مزاج الموسيقى التونسية وإيقاعها الجغرافي: من غابات شمال البلاد إلى رمال الصحراء الجنوبية

مزاج الموسيقى التونسية وإيقاعها الجغرافي: من غابات شمال البلاد إلى رمال الصحراء الجنوبية

تبدأ القصة بالحديث مصادفة عن الـ"طويزة". يقول عنها إبراهيم بهلول وهو باحث وأستاذ في الموسيكولوجيا بالمعهد الوطني للموسيقى بتونس إنها "كلمة أمازيغية تعني القيام بفعل جماعي تتخلله وصلات غنائية لتحفيز الأنفس على مزيد العمل والبذل، سواء في الحصاد أو جمع الزيتون أو معالجة الحبوب (التكسكيس ـ كسكسي) التي تقوم بها النسوة في المنازل الريفية بعد الحصاد.

يدفع معنى كلمة "طويزة" الخيال إلى تصور كيفية إلقاء تلك الأغاني والأصوات أثناء القيام بعمل فلاحي. أصوات قد تخفي وراءها حكايات عديدة وربما أساطير وروائيات ورثها الابن عن أبيه عن جده...

وبالكشف عنها قد يتم رفع الغطاء عن معطيات ثقافية وأنتروبولوجية عديدة تؤثث التراث الروحي التونسي في كامل مجاله، من شمال البلاد المزدحم بغابات الفلين إلى أقصى الجنوب المذهب برمال الصحراء الشاسعة.

إمكانية أنتروبولوجية لخارطة ثقافية أخرى

يقول الباحث إبراهيم بهلول في حواره لـ"أوريون 21": "لنتصور أن مجموعة من النسوة التونسيات اجتمعن في بيت إحداهن، وبدأن في نشر الحبوب المطحونة وتصنيفها وتعريضها للشمس لتجفيفها، وقد رفعت إحداهن ذات الأصول الجنوبية صوتها بالغناء، لتجيبها الأخرى التي يعود أصلها إلى القصرين وسط غرب تونس.. حتى إذا ما انتهت من موالها فإن صوتا آخر يترفع من هناك لامرأة من أصول شمالية غربية.. لنقل مدينة الكاف مثلا. إذا حضرت حدثا كهذا فستسمع أصواتا مختلفة ومواويل متباينة وأنماطا من الغناء تحمل الصبغة الجينية للأصول الجغرافية لكل واحدة منهن".

عندما تجتمع النساء التونسيات في بيت إحداهن "ستسمع أصواتا مختلفة ومواويل متباينة وأنماطا من الغناء تحمل الصبغة الجينية للأصول الجغرافية لكل واحدة منهن"

قول إبراهيم بهلول يحيل إلى ضرورة البحث في هذا التنوع الذي يزخر به التراث الموسيقي التونسي ـ الريفي بشكل خاص ـ والذي قد تعرض إلى التناسي والتجاهل على مر السنين منذ استقلال تونس إلى الآن نتيجة السياسة الرسمية التي أرادت إبراز الموسيقى التونسية على أنها المالوف التونسي أو بعض المحدثين الذين أنصفتهم الإذاعة الوطنية في ستينات وسبعينات القرن الماضي على غرار الهادي الجويني وعلية والطاهر غرسة والصادق ثرية وعلي الرياحي وغيرهم.

ويقول في هذا السياق الملحن وأستاذ الموسيقى الطاهر القيزاني، متخصص في الموسيقى التصويرية للأعمال الدرامية التونسية، لـ"أوريون 21": "يبدو أن رمال الصحراء وصخور الجبال الغربية والشمالية وتراب السهول الساحلية والوسط تخفي من الحكايات الموسيقية والشعرية ما يوازي أضعاف ما نسميه اليوم بالتراث الموسيقي التونسي".

الجنوب.. خط أفقي وهادئ

يتميز الغناء في الجنوب التونسي بطابعه الإيقاعي الهادئ وغير السريع، وتعكس بحور الأشعار التي يتلوها الشعراء الشعبيين في تلك الربوع الصحراوية الطبيعة الرصينة والمفتوحة والهادئة للصحراء وواحات النخيل. وطبعا تدخل العناصر الجغرافية والطبيعية في النسيج الشعري للأشعار المغناة.

هذه الملاحظة كانت نتاج بحث عدد من الموسيقيين التونسيين العاملين على الصوت التونسي، من بينهم الباحثة منى شطورو المتخصصة في آلة العود والملحنة والتي تضيف لـ"أوريون 21":

"لو استمعنا مثلا إلى أغنية الجمل يهدّر وهي من تراث منطقة تطاوين، فإننا سنستمع إلى إيقاع يشبه مشية الجمل الهادئة والرصينة في الرمال الصحراوية. كذلك إذا انتبهنا إلى العناصر الشعرية في كلمات أغنية ريت النجمة وهي أغنية من منطقة مدنين فإن الصحراء والنجوم والسماء المفتوحة... كلها عناصر تدخل في التشكيل الشعري لنقل إحساس المغني".

يؤكد الباحث إبراهيم بهلول كلام الباحثة منى شطورو، ويضيف "تأمل ذلك الخط المستقيم الذي ينتج عن التقاء الصحراء بالسماء.. هو ذات الأفق الذي ينعكس في الأغنية التونسية الصحراوية مشكلاً إيقاعاً مستقيماً ومتكرراً وروتينياً وهادئاً..

إنه انعكاس للجغرافيا والطبيعة وحتى الطاقة الهوائية التي تخرج من الرئتين فهي متأثرة بفضاء الصحراء الواسع وبالتالي نلحظ انطلاقا في الجمل اللحنية والغنائية".

أقوال جاهزة

شارك غرد"هناك صوت ترفعه المرأة عندما يهيم بها الشوق إلى بيت أهلها، وهذا الصوت يسمى "الملالية" أي أن المرأة "تلالي"، يعني أنها تتوجع وتتنهد وتبكي وتنحب لفراق بيت أهلها بعد أن تتزوج.

شارك غردمجموعة من السكان الرحل في تونس يسمون بـ"الهطايا" وهم قوم يمتهنون الفلاحة عبر الترحال إلى مناطق الحصاد صيفا والزيتون خريفا والتمور شتاء، وفي رحلتهم أثروا وغذوا الموسيقة التونسية

"ملالية".. شوق يسكن جبال الوسط

قديما، ماذا كانت المرأة لتفعله لو اشتاقت إلى أهلها بعد أن انتقالها للعيش مع زوجها؟ وكيف كانت وسائل التواصل بين الناس من قبائل متباعدة؟ وهل كان التواصل مشفّرا بالفعل؟..

ربما هي أسئلة قد تطرح عند الإنصات إلى المغني محمد صالح الشارني الذي ينحدر من أحد أرياف مدينة الكاف. ويقول الشارني لـ"أوريون 21": "هناك صوت ترفعه المرأة عندما يهيم بها الشوق إلى بيت أهلها، وهذا الصوت يسمى "الملالية" أي أن المرأة "تلالي" (يعني أنها تتوجع وتتنهد وتبكي وتنحب لفراق بيت أهلها بعد أن تتزوج).

ولهذه العادة أصول جرى العمل بها من قبل النسوة اللائي "تلالي".

التنوع الذي يزخر به التراث الموسيقي التونسي ـ الريفي بشكل خاص ـ قد تعرض إلى التناسي والتجاهل على مر السنين منذ استقلال تونس إلى الآن نتيجة السياسة الرسمية

إذ تسوق المرأة الشياه نحو منطقة خالية من الريف الذي تسكن فيه بتعلة الرعي وجلب المياه من الغدير، وتستغل الفرصة للتأمل في الجبال والبدء في مناجاة أمها أو أبيها أو عائلتها، ويحدث ذلك في أوقات يكون فيها الرجال في الحقل، أي بعد صلاة الصبح إلى حدود العصر. وغالبا ما تنتهي جمل مواويل الملالية بكلمات تشير فيها إلى الأم أو الأب أو الأخ ذو البنية القوية".

غالبا ما يكون صوت الملالية حاملا لطبع موسيقي معين، أغلبه طبع "الركروكي" أو "الراست عبيد" أو أحد أنواع "الصوالح" (الصالحي طبع تونسي ريف). وهي طبوع ريفية بالأساس يغنيها الرجال والنساء على حد السواء. ويعود أصل الملالية إلى ربوع جبال الشعانبي وسمامة وطرزة بالقيروان وجبال الوسلات القريبة من منطقة مكثر (أولاد عيار).

وتصل حتى إلى الشمال الغربي في مناطق مثل الكاف وباجة. ويشير إبراهيم بهلول الباحث الموسيقي إلى أن صوت "الملالية" كان وسيلة كي ترسل المرأة برسائل إلى أهلها دون أن يتفطن أحد، "فخروج المرأة إلى الرعي يتم بعد أن يمر أحد الرعاة الغرباء حذو منزلها ويغني أغنية بعينها فتفهمها، وتخرج في اليوم الموالي إلى الرعي والبدء في الغناء حتى يسمعها الراعي الغريب الذي هو في الأصل مبعوث من قبل أهل العروسة للإطمئنان عليها. 

وبعد أن تصل الرسالة من المرأة إلى الراعي، يحملها هو إلى أهل المرأة ويتقرر مصيرها بإرجاعها أو الإبقاء عليها حسب مضمون الرسالة التي أرسلتها عبر الغناء. وقد أكد الطاهر القيزاني الباحث في التراث الموسيقي التونسي هذه الحكاية مستندا إلى كتاب الأديب جلول عزونة "في الموسيقى التونسية".

الشمال والـ"الهطايا"..

في الحقيقة، وعبر الملاحظة السمعية يمكن استجلاء خلاصة مفادها أن الإيقاع في أغاني وأصوات الشمال الغربي التونسي أسرع بشكل ملفت وملحوظ من أغاني وأصوات وأشعار الجنوب. وتأكيدا لهذه الملاحظة، يقول إبراهيم بهلول خبير الإيقاع والباحث في التراث الموسيقي التونسي إن "أغنية مثل "مرض الهوى قتال" إيقاعها سريع جداً ولا يمكن أبدا مقارنتها بأغنية "ريت النجمة" الصحراوية على مستوى الإيقاع ودرجة وطبع الأغنية".

ويفسر بهلول ذلك بأنه للجغرافيا والمناخ دور في صناعة الموسيقى لدى المناطق والشعوب.

فالجنوب شاسع ومنبسط أما الشمال الغربي التونسي فغني بالجبال والهضاب والتضاريس الجبلية والكثافة الغابية، الأمر الذي يؤثر في المخيال وطريقة التفكير والتعبير عن الأحاسيس من خلال موسيقى تحمل الطابع الجغرافي نفسه.

من ناحية أخرى، توجد ظاهرة ملفته في هذا السياق، هو أن مجموعة من السكان الرحل في تونس يسمون بـ"الهطايا" وهم قوم يمتهنون الفلاحة عبر الترحال إلى مناطق الحصاد صيفا والزيتون خريفا والتمور شتاء. هذه القطاعات الفلاحية الثلاثة موزعة على كامل الجمهورية التونسية، وبالتالي فالهطايا الرحل يقومون بحمل التراث الموسيقي من مكان إلى آخر كأنها نحلة تقوم بلقاح ـ أنتروبولوجي وثقافي ـ من ورود الشمال الغربي التونسي وصولا إلى أعالي نخيل الجنوب مرورا بزيتون الوسط والساحل.

هناك إذاً علاقة وطيدة بين الأصوات الموسيقية ونمط العيش والإنتاج في تونس.

"عبر الهطايا جاءت تقنية الـ"ردود" وهي تماثل اسمها. فالردود هي ما يحمله الهطايا معهم من أغاني الوسط والجنوب نحو الشمال الغربي عند اقتراب موسم الحصاد.

 

وعند الحصاد تتشكل الـ"طويزة" وهي جماعة تعمل وتغني معا. يبدأ أهالي القرية وأصحاب الحقل في الغناء أثناء الطويزة، ويرد عليهم الهطايا بغناء آخر من منطقة أخرى، وبذلك تقع ظاهرة اللقاح الموسيقي والثقافي بين الهطايا الحاملين لجينات ثقافية وموسيقية بعيدة مع أهل البلدة والحقل المحليين".

هكذا فسر إبراهيم بهلول دور الهطايا في تغذية الموسيقى في تونس.

سيف الدين العامري

صحافي وباحث في أنثروبولوجيا السياسة بالجامعة الإيطالية. متخصص في الأزمات الإنسانية بحوض البحر الأبيض المتوسط. عمل في القسم الفكري لصحيفة العرب اللندنية ومراسلاً لعدد من وسائل الإعلام من بينها موقع Orientxxi فرنسي/عربي، وصحيفة الأخبار اللبنانية. مهتم بالقضايا الفكرية العربية والإنسانية، خاصة قضايا الحداثة وما بعدها، وأسئلة الجماليات والسيمياء والفنون والثقافة في الأزمنة الراهنة. يميل إلى المقالة ـ الحكاية أكثر من مقالات الإخبار الكلاسيكية. يدرس مادة الموسيقى العربية كهواية ويعزف على آلة العود.

التعليقات

المقال التالي