عالمٌ سنّي، ونبي إيزيدي، وولي صوفي ذو كرامات لا حدّ لها: كيف نقرأ شخصية عدي بن مسافر؟

عالمٌ سنّي، ونبي إيزيدي، وولي صوفي ذو كرامات لا حدّ لها: كيف نقرأ شخصية عدي بن مسافر؟

في 467هـ/ 1075م، وُلد الشيخ عدي بن مسافر في ناحيّة من نواحي بعلبك في لبنان، وبعد أن عاش عمراً طويلاً تقدّره بعض المصادر التاريخيّة بالتسعين عام، توفّي ودُفن في لالش بسنجار في العراق.

شخصيّة عدي بن مسافر، استطاعتْ أن تجد لنفسها مكاناً بارزاً في المخيّلة الدينيّة في بلاد العراق والشام، حيث تعدّدت الآراء في حقيقة معتقد الشيخ البعلبكي الأصل، فأهلُ السنّة والجماعة يعدّونه من بين علمائهم الكبار، بينما يعتبره الصوفيّة واحداً من الأولياء والأقطاب، في حين ينظر له الإيزيديين على كونه نبيّاً للديانة الإيزيديّة ومجدّداً لها.

وجهة النظر السنّيّة: عالمٌ سنّي أشاد به ابن تيميّة وتلاميذه

العديد من المصادر التاريخيّة السنيّة قامتْ بالترجمة للشيخ عدي، ويُلاحَظ أن الكثير من المؤرّخين السنّة من أمثال المقريزي وابن تغري بردي، قد أشار لأصوله الأمويّة، وبالتحديد لانحداره من نسل الخليفة الأموي مروان بن الحكم.

شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، تكلّم عن عدي بن مسافر غير مرّة في كتاباته، ولا سيما في رسالته المسمّاة بالوصيّة الكبرى، والتي أشاد فيها كثيراً بعدي، حيث أظهر مَدْحَه له في العديد من المواضع.

فعلى سبيل المثال يصفه بقوله "الشيخ عدي قدّس الله روحه كان من أفاضل عباد الله الصالحين وأكابر المشائخ المُتبعين، وله من الأحوال الزكيّة والمناقب العليّة ما يعرفه أهل المعرفة بذلك، وله في الأمّة صيتٌ مشهور ولسانٌ صادقٌ مذكور، وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تَقَدّمَه من المشائخ الذين سلك سبيلهم".

وقد نقل البعض عن عدي بن مسافر عقيدته التي أشار ابن تيميّة إليها في السطور السابقة، وهي في حقيقتها تتشابه بشكلٍ كبيرٍ مع العقيدة السنّيّة السلفيّة التي سار عليها الكثير من الفقهاء والعلماء السنّة الحنابلة، وعلى رأسهم ابن تيميّة نفسه، وذلك فيما يخصّ مسائل الإيمان والأسماء والصفات والقضاء والقدر.

تقريظُ شخصيّة عدي بن مسافر وصبغها بالصبغة السنيّة، لم يقتصر على ابن تيميّة وحده، بل نجد أن العديد من تلامذته قد سار على الدرب نفسه، ومن هؤلاء شمس الدين الذهبي وابن كثير الدمشقي. 

أقوال جاهزة

شارك غرد"الشيخ عدي قدّس الله روحه كان من أفاضل عباد الله الصالحين وأكابر المشائخ المُتبعين": من هي شخصية عدي بن مسافر التي أشارت العديد من المصادر لأصوله الأمويّة، وبالتحديد لانحداره من نسل الخليفة الأموي مروان بن الحكم؟

شارك غردأعطى أحد أتباعه "منديلاً وأمره أن يعصب به عينيه، فلما فعل ذلك ثم خلعه، وجد نفسه وقد أبصر الملائكة من حوله": عن الجانب الخوارقي والإعجازي في شخصيّة عدي بن مسافر

شارك غردفي الرؤية الإيزيدية، كان يُنظر لعدي بن مسافر على كونه نبياً موحى إليه، ورسولاً مبتعثاً من قِبل الله تعالى، فأطلقوا عليه اسم "شيخادي" واتخذوا من قبره بلالش قبلة ومركزاً لهم.

في كتابه المشهور سير أعلام النبلاء، يصف الذهبيُّ الشيخَ البعلبكي باقتضابٍ قائلاً:

"الشيخ الإمام الصالح القدوة..."، ثمّ يعود للحديث عنه على نحوٍ أكثر تفصيلاً فيقول "ساح سنين كثيرة، وصحب المشايخ، وجاهد أنواعاً من المجاهدات، ثم إنه سكن بعض جبال الموصل في موضعٍ ليس به أنيس، ثم أنس الله تلك المواضع به، وعمّرها ببركاته، حتى صار لا يخالف أحد بها بعد قطع السبل، وارتدّ جماعة من مفسدي الأكراد ببركاته، وعمّر حتى انتفع به خلق، وانتشر ذكره، وكان معلّماً للخير، ناصحاً متشرّعاً، شديداً في الله، لا تأخذه في الله لومة لائم...".

وينقل الذهبي عن بعض أصحاب عدي بن مسافر، بعض الروايات التي توضح عقيدته، ومن ذلك أنه أخبر بعض أتباعه يوماً ما بأنه قد رأى في المنام أنه في الجنّة مع مجموعة من رفاقه، فلما سُئل عن هويّة من معه قيل له هؤلاء "أهل السنّة الحنابلة"، وهي الرواية التي يُفهم منها انتمائه المذهبي للحنبلية.

أما ابن كثير، فهو يتابع ابن تيميّة والذهبي في الإشادة بالشيخ عدي، وإن كان يقدّمه في صورةٍ شافعيّة، حينما يقول واصفاً إياه "شيخ الشافعيّة الأكراد في جبال الهكار..."، وذلك بحسب ما ورد في كتاب البداية والنهاية.

من هو عدي بن مسافر البعلبكي الذي حوّل أتباعه قبره إلى مزار "من المزارات المعدودة والمشاهد المقصودة"؟

من المهم هنا، أن نلاحظ أن معظم المصادر السنّية التي تطرّقت لترجمة الشيخ عدي بن مسافر، قد أكّدت على أن نوعاً من الغلوِّ والشَطَطِ قد ظهر بين أتباع الشيخ بعد وفاته، وحاولت تلك المصادر أن تفصل بين الشيخ والأتباع، بحيث يظهر الشيخ في لباس العالم السنّي الملتزم، بينما يتمّ تمثيل أتباعه على أنهم منحرفون عن الخط المستقيم الذي اختطّه لهم شيخهم.

ومن ذلك ما ذكره ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" في معرض وصفه لأتباع عدي، بقوله "... وجاوز حِسْنُ اعتقادهم فيه الحدّ، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون فيها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعوّلون عليها، وقبره من المزارات المعدودة والمشاهد المقصودة".

وجهة النظر الصوفيّة: وليٌّ وقطبٌ وصاحبُ كرامات لا حدّ لها

على الرغم من اعتراف بعض المصادر السنّية، بتصوّف عدي بن مسافر، إلا أن العديد من المصادر الصوفيّة تقدّم صورة مختلفة للشيخ، بحيث تمّ تقديمه على كونه ولياً من الأولياء الذين وهبهم الله العديد من الكرامات والمعجزات التي قد لا يصدّقها القطاع الأكبر من العلماء السنّة عموماً والحنابلة منهم على وجه الخصوص.

تشكيل الصورة الإعجازيّة الصوفيّة للشيخ عدي، بدأ مع قصة ولادته، حيث تنقل بعض المصادر الصوفيّة التي يعتمدها عباس العزاوي في كتابه "تاريخ اليزيديّة وأصل عقيدتهم"، أن مسافر كان قد تزوّج في بلدة بيت فار في بعلبك.

ثم عزم على السفر والسياحة في الأرض، فترك زوجته لمدة طويلة - تقدّرها بعض الكتب بثلاثين عام، وتقدّرها كتب أخرى بأربعين عام- وبينما هو نائم في إحدى الليالي شهد رؤيا غريبة، حيث أمره المنادي بالعودة إلى زوجه وأن يعاشرها معاشرة الأزواج.

كبار الصوفيّة كانوا يسلّمون عليه إذا مرّوا على منزله، حينما كان لا يزال جنيناً في بطن أمه: عدي بن مسافر الولي الصوفي الذي اعتبره السنة شيخاً والإيزيدية نبياً

وبالفعل انطلق مسافر من فوره وركب دابته وانطلق عائداً إلى بيت فار، فلما وصلها ليلاً دخل على زوجته، وكانت هي الأخرى قد رأت في منامها رؤيا مشابهة لرؤياه، فاشترطتْ عليه أن يخرج إلى أعلى مكان في البلدة وأن ينادي بأعلى صوته أنه قد قَدِم ودخل بيته، حتى لا يشك أحد من الناس فيها بعد أن تحمل، وبعد أن فعل مسافر ذلك، ذهب إلى زوجه، ثم خرج ورجع مرة أخرى إلى المكان الذي قَدِم منه، بعدما علقت منه زوجته بابنه، الذي سيصير فيما بعد الشيخ عدي بن مسافر.

بحسب ما ينقل العزاوي فإن المكانة الجليلة التي احتلّها عدي في الأوساط الصوفيّة في زمنه، لم تستلزم كثيراً من الوقت حتى تشكّلتْ، ذلك أن العديد من الروايات قد ذكرت أن كبار الصوفيّة كانوا يسلّمون على عدي إذا مرّوا على منزله، حينما كان لا يزال جنيناً في بطن أمه. 

وبحسب ما يذكر ابن خلكان في كتابه سابق الذكر، فإن عدي قد اعتاد منذ حداثة سنّه على مصاحبة العديد من رموز وشيوخ الصوفيّة في عصره، من أمثال أبي الوفا الحلواني، حماد الدباس، عبد القادر السهروردي وعقيل المنبجي.

أما أشهر الصوفيّة الذين صاحبهم عدي بن مسافر، فكان القطب الشهير عبد القادر الجيلاني، والذي ينقل علي بن يوسف الشطنوفي في كتابه "بهجة الأسرار ومعدن الأنوار" قوله "لو كانت النبوّة تنال بالمجاهدة، لنالها الشيخ عدي بن مسافر".

"لو كانت النبوّة تنال بالمجاهدة، لنالها الشيخ عدي بن مسافر"، كيف عظم المتصوفة شخصيته حتى ظهرت طريقة صوفية نسبت إليه، وعرفت باسم "العدوية".

تلك الشهادة القيّمة من الجيلاني تناغمتْ وتوافقتْ مع إقبال المريدين على الشيخ عدي، حتى ظهرتْ فرقة أو طريقة صوفيّة تنتسب إليه وعُرفتْ باسم العدويّة، وكَثُرَ أتباعها من الأكراد وقاطني شمال غرب العراق تحديداً.

من المهم هنا أن نلاحظ التركيز الشديد الذي أبدته الكتابات الصوفيّة في سبيل إظهار الجانب الخوارقي والإعجازي في شخصيّة الشيخ عدي، فعلى سبيل المثال يذكر عبد الوهاب الشعراني في كتابه "الطبقات الكبرى"، جملة من كرامات عدي بن مسافر، ومنها أنه إذا ذُكر اسمه على الأسد وَقَفَ، وإذا ذُكر على موج البحر سَكَنَ، وأنه في بعض الأحيان كان يضرب على صدر بعض الرجال فيحفظون القرآن الكريم دفعة واحدة.

أخبار تلك الكرامات استطاعتْ أن تتسلّل أيضاً إلى المصادر التاريخيّة، ومنها تاريخ ابن الوردي، حيث ورد فيه أن أحد أتباع الشيخ عدي، قد سأله يوماً ما أن يطّلع على المُغِيبَات. فأعطاه الشيخ منديلاً وأمره أن يعصب به عينيه، فلما فعل ذلك ثم خلعه، وجد نفسه وقد أبصر الملائكة من حوله، ولبث على هذا الوضع عدّة أيام، فمَرض وكاد أن يُجنّ، وذهب مرّة أخرى إلى شيخه شاكياً، وعندها قام عدي بسلبه تلك القدرة الخارقة، فرجع وقتها إلى سيرته الأولى.

وجهة النظر الإيزيدية: نبيٌّ مرسلٌ أو مجدّدٌ مُخلص

بالإضافة إلى وجهتي النظر السابقتين، اللتين تنبثقان من رؤية إسلاميّةٍ خالصةٍ لشخصيّة الشيخ عدي بن مسافر، فإن هناك وجهة نظر ثالثة - قد تكون الأكثر شهرة وذيوعاً- وهي تلك التي يعتقد أصحابها أن الشيخ عدي، كان شخصيّة مبجّلة ومقدّسة عند الإيزيديين.

لا شك أن الديانة الإيزيدية محاطة بهالة فضفاضة من الغموض والالتباس، حيث يسود الاختلاف بين الباحثين في تسميتها الصحيحة، فهناك من سماها بالإيزيدية نسبة إلى مدينة يزد الإيرانية أو كلمة يزدان التي تعني الله باللغة الكردية، وهناك آخرون يسمونها باليزيدية نسبة إلى الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية، والذي يقال إنه قد تسامح مع أصحاب تلك الديانة وقلّل من الضغوطات المفروضة عليهم.

تتفق الرؤية الإيزيديّة لعدي بن مسافر، مع الهالة الخوارقيّة التي وضعته الصوفيّة بداخلها، حيث يؤكّد الإيزيديون على النبوءة التي سبقت ولادته، وعلى أخبار كراماته ومعجزاته، وإن أرجعتْ أسباب تلك الخوارق لخلفيته الإيزيديّة.

تتفق الرؤية الإيزيديّة لعدي بدايةً، مع الهالة الخوارقيّة الغامضة التي وضعته الصوفيّة بداخلها، حيث يؤكّد الإيزيديون على النبوءة التي سبقت ولادته، وعلى أخبار كراماته ومعجزاته، وإن أرجعتْ أسباب تلك الخوارق لخلفيته الإيزيديّة، لا الإسلاميّة.

وبحسب الروايات الإيزيديّة التقليديّة فإن الشيخ عدي بن مسافر، قد ولد وتربّى في جبل هكار بالموصل، وأنه قد زار بعض المناطق المجاورة، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال، جاءه هاتف في المنام وقال له "يا عدي قم إلى لالش فهو مقامك، ويُحيي الله على يديك قلوباً ميتة"، وذلك بحسب ما يذكر التادفي في كتابه قلائد الجواهر، كما ورد في كتاب "مصحف رش" - وهو من بين أكثر الكتب الإيزيديّة أهميّة ومكانة- أن "الله أرسل الشيخ عدي بن مسافر من أرض الشام، وأتى إلى لالش".

تلك النصوص السابقة تبيّن المكانة العاليّة التي احتلّها الشيخ عدي عند الإيزيديين، حيث كان يُنظر له على كونه نبياً موحى إليه، ورسولاً مبتعثاً من قِبل الله تعالى، فأطلقوا عليه اسم "شيخادي" واتخذوا من قبره بلالش قبلة ومركزاً لهم.

بالإضافة إلى أنهم جعلوا من كتابه المعروف باسم "الجَلْوَة" كتابهم الأكثر قداسة، واعتبروا أن ما ورد فيه من أحكام وأخبار، إنما تنزّلتْ من الله على الشيخ عدي، وذلك بحسب ما يذكر محمد عبدو علي في كتابه "الديانة الإيزيديّة والإيزيديّون في شمال غرب سوريا".

ويذكر الدكتور سعيد الديوه جي في كتابه "اليزيدية"، أن الشيخ عدي لم يتزوّج، ولم يقرب النساء حتى عرف باسم عدي الأعزب، وأنه لما حانت ساعته أوصى أتباعه بالانقياد إلى ابن أخيه أبو البركات صخر بن صخر بن مسافر.

ومن المهم أن نشير إلى أن النظرة الإيزيديّة إلى الشيخ عدي، ليست مستقرّة أو موحّدة بشكل كامل، فإذا كان معظم الإيزيديين ينظرون إليه على كونه نبيّاً أو رسولاً، فإن مجموعة أخرى منهم تعتقد أنه كان بمثابة المُخلّص الذي أرسله الله للإيزيدييّن ليجدّد لهم دينهم ويحافظ على هويتهم الإيزيديّة وسط الأغلبية المسلمة الساحقة التي تُحيط بهم من كل حدب وصوب.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي