سياسات الاستعراض بـ"القوّة" لخلق الاختلاف

سياسات الاستعراض بـ"القوّة" لخلق الاختلاف

أجبر النظام السوري عدداً من معارضيه بعد اعتقالهم على الظهور على شاشات التلفزيون الوطنيّ، وصمّم لهم إطاراً علنياً، يعترفون فيه بأخطائهم، وأنهم من "الأعداء" المخرّبين، واختلق لهم حكايات وهميّة -على ابتذالها- وأداءً مضبوطاً، مصمّماً بدقّة ليُبيّن أنه المنتصر، وأن هناك من يريد تخريبَ التجانس الداخليّ.

وخَلَقَ مساحةً علنيّة ليقول أن هناك "آخرين" مختلفين، مرئيّين تمّ "التفوّق" عليهم، و"اصطيادهم" و"استعراضهم" للجماهير، بوصفهم أعداء ذوي حكايات "حقيقيّة" تستدعي الحزم ضد من يشبهونهم.

سياسةُ الاستعراض العلنيّ السابقة، تعود إلى تاريخٍ استعماريّ يحضر في "الدولة الوطنيّة" تحت صيغة الاعترافات الجماهيريّة، التي تشكّل واحدة من تقنيات التمايز والعزل والاستثناء التي تخلقها الدولة بين مواطنيها و"أعدائها" على اختلاف أنواعهم، فالاستعراض يبرّر العنف الذي تمارسه الدولة أمام مواطنيها، كونه موجّه ضد "الآخر، العدو، الوحشيّ والبربريّ" بحجّة حماية الدستور والخاضعين له.

نلاحظ في الفيلم الوثائقيّ الذي ناقشَته المقالات السابقة (البرابرة-حدائق حيوان البشر) وفي الأمثلة المعاصرة التي تم استعراضها تكرار آليات الهيمنة، تغيّر شكلُها وأصبح أشدّ خفاءً لكن محرّكاتها ذاتها، كونها جزءاً من تكوين خطاب السلطة وأسلوبها لتعريف الأعداء، وبناءِ الحكاية الوطنيّة، وضَبْطِ سياسات الاختلاف عن الآخر في سبيل الحفاظ على السيادة والنظام القائم، فالمشترك بين سياسات الاستعراض التي توظّفها الأنظمة، سواء كانت قمعيّة أم ديمقراطيّة، هو محرّك هدفه خلق الفئات وترسيخ الاختلاف بين الأفراد، وكأن هذا المحرّك أثرٌ، خفيٌ، يُمحى كلما ازدادت أعراضه علنيّةً.

أقوال جاهزة

شارك غردحكاية تنفي التاريخ الشخصي وتستبدله بآخر سياسيّ، وتستبدل الذاتيّ والحميميّ بالعنصريّ الفوقيّ

شارك غردفي فرنسا، يتمّ بصورة غير رسميّة، اختيار ذوي البشرة الملوّنة و"العرب" ليعملوا كحرّاسٍ، كونهم "أشد ميلاً" لاستخدام العنف في حالات الخطر، إذ تستعيد المؤسسات هنا المتخيّل الاستعماري عن "العربيّ" المُقاتل الشرس الذي يمكن أن ينفلت العُنف منه في أي لحظة

خشبات الاختلاف العلنيّة

المرحلة الأولى لتقنيات خلق "الاختلاف" عبر الاستعراض مرتبطة بالـ staging أو الإطار الذي يمكن المشاهدة عبره، والمساحة المرئيّة للأداء بمعناه الواسع، والتي يتمّ الاستفادة من الخصائص الرمزيّة والسياسية لها وما يتوقعه الفرد منها، لإظهار الموضوعات "الأخرى" سواء كانت هذه المساحة للتسليّة كما في حديقة الحيوان، أو لاكتساب المعرفة كما في المتحف.

ففي كلاهما كانت تظهر /توضع الموضوعات بالقوّة "سرقة، خطف، صيد"، ثم يتم إخضاعها لتحديقة تجعلها "مختلفة" ويتمّ الترويج لهذا الاختلاف وما يحمله من دونيّة بوصفه "حقيقة" تتسلّل إلى أشكال أخرى من المُنتجات الثقافيّة وإلى التكوين المعرفي للـ"مشاهدين".

توضع الموضوعات بالقوّة "سرقة، خطف، صيد"، ثم يتم إخضاعها لتحديقة تجعلها "مختلفة" ويتمّ الترويج لهذا الاختلاف وما يحمله من دونيّة بوصفه "حقيقة" تتسلّل إلى أشكال أخرى من المُنتجات الثقافيّة وإلى التكوين المعرفي للـ"مشاهدين".

لنعيد النظر في مساحة التسليّة مثلاً، كما في حديقة الحيوان، ونذكر سارا بارتمان، ذات المؤخرة الكبيرة، وكيف ساهمت صورها الطولانيّة ليس فقط في رسم أيقونة المرأة السوداء بوصفها إكزوتيكيّة وشبقيّة، بل أيضاً كانت محط التحديقة الطبيّة التي كانت تستخدم صورها كأمثلة علميّة لدراسة خصائص" العرق الأسود".

المثير للاهتمام أن هذا الهوس بـ"المؤخرة السوداء" وبالهالة المحيطة ببارتمان التي كانت مُجبرة على الظهور ضمن القفص بالشكل الوحشي، يوظّف اليوم أيضاً لأغراض شبقيّة، كما فعلت كيم كارداشيان في غلاف مجلة "paper" عام 2014، والتي أثارت الكثير من الانتقادات لتوظيفها الأيقونة الاستعمارية وتاريخها العنيف دون أي انتقاد، بل والمراهنة على هذه "الأيقونة" في سبيل "الظهور" مستفيدةً أيضاً من مساحة التسلية واللعب، وكأنها متصالحة مع مأساة بارتمان.

أما انتقاد هذه "الأيقونة الاستعماريّة" فنراه في  أداء - تجهيز للفنانة  فالري أوكا، التي تكشف للمشاهد تاريخ تكوين صورة المرأة الشبقيّة "الحيوانيّة" وكيف كانت توضع في قفص بالقوّة لتُسْتَعرض، ليُحدّق فيها "الذكور" الذين استعاضت عنهم بقضيبٍ يحدّق منتصباً بالمؤدية السوداء، ومن حولها زوّار عشوائيون يستهلكون العمل الفنيّ، لنرى أنفسنا أمام محاولة لكشف الحكاية الاستعمارية وسياسات القفص، وفهم الآلية التي كانت تظهر فيها الموضوعات ضمنه، وكيف تظهر الآن ضمن أشكال الاستعراض الجديدة، بوصفها محطّ شهوة.

إذ تقدم لنا أوكا تجربة حيّة لنشاهد كيف يتمّ اصطناع الوضعية والأسلوب لمرئيّة الآخر، وكيف يمكن أن تتسلّل صورته المُسيّسة إلى متخيّلنا اليوميّ ونحن نتصفح مجلة أو نتنقل بين قنوات التلفاز. 

حكايات الآخرين المسلّية جداً

المرحلة الثانيّة لترسيخ الاختلاف تحضر في الحكايات التي اختُرعت لأولئك "الآخرين" والأعداء، فهي تدّعي الحقيقية، ومبنيّة بأسلوب يكسبها مصداقيّة ما لجعل مكوناتها "منطقيّة"، كـ"الاعترافات" التي نشاهدها على شاشة التلفزيون السوري حيث غُرِّر بـ"الأعداء" وتعاطوا المخدرات و نشروا الرعب والفساد، أو القصص التي كانت تُكتب لأسرى الأقفاص في حديقة هاغنبيك بوصفها نتاج جهود مسكتشفين وعلماء و"مغامرين"، فأسرة من الأسرى تتحوّل ضمن القفص، عائلة ملكيّة عليها تأدية أدوار ومعارك مختلفة  كل يوم، للدفاع عن عروش وهميّة  في سبيل تسلية "المواطنين"، وبنفس الطريقة قصص جماجم الثوار الجزائريين في متحف الإنسان في باريس، ذات الخصائص "العلميّة" المشابهة للتقارير الطبيّة  العنصريّة عن سارا بارتمان.

الحكاية هنا تنفي التاريخ الشخصي وتستبدله بآخر سياسيّ، وتستبدل الذاتيّ والحميميّ بالعنصريّ الفوقيّ، وتبتدع تعريفات جديدة عبر أسلوب -علميّ أو ترفيهي- مُشرعن ويمكن توقّع كيفية تلقيه، هذا الأسلوب يدخل أيضاً ضمن العناصر الحكائيّة الشكلانيّة ويضبط تكوينها وتقاطعاتها لجعل الحكاية"مُقنعة".

هذه الحكايات المصطنعة حاضرة الآن بأشكال مختلفة وليس من السهل اكتشاف وهميتها، كونها تزداد انتشاراً، وأحياناً لا تُنتجها مؤسّسة، لكنها تفرضُ ظهورها وتوظّفه بوصفها خبراً طازجاً، كحكاية فتاة مثلية من دمشق الذي تبين لاحقاً أنها شاب يعيش في أمريكا، أو تلك الفيديوهات القصيرة المتداولة عن المسلمين في أوروبا، والتي تعود للظهور والتداول كل فترة لإبراز "لا تحضّر" المسلمين واختلافهم.

هناك أيضاً الحكايات المؤسّساتيّة، المدروسة والمصمّمة بدقة، كتلك التي تنتجها حملة الغسيل الوردي الإسرائيلية، التي تخترع حكايات لأفراد يحملون "خصائص محدّدة" تقوم "باستيرادهم" واستعراضهم ككائنات شبقيّة، لإخفاء سياساتها الاستعماريّة، مستفيدة من المتخيّل الأوربيّ عن العربيّ المُشتهى، لجذب أنظار العالم إلى تل أبيب "جنّة المثليين"، وأيضاً لخلق الاختلاف بين "الإسرائيليين المرحين" و"الفلسطينيين البرابرة".

مثال مشابه نراه في فرنسا التي توظّف الحكايات الاستعمارية لضبط الفضاء العام، إذ يتمّ بصورة غير رسميّة، اختيار ذوي البشرة الملوّنة و"العرب" ليعملوا كحرّاسٍ، كونهم أشد ميلاً لاستخدام العنف في حالات الخطر، إذ تستعيد المؤسسات هنا المتخيّل الاستعماري عن "العربيّ" المُقاتل الشرس الذي يمكن أن ينفلت العُنف منه في أي لحظة.

لكن لماذا المقارنة؟

ألم تنقرض حدائق البشر في أواخر الثلاثينات واختفت أقفاص استعراض "المختلفين"؟ السبب بسيط: استُبدلت الحدائق بالسينما والثقافة الشعبيّة وأشكال الاستعراض المختلفة، كأوّل إنتاجات فيلم كينج كونج عام 1933، الذي يصوّر الآخر البربري المفتون بالمرأة البيضاء، فما حصل أن الآخر تحول إلى شخصيّة يتم تأديتها، بأسلوب مصمّم مسبقاً إما لنقل الحكايات الوهمّيّة الجديدة أو ترسيخ تلك السابقة.

عمار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي