مسرحة القاتل، مسرحة الضحية، مسرحة الجريمة، ومسرحة المحاكمة

مسرحة القاتل، مسرحة الضحية، مسرحة الجريمة، ومسرحة المحاكمة

من أهمّ التجارب العربيّة التي تعرّف عليها الفنان والمشاهد العربي هذا العام عبر مهرجان أرصفة زقاق المسرحي الذي يُقدّم كل سنتين في بيروت، كانت تجربة المخرج المسرحي والسينمائي السويسري ومؤسّس المعهد الدولي للاغتيال السياسي، والمدير الفني ل NTGent، (ميلو راو).

قدّم مهرجان أرصفة زقاق لجمهوره هذا العام مجموعةً من التجارب المسرحيّة المتعدّدة الثقافات والجنسيّات، والتي يبدو في اختيارها عناية بكون كل منها تمثّل تيّاراً أو تجربةً مسرحية بأسلوبيّة واضحة ومفاهيميّة أحياناً. لكن التجربة المسرحية لـ(ميلو راو) كانت الأكثر إلهاماً ووضوحاً.

قدّم المخرج المسرحي ثلاثة عروض (بيان بريفيك، 2012)، (محاكمات موسكو، 2013)، (محاكمة الكونغو، 2017)، كما أنه قدّم محاضرة بالتشارك مع ستيفان بلاسكي، عرض فيها وجهة نظره فيما أُطلق عليه (الواقعيّة العالميّة في الفن) عالج فيها أسئلة تراوده عن دور الفنان في العصر الحالي؟ ما هو الممكن وما هو الواجب وما هو المسموح به في الفن؟ كيف يمكن الإنتقال من إعادة الإنتاج في الفن إلى المساهمة والالتزام؟

من بين الأسئلة السابقة، يبدو سؤال: ما هو الممكن وما هو المسموح به في الفن، ثيمةً مستمرّة للمعالجة في أعمال ميلو راو المسرحية، من (بيان بريفيك، 2012)، وحتى عرضه الأخير في مهرجان أفينيون (التعافي، 2018).

مسرحة القاتل: كيف نمسرح القاتل؟

يبدو عرض (بيان بريفيك، 2012) مسرحاً يتساءل عن كيفية مسرحة المجرم؟ من هو هذا المجرم؟ لماذا تحوّل قاتلاً ؟ والأهم ما هي الأفكار التي يمكن أن يحملها مواطن تدفعه للتحوّل إلى مجرم أو قاتل؟

أندرس ب. بريفيك، التي تدور المسرحية عنه، قتل 77 شخصاً، ومَثَلَ أمام محكمة مقاطعة أوسلو، قام بتبرير جرائمه مكابراً بتقاربه مع القاعدة، كما عبّر عن تأييده لقانون منع المآذن في سويسرا ومؤازرته لـ"ناسيونال سوشاليست أندرجروند" - جماعة يمينية متطرّفة من النازيين الجُدد في ألمانيا- خصّص بريفيك بعضاً من مرافعته لاستعراض نظريته التي تنصّ على أن ازدياد الهجرة والتعدّد الثقافي سيؤديان إلى زوال اوروبا.

لقد ترك لنا بريفيك بياناً، هو الذي تتمّ عليه القراءة المسرحية لعرض ميلو راو الذي يقول عن العرض:

"حين تستمع لعرضٍ مستندٍ كهذا بكليّته، من على منصّة وأمام جمهور، تتفاجأ بمدى تعقيده، تغلغل معناه وبعده عن عالمك، إذ يجد الجمهور نفسه مجابهاً لا منطقيةً عنيفةً وضيّقةً بُني عليها تفسير بريفيك - لا منطقيّة ما هي إلا عبارة عن جدلية المنطق اليمني القومي المتطرف؛ وهو بالطبع سرّ مكشوف، يتمّ التعبير عنه مراراً وتكراراً".

مسرحة المحاكمة: هل المحاكمة مسرحية متفق عليها؟

(محاكمات موسكو، 2013) هو أبرز العروض في تجربة ميلو راو المسرحيّة، وهو يحوي كل أفكار ميلو راو عن المسرح، وأغلب تقنياته المسرحية، وتجسيد الأمل لنظريته المسرحية.

في الأصل، أطلق لقب " محاكمات موسكو " على سلسلة المحاكمات التي أُقيمت في ظلّ نظام الإتحاد السوفيتي، وبتحريض من جوزيف ستالين بين أعوام 1936 - 1938 ضد التروتسكيين، وتيارات أخرى معارضة لستالين في الحزب الشيوعي الروسي. هذا الاسم يستعيره ميلو راو كعنوان للمسرحيّة التي قدّمها في العام 2013 على خشبة مركز ساخاروف في موسكو، لمدّة ثلاثة أيام متتالية، وصوّرها فيلماً سينمائياً. 

أقوال جاهزة

شارك غردما الفرق بين المسرح والمحكمة؟ أليست المحكمة اتفاقاً جمعياً بين أفراد المجتمع؟ أليست هي اتفاقاً شرطياً مثلما هو المسرح؟ من الذي أعطى للمحاكم القضائية سلطة "الحقيقة"، ومنعها عن المسرح الجماهيري؟

شارك غردكيف نمسرح الجريمة؟ بأي مشاعر يمكن إعادة أداء أفعال الجُناة؟ ما مقدار العنف الممكن تجسيده على المسرح في سبيل مسرحة جريمة؟

أما محاكمات موسكو التي يعالجها ميلو راو في مسرحيته، فهي ثلاث محاكمات رآها المخرج تتعلّق بحريّة التعبير وبموضوعة الحدود التي يمكن للفن مقاربتها، القيود والتابوهات المفروضة على الفن، وأخيراً الفن كحالة اعتراض أو سخرية. المحاكمات الفنية الثلاث جرت في روسيا، الأولى في العام 2003، تعرّض المعرض الفني Religion ! Caution إلى المنع، وحوكم فنانوه.

وفي العام 2006، تعرّض معرض فني آخر بعنوان Art Forbidden إلى مصير مماثل لسابقه، وفي الحالتين صادرت الدولة الروسية محتويات المعرض، أو دمّرته، ثم أخلي سبيل الفنانين بكفالة بعدها.

أما المحاكمة الثالثة فجرت أحداثها في العام 2012، حين دخلت ثلاث فتيات من فرقة (بوسي رايوت) وعزفن الغتيار لمدة دقيقة في كاتدرائية المسيح المخلّص بموسكو، احتجاجاً على دعم بابا الكنيسة لحزب بوتين الحاكم في الإنتخابات. تمّ القبض على الفتيات الثلاث ومحاكمتهن، تم ترحيل اثنتين منهن إلى معسكر تأديبي، وأخلي سبيل واحدة فقط، مما سمح بمشاركتها في مسرحية (محاكمات موسكو) لميلو راو التي قدّمها في العام التالي على الحادثة.

قام ميلو راو بإعادة تجسيد المحاكمات مسرحياً. قسّم الخشبية بحسب ديكور المحاكمة القضائية: لجنة القضاة، محامو الإدعاء، محامو الدفاع، هيئة المحلفين، والجمهور الذي يضمّ بين أشخاصه شهوداً مطلوبين لأداء الشهادة ، من مختصّين في المجال الفني ومشاركين في الإعتداء على المعارض المذكورة آنفاً، نشطاء حرية التعبير يقابلهم نشطاء الحركة الدينية الأرثوذكسية.

تكتب نورا أمين في وصف المسرحية - المحاكمة:

"إنها محاكمة افتراضية لمصير تلك الأعمال الفنية، وضمّت تلك المحاكمة الافتراضية كل أعضاء الهيئة الطبيعيّة للمحكمة من قاض ومحام ومدعي الحق العام وهيئة المحلفين، وكانوا كلهم يؤدون أدوارهم الحقيقية، فهم ليسوا ممثلين، بل هم من أصحاب تلك المهن القانونية والقضائية في الواقع.

كذلك اختيرت هيئة المحلّفين بدقّة بالغة، وبتنوّع لا يقل عما يجري في المحاكمات الحقيقية. كان هناك شهود استدعوا للشهادة، وكان هناك فنانون وشخصيات عامة من اليمين ومن اليسار. قام ميلو راو بتجميع تلك الشخصيات وبوضع المبادئ العامّة للحدث المسرحي على مدار ثلاثة أيام، فكان ذلك هو بمنزلة إخراجه للحدث، أو وضعه لدراماتورجيته".

أوّل آثار تجسيد المحاكمة القضائيّة فوق خشبة مسرحيّة هي التساؤل الذي تطرحه هذه التجربة على المتلقي: ما الفرق بين محاكمةٍ تجري في غرف قصر العدل ومحكمةٍ يتمّ نصبها على مسرح؟ تلك المحاكمات التي تجري في قصر العدل وتطبّق أحكامها قضائياً، أليست هي اتفاقاً جمعياً بين أفراد المجتمع؟ أليست هي اتفاقاً شرطياً مثلما هو المسرح؟ ما الفرق بين المسرح والمحكمة؟ من الذي أعطى للمحاكم القضائية سلطة الحقيقة، ومنعها عن المسرح الجماهيري؟

الجانب الآخر الذي يمتلك أهمية في تجربة مسرحة المحاكمة، هي قراءة الفنانة المصرية نورا أمين لمسرحية محاكمات موسكو، والتي ركّزت فيها على الجانب التوثيقي لمسرح ميلو راو:

"لقد قدّم ميلو راو أسلوباً جديداً للمسرح التوثيقي يتعدّى المفهوم التقليدي للوثيقة المسرحية، أو لإعادة تجسيد الحدث ومسرحته، أو عرض لقطات أرشيفيّة وشهادات من الحدث نفسه، فقد أسّس لحالة وثائقيّة بامتياز بمجرّد اختياره مشاركة أشخاص بصفتهم المهنيّة الحقيقيّة، أو بهويّاتهم الأصلية، فهذا المبدأ في حدِّ ذاته هو بوابة خاصّة جداً لطابعٍ وثائقي جديد".

أما أحمد باشا في مقاله (المسرح يسائل نفسه)، فكتب: "ينطلق مسرح ميلو راو من أحداث واقعية لتشييد عمله المسرحي. ومفردة التشييد، هنا، تعني عدم اكتفائه بالوثيقة كنقطة انطلاق، بل يتّخذ منها مادةً أصيلة تستمرّ، خلال العملية المسرحية، في مساءلة المسرح واختبار قدرته على تمثيل الواقع".

ترى نورا امين أن هذا الأسلوب الذي ابتكره ميلو راو يُعيد إلى المسرح إمكانياته كفضاء مواجهةٍ وتفاوضٍ وتفويض، من داخل البنية الدرامية للمحاكمة الطبيعية. إن إعادة تجسيد أحداث المحاكمات القضائية الثلاث على الخشبة، يجعلها حدثاً راهناً، فورياً، وتفاعلياً من جديد، هذه المرة بين المؤدين المسرحيين والمشاركين في العرض المسرحي كمدافعين عن هذا الرأي أو ذاك.

أي أن تجسيد المحاكمة القضائية على خشبة المسرح يسمح بأرشفة الحدث التاريخي من جهة، وباختبار تفاعل الشرائح الاجتماعية معه إذا خرج إلى الفضاء العام من جهة أخرى.

مسرحة المأساة والشفقة: كيف نثبت عبر الحكاية عجز النوايا الطيبة عن الفعالية

في العام 2016، قدم المخرج ميلو راو، على خشبة مسرح شابونه في برلين، مسرحيةً بعنوان (الشفقة: تاريخ المدفع الرشاش)، من عنوانها "الشفقة" نتلمّس رغبة المخرج في معالجة ردود أفعال المواطنين الأوربيين على الأحداث المأساوية التي يعيشها المهاجرون في شواطئ المتوسط، وردود أفعالهم على أحداث العنف التي تجري قربهم في القارة الإفريقية.

كتب زياد عدوان في وصف العرض: يبدأ العرض بدخول فتاة سوداء (أداء كونسوليت سيبيريوس) نجتْ من الحرب الأهلية في الكونغو وقامتْ عائلة بلجيكية بتبنّيها.

 من عرض الشفقة من عرض الشفقة

تجلس الفتاة متحدّثة إلى الجمهور وإلى كاميرا تعرض وجهها على شاشة كبيرة أعلى المسرح، بينما الخشبة أمامها متسخة ومليئة بالركام والحطام. وكذلك تقف سيدة سويسرية (أداء أورسينا لاردي) على منصّة وراء الركام ويظهر وجهها على الشاشة نفسها. تتحدّث بجهل عمّا يحدث في العالم وعن أزمة المهاجرين وعدم درايتها بما حصل مع الطفل إيلان الكردي.

ثمّ تقوم برحلة مع طاقم العمل إلى الكونغو وإلى المتوسط، بوابة العبور المميتة إلى أوروبا، لتواجه ما يواجهه "الآخرون".

وتتابع المسرحية في سرد مقارن بين التجربتين، تجربة الفتاة الكونغولية التي وصلت إلى أوربا ناجيةً من هلاك الحرب الأهليّة هناك، وتجربة انتقال المرأة السويسرية إلى الكونغو للتفاعل مع حيوية الحدث.

يقرأ زياد عدوان هذه المسرحية بوصفها عملاً فنياً يختبر فاعلية "النوايا التعاطفية الطيبة". هل هي كافية؟ هل هي فاعلة؟

وأمام كثافة الدماء وركام الجثث، تصبح النوايا الطيبة ساذجة بدعوتها للمحبة والمساعدة فقط

فيكتب: "يتفّق الجميع على ضرورة الترويج للنوايا الطيبة. ولكن، وأمام كثافة الدماء وركام الجثث، تصبح النوايا الطيبة ساذجة بدعوتها للمحبة والمساعدة فقط. ومن هنا تبدأ سلسلة الانتقادات الذاتية التي يسوّقها العرض لموقف ومساعي المرأة السويسرية. هناك الكثير من العجز أمام الساعين لإنقاذ البشرية".

مسرحة نقاشات الحرب الأهلية: الجدل بين المحللين والمحاربين

في العام 2017، قدّم المخرج ميلو راو، تجربة جديدة، بعنوان (محكمة الكونغو)، في هذا البلد الذي تبلغ مساحته حجم أوربا الغربية بكاملها، امتدّتْ حرب أهلية لأكثر من عشرين سنة، جسّدتْ جحيماً على الأرض، وحصدتْ أرواح ستة ملايين من الأشخاص، حتى أطلق عليها لقب الحرب العالمية الثالثة، وقد اندلعت نتيجة الإبادة الجماعية في راوندا عام 1994، ونتيجة تدخّلات مباشرة وغير مباشرة من جميع القوى العظمى.

يضيء عرض (محكمة الكونغو) لميلو راو، على حرب الكونغو التي تعتبر أكبر وأكثر الحروب الاقتصاديّة دمويّة في تاريخ الإنسانيّة، والتي قرّرت مستقبل تقاسم السلطة والنفوذ على مستوى العالم.

العديد من المراقبين لم يروا في حرب الكونغو مجرّد حربِ سيطرةٍ على قلب القارّة الأفريقية، ولكن على كونها واحدةً من أعنف الصراعات فيما تبيّن أنه تقاسم حصص في تنافس العولمة. كان هناك تنافس بين القوى المسلّحة طبعاً، ولكن كان هناك تنافسات أخرى بين تجّار الأسلحة الذين كانوا يغذّون المقاتلين بالسلاح، تنافس الدبلوماسيّة الأجنبيّة ومنظمات الإغاثة الدولية، وتنافس أشدّ هو ذلك القائم بين شركات استخراج وتجارة المعادن في تلك المنطقة. لذلك تعتبر حرب الكونغو أكبر وأكثر الحروب الاقتصاديّة دمويّة في تاريخ الإنسانيّة، والتي قرّرت مستقبل تقاسم السلطة والنفوذ على مستوى العالم.

عرض (محكمة الكونغو) لميلو راو، جمع الأطرافَ الرئيسيّة المتحاربة مع المحلّلين المختصّين في مدينة بوكافو عاصمة أكثر مناطق الكونغو تضرّراً من آثار الحرب، ولذلك تمّ اختيارها كمكان للعرض المسرحي، وبعد ذلك بشهر، تم تقديم العرض مرّة ثانية في برلين، حيث استمرّ العرض - المحاكمة لمدة ثلاثة أيام. العرض يدين سلبيّة المجتمع الدولي في التعامل مع الهجمات المُمَنْهجة على المدنيين في شرق الكونغو، ويُضيء على غياب المحاسبة للمتورّطين الذي استمرّ لعقود.

كانت محاولة المخرج ميلو راو في هذا العرض أن يوظّف الفن ووسائل الإعلام لإستكشاف أسباب وخلقيات هذا الصراع الدامي في منطقة البحيرات العظمى. وقد توصّل إلى نتائج مروّعة على المستوى الإنساني، وإلى تحليلات عميقة للنظام العالمي النيوكولونيالي الجديد.

مسرحة الجريمة: كيف نجسد الضحية؟

بداية مسرحية (التعافي، 2018) التي قدّمها ميلو راو العام الحالي على خشبة مهرجان مسرح أفنييون الفرنسي، تمنح المتلقي فكرة عن طريقة رؤية مليو راو لدور الممثل في العرض المسرحي.

يكتب عن العرض أحمد باشا: "يبدأ العرض بالسخريّة من العقليّة الكلاسيكيّة في التعاطي مع المسرح، فيُعيد أحد الممثّلين، بعد أن لعب دور شبح والد هاملت، تمثيل المشهد بشكلٍ ساخر؛ حيث يكسوه الدخان على سبيل الدعابة.

لكن من سيُصدّق هذا؟ بالنسبة إلى راو، لا الممثّل ذاته سيُصدّق ولا حتى الجمهور.هنا، تكمن أزمة الممثّل؛ عندما يُقدّم حكاية يعرف بأنها معدّةٌ سلفاً، وبأن هناك من سيشكّك فيها. هكذا، يقترح المخرج السويسري أن يكون العرض حواراً ذهنياً متواصلاً على الخشبة".

من عرض التعافي، 2018

المسرحية تتناول جريمة قتل ارتكبها أربعة شبان بحقّ الضحيّة حسن جرفي مثلي الجنس. وقعت الحادثة في لييج في بلجيكا العام 2012، وقد رمى الجُناةُ جثةَ الضحيّة بعد القتل على قارعة الطريق. إنها حادثة ملائمة لرغبة ميلو راو بأن يمسرح الجريمة هذه المرة بعد أن مسرح المحاكمة في عروض سابقة. كيف نمسرح الجريمة؟ بأي مشاعر يمكن إعادة أداء أفعال الجُناة؟ ما مقدار العنف الممكن تجسيده على المسرح في سبيل مسرحة جريمة؟

يكتب أحمد الباشا عن مقدار العنف في هذا العرض: "ضمن الأجواء الخاصّة بتمثيل مشهد الجريمة، يتعمّد راو صدم جمهوره، فيذهب بعيداً في تصوير العنف. لكن دون أن يجرّده من سياقه الاجتماعي والتاريخي، فيقدّمه بشكل واقعي، بغية استفزاز المتفرّج، كما في المشهد الذي يُظهر إحدى الشخصيات تتبول على الجثّة".

هذا عن عنف الجُناة، واحتقارهم لجثّة مثلي الجنس وطريقة التعامل معها أثناء تنفيذ الجريمة، ومن ثمّ في التخلص منها على قارعة الطريق. هذا ما يتعلّق بالجاني، لكن ماذا عن الضحيّة؟ وكيف يؤدّى، أو يُعاد إنتاج مشاعرها وانفعالاتها في إعادة تمثيل؟

العرض يضع المتلقّي أمام الضحيّة على الخشبة، فتُثار تساؤلات حول مشروعيّة تمثيل الضحيّة؟ كيف يمكن أن نقدّم ضحيّة ؟ وما هي الحدود الأخلاقية في تمثيلها والتعاطي مع تفاصيلها؟ مسألة طالما غابتْ عن المسرح لاعتبارها من المحرّمات التي درجت العادة على تجاهلها أو تغييبها.

تتعدّد خصائص مسرح ميلو راو سواءً على مستوى الموضوعات أو على مستوى التقنيات. يمكن أن نَجمل الموضوعات في مسرحه بـالمحاكمة، حرية التعبير، الجريمة، القمع، اللاجئ، الضحية، كلها موضوعات تبدو راهنة في التجربة المسرحية العالمية.

وعلى مستوى التقنيات يوضح ميلو راو مفاهيمه عن دور المسرح: المسرح والتجربة الاجتماعية، المسرح كوثيقةٍ تاريخيّة، المسرح كفضاءٍ للنقاش والتداول الأهلي، كلها احتمالات يمكن أن يلعبها الفن المسرحي الإنساني المعاصر.

التعليقات

المقال التالي