الأرض المسمومة: كيف نركض بأنفسنا نحو نهايتنا

الأرض المسمومة: كيف نركض بأنفسنا نحو نهايتنا

"أكياس بلاستيكية، قناني بلاستيكية، 115 كأساً بلاستيكياً، وكتلة من 100 خيط بلاستيكي"، المحتويات السابقة التي يصل وزنها إلى 6 كيلو جرامات، وُجدت في بطن حوتٍ نافقٍ بقرب جزيرة كابوتا في أندونيسيا.

ما يُثير الغضب والشعور باليأس، أن هذه المحتويات تنتمي لأغراض يوميّة، أشياء نستخدمها دون التفكير بها، هي الأدوات التي تُسهّل حياتنا ونتداولها بوصفها مُسلّمات رخيصة، هي كماليات لشراء الحاجيّات أو الشرب أو احتواء ما "اشتريناه"، هي مُنتجات قائمة على صناعات بلاستيكيّة هائلة، لا يشكّل استهلاكها خطراً مباشراً علينا، لكنها تدمّر الأحياء الأخرى ضمن مساحة اللاحياة البشريّة.

المقصود بما سبق، أن السيادة البشريّة على الكوكب، جعلتْ منه غرضاً نسعى دوماً لتغيير شكله و الاستفادة منها لخدمتنا، وهذا هو مفهوم العمل بأبسط تعريفاته، تحويل الطبيعيّ إلى ما يفيد البشريّ عبر الجهود المختلفة، ومع الإنتاج الهائل والتطور الرأسمالي، بدأ التراكم، ولم نعد أحياء على الكوكب، بل مُحتلّين، نوظفه لخدمتنا كنوع بشريّ متفوّق، يدّعي حماية أشكال الحياة الأخرى التي لا تخضع لشروطه كأعماق المحيطات، لكن ما حصل، أن التهديد النووي والإفساد الصناعيّ المنهجي للكوكب جعلنا نصل إلى نقطة اللاعودة، لتتحول أمّنا غايا إلى ما يشبه مُستنقعاً مسموماً، هو يحوي شروط الحياة، لكن لا لكائنات حيّة، بل لفيروسات تسعى للنجاة، لا للاستمرار بالوجود.

أقوال جاهزة

شارك غرد"أكياس بلاستيكية، قناني بلاستيكية، 115 كأساً بلاستيكياً، وكتلة من 100 خيط بلاستيكي" المحتويات السابقة التي يصل وزنها إلى 6 كيلو جرامات، وُجدت في بطن حوتٍ نافقٍ بقرب جزيرة كابوتا في أندونيسيا.

شارك غردما يُثير الغضب والشعور باليأس، أن محتويات بطن الحوت النافق تنتمي لأغراض يوميّة، أدوات تُسهّل حياتنا ونتداولها بوصفها مُسلّمات رخيصة، كماليات لشراء الحاجيّات، هي مُنتجات قائمة على صناعات بلاستيكيّة هائلة، لا يشكّل استهلاكها خطراً مباشراً علينا، لكنها تدمّر الأحياء الأخرى ضمن مساحة اللاحياة البشريّة.

الاختلاف بين النجاة والحياة، مرتبطٌ بشروط العصر، فالتسميم المستمرّ للكوكب جعلنا على قدم المساواة مع الحوت السابق، والأهمّ أنه جعل "حياتنا" نفسها جُهداً للبقاء، فإشباع رغباتنا (طعام - شراب - مأوى) أصبح سامّاً لنا و لغيرنا، فالطعام المعالج علمياًّ، وتاريخ الصلاحيّة المحدّد، والكمّ الهائل من المنتجات اليوميّة يجعلنا في سباق مع الزمن كي نأكل ونشرب، فما يجعلنا أقرب للحوت، أن البيئات الطبيعيّة لـ"حيانا" أصبحت تهدّد وجودنا نفسه، ولابد من شروط سياسيّة واقتصاديّة للـ"حياة"، إذ أن من الصعب النجاة الآن في اللامكان، حيث لا لقاحات ولا طعام معالج ولا مياه معقّمة.

بالتالي، نحن أمام مساحتين، الأولى بدائية، طبيعيّة، تسكنها الوحوش والكائنات الأخرى، ومساحة سياسيّة مُقنّنة، تضمن فيها السلطة حياتنا - نظرياً - لكن السلطة السياسيّة والاقتصاديّة، ترانا كمنُتجات، نُقايَض و نُشيّءُ في سبيل الربح، ويمكن لحياتنا نفسها أن تشكّل خطراً بل وقد تلوّث التجانس السياسيّ، وفي حال تحوّل الفرد إلى تهديد، يمكن أن يُنفى إلى مساحة طبيعة لا يمكن له النجاة فيها، لا فقط بسبب التسميم، واحتكار مؤسّسات سياسيّة واقتصاديّة لشروط الحياة وأسبابها، بل لسبب سياسيّ، حيث نُمنع من أسباب الحياة، كما يحدث في قوارب اللاجئين التي تغرق، و"يموت" أفرادها نتيجة شرطٍ سياسيّ بحت، كونهم منفيّين من شروط الحياة السياسيّة في أوطانهم، وفي أوطان جديدة، ليُترَكوا معلّقين في شروطٍ لا نجاة خارجها. 

هذه العلاقة بين المساحة الطبيعيّة التي تشبه الفخّ وبين المساحة السياسيّة التي توفّر شروط الاستمرار، حوّلت فعل "الحياة" إلى جهدٍ سياسيّ، ولا بدّ من الانصياع للشكل القائم كي ينجو "المواطن" ويُتاح له ممارسة حياته اليوميّة التي تساهم في تسميم الآخرين، سواء كان يريد شراءَ حذاءٍ مُصنّع من قبل أطفال قاصرين في أفريقيا أو شرب قنينة من العصير ليسدّ رمقه، وهنا تتضح صورتنا كفيروسات تقتات على مُضيفٍ يشبهنا أحياناً، وكما الفيروس، لا يمكن لنا النجاة خارج الجسد المُضيف، ولا بدّ من استهلاك / تسميم أكثر كي ننجو.

التسارع اليومي لمفاهيم الجديد والحديث والعصريّ، جعلنا أمام كمّ هائل من المنتجات، البلاستيكيّة وغير البلاستيكيّة، والتي لا بدّ من اقتناصها وامتلاكها واستهلاكها، لكن هنا يأتي سؤال عن الفضلات، ماذا يحدث لما نستهلكه، الذي من المفترض أن يتلاشى وأن لا نراه؟ بالرغم من أن هناك جهوداً هائلة لمحاولة تقليل "الفضلات" كقوانين منع استخدام الأكياس البلاستيكيّة، إلا أن الكثير من "فضلاتنا" انتهت ببطن الحوت، وفي بطون الكثيرين منّا، وفي رئاتهم و أجهزة المناعة الخاصّة بهم، و يكفي أن نعلم أن الزجاجة البلاستيكية التي تحوي مسحوق الجلي قد يصل عمرها إلى 47 عاماً قبل أن تتحلّل وتتفكّك طبيعياً.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي