرقص في المعهد العالي للفنون في دمشق، لكن الأب يتعرّض للاعتقال: "اعتُقل لأنه عجز الصمت عن المظلومين. أصرّ على تقديم المساعدة"، كانت يارا قد شرعت في تقديم بعض العروض المسرحية ويوم افتتاح مسرحيتها روميو وجولييت على مسرح الحمرا، تُخبر بوفاة والدها.

يظهر شغف يارا بالرقص بمحاولة متابعة دراستها في مجال الرقص المسرحي في كلّ مدينة لجأت إليها. في رحلة انتقالها من دمشق إلى أوربا. تابعت دراستها في بيروت، في غازي عنتاب التركية، ومن بعدها في استانبول، وهي الآن طالبة في الرقص المسرحي في كونسرفاتوار باريس.

تتابع كاميرا الفيلم يارا الحصباني في أداءات حركيّة في حدائق باريس، فوق جسور الأنهار الحجرية، على السلالم الطويلة الصخرية التي تشتهر بها العاصمة، هناك تمرّن جسدها أمام الكاميرا على تقنيات الرقص، ومن ثم يدمج المخرج في فيلمه عرضاً تعبيرياً من تصميم وأداء يارا.

العرض مصوّر باللون الأسود والأبيض، محجوبة العينين وكأنها على كرسي التحقيق، تؤدي يارا بجسدها تعبيرات حركيّة تبيّن حدود التجريب والتمتّع بعلاقة الجسد بالأطراف، لكن القماشة التي كانت تحجب عينيها تغطّي جسدها بالكامل في آخر المشهد وتحجبه عن العين وتمنعه من التعبير، في أحد مشاهدها تتحدّث يارا عن علاقة الجسد والتعبير:

"الجسد قادر أن يتواصل، قادر أن يعبّر. أمنيتي أن يتمكن الجميع، الأطفال والكبار، بالتعبير بجسدهم عما يرغبون. أرغب أن أنقل هذه المهارة إلى الآخرين. مهارة التعبير بالجسد". 

ديالا برصلي، رسامة وغرافيكية: "لوحات لم تكتمل، تنتقل من مكان إلى آخر"

"عندي لوحات ما عم تنتهي. عم تتنقل معي من مدينة لمدينة، على أمل أنو خلّصها. ضبيتون بالشناتي من الشام لبيروت ولهون لفرنسا"، هكذا تروي الفنانة ديالا عن رسومات تنتقل معها من محطة في رحلة الهروب إلى محطة أخرى في بلدان اللجوء، لوحات غير منتهية تحرص على أن تحملها في حقيبتها المهاجرة.

الحكاية الشخصية التي ترويها ديالا، كما فعلت الشخصيات السابقة، تتعلّق بأخيها. لقد فارق الحياة أثناء الخدمة العسكرية الإلزامية، حين خرج بتطوّع للبحث عن مساعدات طبية في منطقة مزروعة بالألغام، مما أدى إلى وفاته. بكت ديالا وفاة أخيها، رغم قولها: "ما بحب تصورني الكاميرا عم أبكي".

بكت لأنها شعرت بأنه مات وحيداً، وبأنه لم يعرف بأن عائلته كانت تعمل لمساعدته.

ديالا الآن رسامة وهي تنتج أفلاماً غرافيكية ثنائية الأبعاد تحاول أن توعي فيها المجتمع في التعامل مع القذائف والقنابل غير المتفجرة في سورية. ترى ديالا بأن الظاهرة لابد من التعامل معها، وأن مهارتها في الرسم وإخراج الأفلام الغرافيكية تساعد المجتمع والأهالي للتعامل معها. هكذا يمكن للفنان أن يساهم في ثقافة بلد المنشأ الذي تركه، نموذج التعامل مع موضوعاته وقضاياه في استمرار الإنتاج الثقافي لكل منهم في القضايا التي يعتقد بأهمية العمل والإنتاج في سبيلها.

عمار عبد ربه، مصور: فن الفوتوغراف وتابوهات الرقابة العربية

بعد السينما، المسرح، الموسيقى، الرقص، والرسم، نصل في القسم السادس والأخير في الفيلم، إلى فن الفوتوغراف مع المصوّر عمار عبد ربه.

نتعرّف على معرضه الفوتوغرافي الأول والذي خصّصه "للحضور اليهودي في دمشق"، يقول الفنان عمار:

"لقد كان اليهود جزءاً من تاريخ المنطقة، ودمشق تحديداً تضمّ أقدم كنيس يهودي. لكن الأحداث التاريخية أدّت إلى هجرة اليهود، وأصبحت آثارهم وحقبتهم التاريخية شبه مطموسة في المدينة".

يخشى الفنان عبد ربه من تغييب لحقب تاريخية من ماضي المنطقة، وكما غابت آثار الحضور اليهودي في دمشق، يخشى عبد ربه من هذا الإهمال لحقب تاريخية أخرى، كالمسيحية.

مشروع فنّي آخر نتابعه في الفيلم من أعمال المصوّر عبد ربه. ففي بيروت حقّق معرضاً يتعلق بالتابوهات الجسدية، تعاملت صوره مع موضوعة العري، ومن ثم غطى الأعضاءالمحظورة من قبل الرقابة العربية عبر عمليات كولاج ومعالجة غرافيكية للصورة. تُحجب الأعضاء مشوِّهةً جمالية الصورة، حاجبة عين المشاهد عن التلقّي الحر، يقول الفنان عبد ربه عن الرقابة العربية:

"لا أفهم كيف تمنع الرقابة العربية، وتفرض التابوهات، على ما يمكن رؤيته وعرضه على الإنترنت بكبسة زر؟" كانت غاية المعرض أن تبيّن مقدار التشوّه الذي تفرضه التابوهات والرقابة على جماليات الصور الفنية المتعلّقة بالجسد.

"لست مصوّراً حربياً، لكنني لم أقاوم تصوير الدمار الذي حلّ بمدينة حلب، أنا لست من حلب، لكني أعشق هذه المدينة"، يقول عمار عبد ربه. وهكذا حقّق كتاباً من صور ونصوص يوثّق مشاهد الدمار الذي حلّ بالمدينة، مما أدّى إلى منعه من الدخول إلى سورية مجدّداً، وهنا ننتقل إلى الحكاية الشخصية الخاصّة بعمار عبد ربه في الفيلم.

"تقبرني" مصطلح درجت الأم السورية على قوله لابنها تحبباً، وهي تعني أن تعيش من بعدي، وتهتم بجسدي حال وفاتي وتواريه الثرى. لكن عمار، وبسبب منعه من العودة إلى البلاد، لم يتمكّن من المشاركة في جنازة والدته وعملية دفنها.

هكذا هي حكاية عمار عبد ربه وأعماله، تنتقل من تغييب مرحلة تاريخيّة من المدينة دمشق، إلى التعامل مع الرقابة العربية، إلى توثيق دمار الحرب في حلب، وأخيراً يعاني من حال المنفي، هل هو مصير الفنان السوري وربما العربي الواعي لقضايا مجتمعه السياسية والإجتماعية والثقافية؟

في بحثها عن المنتج الثقافي الفني السوري في ألمانيا، إصدار دار ممدوح عدوان، 2018، تحاول الباحثة هبة محرز أن تساءل الأعمال الفنية التي ينتجها السوريون في ألمانيا عبر فنون مختلفة، فنون الصورة وفنون الكلمة، وعلاقتها بثقافة بلد المنشأ أي سورية.

يبدو موضوع العلاقة مع ثقافة أو قضايا بلد المنشأ كسؤالٍ يتكرّر في الأفلام والمسرحيات والمعارض التشكيلية التي ينتجها فنانون من أصول سورية في أوربا. هل تصبّ إسهاماتهم الفنية في بلد اللجوء، أم يسعون عبر تجاربهم إغناء ثقافة بلد المنشأ بتناول موضوعاتها والعمل على قضاياها؟ لكن هذا يتلوه سؤال إن كانت الرقابة السياسية السورية ستسمح لأعمال فناني المهجر أن تؤثّر وتُثمر في المجتمع السوري، ما يبدو بعيد المنال حتى اليوم.

ربما كان السؤال السابق، سؤالاً محورياً يتكوّن في ذهن المشاهد لفيلم نيغول تيزجيان "قبلات مؤجلة"، حيث رحلات الهجرة واللجوء لفنانين سوريين، وحيث هناك معالجة وحوارات عن أعمال فنية منها الجمالي، ومنها السياسي الإجتماعي.

ولذلك فإن الفيلم يساعد الباحث أو الفضولي عن حال الفن السوري بالتعرّف على تجارب ستة فنانين، لستة أنواع فنية مختلفة، تُنتج في مناطق موزعة بين دمشق، حلب، بيروت، باريس وبرلين.

الفيلم بانوراما تساعد فيها السينما على رسم وتوضيح معالم خارطة التجربة الفنيّة السورية المعاصرة، مضافاً إليها التجارب الشخصية والأفكار الذاتية الحميمة لهؤلاء الفنانين.

التعليقات

المقال التالي