متاحف التراث الإنساني: حكايتنا الوطنيّة عن أنفسنا وعن الآخرين

متاحف التراث الإنساني: حكايتنا الوطنيّة عن أنفسنا وعن الآخرين

أُقيم مؤخراً في المتحف الأركيولوجي في ضواحي باريس معرضٌ مثير للاهتمام بعنوان "المستقبل التالي- الكنوز الأركيولوجيّة للقرن الواحد والعشرين".

يحاول القائمون على المعرض أن يتخيلوا ما الذي سيكون عليه شكل متحف للتراث الإنساني عام 4018، وذلك بعد تلاشي كل الدلائل الرقمية والمكتوبة عن "حياتنا" بسبب كارثة ما، وإثر هذه الفرضيّة، استخدموا أغراض يوميّة متنوعة "هاتف نقال محروق، قطعة من جدار، تمثال كيتش" وعرضوها للعلن.

ثم صمموا لعبة لنا، لمحاولة اكتشاف "حكاية" كل غرض، وما هي مرجعيته، هل ينتمي لأدوات الطعام، أم هل هو عمل فنيّ أو خريطة سياسيّة، ثم قاموا بتأليف حكاية وهميّة لكل غرض تمتلكُ جديّة ودقة علميّة، كتمثال لواحد من السنافر، صنفوه على أنه ذو قيمة دينيّة وشعائريّة، كان البشر يؤمنون بها في القرن الواحد والعشرين.

اللعبة التي يدعونا لها المعرض تُشكّك بالمتحف كمؤسسة ثقافيّة وفضاء للاستعراض، وتدعونا للتفكير في الإطار الذي تُعرض ضمنه "المقتنيات"، إذ تمتلك المتاحف خاصيّة ثقافيّة وتاريخيّة تجعلها محط جهود بناء الذاكرة وتصنيع الحكايات، هي مؤسسات تجمع وتوثق وتستعرض ما كان في لحظة ما "غرضاً"، وتحوله إلى "أثرٍ" ذي تاريخ "حقيقيّ"، ما يساهم بتشكيل رؤيتنا للماضي وحكايتنا الوطنيّة عن أنفسنا وعن الآخرين.

والأهم، أن المتحف، يقدم "حكاياته" على أنها نتاج جهد "علميّ"، فما هو معروض، محميٌّ، ومصنّفٌ، ويخضع للتحليل والدراسة دائماً لاكتشاف "الحقيقة" وجعلها علنيّة للزوار.

تدّعي مساحة الاستعراض في المتحف بأنها ليست نتاج إمبرساريو أو مُنتجٍ يريد الترفيه عن الجمهور كما في حديقة الحيوان البشريّة، بل توحي بأن ما "يُعرض" نتاج جهود علماء ومختصين، أصحاب الفرشاة الصغيرة والمقاييس الدقيقة، الذين يضبطون بدقة مقاييس الجمجمة وطول العظام لدى هيكل عظمي ما، ويدرسون ويصنفون الكؤوس والأواني الفخاريّة، هم من يرصدون أدق الاختلافات.

لكن ما هي مرجعية هذا الاختلاف، ومن يختلف عن من؟

تقنيّة المتحف في العزل والاستعراض خضعت لها سارا بارتمان، امرأة من جنوب أفريقيا تم "اصطيادها" في القرن الثامن عشر، وعُرضت بداية في السيرك في بريطانيا بسبب مؤخرتها الكبيرة، لتتحول بعدها إلى مصدر للدراسات الطبية عن جنسانيّة المرأة السوداء واختلافها عن الباقين.

والأهم، أنه بعد موتها عرضت أجزاء من جثتها إلى جانب تمثال مطابق لها في متحف التاريخ الطبيعي في فرنسا، وبقي تمثالها حتى منتصف السبعينات يُعرض بوصفه مثالاً "علمياً" على شبق المرأة السوداء، في تحيّز واضح وعنصريّ ضدها وما تمثله من "عرق"، واستمرت طويلاً جهود الناشطين والنسويات والنقاد إلى أن أزيل تمثالها، ودفنت رفاتها عام 2002 في موطنها الأصليّ.

الصيغة المتحفيّة السابقة، مازالت حاضرة حتى الآن وتحارب بشدة، كما يحدث في باريس حالياً، والمشكلات حول جماجم المقاومين الجزائريين المحفوظة في قبو متحف الإنسان في العاصمة الفرنسيّة، والتي بدأت العرائض منذ عام 2011 للمطالبة بها وإعادتها للجزائر كي تدفن.

جماجم المقاومين الجزائريين المحفوظة في قبو متحف الإنسان في العاصمة الفرنسيّة، ولتي بدأت العرائض منذ عام 2011 للمطالبة بها وإعادتها للجزائر كي تدفن

الإشكالية في هذه الجماجم، أنها مخزّنة ضمن متحف للتراث الطبيعي والتطور البشريّ، لرسم الاختلافات "علمياً" بينها وبين ما حولها، بوصفها أدنى، أو مرحلة من مراحل "التطور" للوصول إلى الشكل "الأمثل" الحاليّ.

والأهم أن من بينها جماجم لقادة وثوار من الجزائر تم قتلهم وقطع رؤوسهم من قبل الاستعمار الفرنسي، لكن المتحف يتعامل مع جماجمهم كموضوعات متحفيّة للدراسة والتحليل، في تجاهل أن الرؤوس المقطوعة هذه، كانت تستخدم لنشر الرعب بين سكان الجزائر، وللتأكيد على انتصار الفرنسيين بوصفها دلائل على القوة والمجد، تنقل إلى العاصمة لتستعرض كبرهان على النصر.

المتحف كمؤسسة سياسيّة

لفهم السياسة وراء المتحف، لابد من النظر إليه كفضاء ذي تصميم دقيق، فكل ما فيه ذو معنى، من اسمه، إلى ترتيب المقتنيات في الداخل، وحكايات هذه المقتنيات، والبطاقات الصغيرة التي تصف كل واحدة منها بوصفها لـ"سكان أصليين" في أستراليا، أو "أغراض طقوسيّة" من أفريقيا، إذ تُخفي الكثير من المتاحف مصادر مقتنياتها، ولا تخبرنا كيف أصبحت خلف الزجاج، وتصفح بسيط للتاريخ، يكشف أن أغلب مقتنيات المتاحف "الأثرية" -ولا نتحدث عن المعاصرة- هي إما نتاج الاستعمار وتمت سرقتها، كالكثير من الآثار الأفريقية المنتشرة في أوربا، أو نتيجة الشراء بطرق غير شرعيّة.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف سيكون شكل متاحف التراث الإنساني بكل هذه الدلائل الرقمية والمكتوبة عن "حياتنا"؟ وكيف سيكون شكل متاحفنا إن تلاشت كلها بسبب كارثة ما؟

شارك غردتمثال للسنافر ذو قيمة دينيّة وشعائريّة، كان البشر يؤمنون بها في القرن الواحد والعشرين.. كيف سيكون شكل كنوز الأركيولوجيا مستقبلاً؟

غياب المصادر والحكايات يتركنا أمام "الأثر" المعروض علناً ، الذي يدرس بدقة كيف يوضع وأين يوضع وضمن أي مجموعة، فما هو قناع أفريقي طقوسي وموضوع للزينة في متحف ما مع حكاية عن "استخدامه"، وصل للمتحف نتاج السرقة، وفي محاولة للتغطية على التاريخ الاستعماري يُستبدل وصف "فن بدائي" بـ"فنون أوليّة" arts premiers.

كما أن اختلاق فضاء فقط للفن الأفريقي مثلاً والاحتفاء به، كما في متحف جاك شراك في فرنسا، ليس إلا تبييض لوجه الاستعمار، ونفيٌ للحكايات المرتبطة به، وعزل للعمل الفني "الأولي" عن "الفن الأوربي" وكأن هناك اختلافاً أو تفوقاً من نوع ما.

ذات الشيء نراه في الآثار القادمة من سوريا والعراق والتي تباع حالياً في السوق السوداء، والتي لا يذكر في الكثير من الأحيان كيف "ظهرت" في المتحف، ولم انتقلت من مكانها الأصلي، ومن سرقها وباعها، أما حكاياتها "التاريخيّة"، فستكون نتاج "المختصين"، الذين يصمم كل واحد منهم حكاية بناء على معارفه التاريخيّة، ليخبرنا عن تاريخ دمرته و نهبته جهود سياسيّة ومنظمات إرهابيّة.

يساهم غياب المصدر وحضور الحكاية المبتدعة وأسلوب العرض بصناعة الحقيقة التاريخيّة التي يدّعيها المتحف، فالمشاهد يصدق ما يراه، ويرى بأم عينه مع البرهان "العلميّ" أن هذه الآثار تنتمي لحضارات مختلفة "علمياً" عنه، ما يرسخ "الداروينية الثقافيّة"، والتي تصنف الأفراد ضمن أهرام وفئات متفاوتة بحسب طبيعة نشاطهم ومنتجاتهم، والأهم، أن هذه "الحكايات الوهميّة" تتسلل للأكاديمية والمؤسسة الطبيّة، بوصفها مرجعيات و"حقائق" يسلّم بها كونها صادرة من المتحف. 

سياسات الإطار

يحيلنا ما سبق إلى الإطار، أو المساحة التي تفصل بين "الغرض" و بين ما حوله، بوصفه مفهوماً رمزيّاً وماديّاً كإطار اللوحة حرفياً، الذي يحصر "الحكاية" ضمنه، و يتجاهل ما حولها، كما نرى في جدار المتحف الأبيض الذي تعلق عليه لوحة ما.

هذا البياض ليس طبيعياً ولا جمالياً، هو يخفي السياسات التي جعلت هذه اللوحة تظهر هنا، ويحتكر التأويل والقدرة على فهم السياق فقط بما هو "ظاهر"، ويجعل "الحقيقة" فقط تلك الموجودة ضمن بطاقات التعريف.

المثال الأوضح على ذلك، نراه في المتاحف الوطنيّة الحربيّة، التي تخفي حكايات الهزيمة والانتصار و"تؤلف" ما يتطابق مع سياساتها.

حتى داخل الإطار، أي ضمن المنتج الثقافي نفسه، نرى "آثاراً" تنتصر للاختلاف، عبر إعادة ترتيب حكايات وأغراض الآخرين وتكوينها بـ"أسلوب فني"، لتنتصر فئة على أخرى، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولخلق التمايز بين من آثارهم داخل الإطار وبين من هم خارجه، سواء كان الفنان نفسه (صانع العمل) أو المشاهدين أو القائمين على المتحف.

وهذا ما نراه في أعمال أي واي واي، صحيح هي تتناول الحدث السياسي، وتناقشه، بل وتأخذ موقفاً منه، لكنها حكرٌ على فئة ما، من هم مستهلكوها؟

وما الذي يقدّمه أي واي واي للاجئين الذين استخدم ستر النجاة الخاصة بهم ليصنع عمل تجهيز ضخم؟

خصوصاً أنهم لن يزوروا أو يروا "عمله الفنيّ" كون الكثيرين منهم مازالوا عالقين على الهوامش وفي المخيمات، وكأن هناك فجوة بينه وبين موضوعات عمله الفنيّ، هو يقدم منتجاته لزوار المتاحف ودافعي الضرائب، وبفضله "يبصرون" المأساة، لكن هل حقاً نحن نحتاج أي واي واي لنعرف ما يحدث في سوريا والعراق واليمن؟

وهل لا بد من زيارة المتحف لنفهم معاناة المهاجرين ونقرأ حكاياتهم؟

Ai Weiwei Ai Weiwei

عمار المأمون

صحافي سوري مساهم في عدد من الصحف والمجلات العربية، حاصل على ماجستير في الإعلام وليسانس نقد ودراسات مسرحية.

التعليقات

المقال التالي